33.4 مليار دولار حجم سوق الإنترنت الفضائي بحلول عام 2030م بمعدل نمو %18.1.
توقعات بوصول إيرادات الإنترنت الفضائي في المملكة إلى 518 مليون دولار بحلول 2030م.
المبادرات الحكومية والابتكار وتحسين البنية التحتية أبرز الفرص الاستثمارية للإنترنت الفضائي.
إذا كنت تعيش في منطقة حضرية، فإن خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ليست مناسبة لك، أما في المناطق الريفية والنائية بما في ذلك السفن والطائرات، يتألق إنترنت الفضاء، حيث يكون الخيار الأمثل الوحيد، لكن الأمر ليس مثاليًا في كل الأحوال، حيث تُشكل مشكلات فنية عدة، والتكلفة الباهظة، تحديات صادمة لهذه الخدمة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، عليك سداد مبلغ 350 دولارًا، بالإضافة إلى 120 دولارًا رسومًا شهرية، للحصول على خدمات “ستارلينك”، مقارنةً مع متوسط تكلفة شهرية للإنترنت الأرضي تبلغ 70 دولارًا، لبيانات غير محدودة وسرعة 60 ميجابايت.
وتعد شركات “سبيس إكس”، و”فياسات”، و”إيكو ستار”، و”يوتيلسات كوميونيكيشنز” في الولايات المتحدة، و”إس إي إس”، في لوكسمبورغ، من أبرز الشركات الرائدة في مجال الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، حيث تتمتع بشبكات توزيع قوية في مناطق مثل أمريكا الشمالية، وأوروبا، وآسيا والمحيط الهادئ، والشرق الأوسط، وبقية أنحاء العالم.
تجربة إنترنت الفضاء
وأسس “إيلون ماسك”، شركة “سبيس إكس” لتكنولوجيا الفضاء عام 2002م، التي أطلقت أول أقمارها الصناعية عام 2019م، لإتاحة الاتصال بالإنترنت على مستوى سطح الأرض، حيث تقدم هذه الخدمة من خلال شركتها التابعة “ستارلينك”، وأكد “ماسك” في أكثر مناسبة، أن شركته لا تقدم خدمة إنترنت عامة، بل خدمة لفئة قليلة من الناس يصعب الوصول إليها باستخدام أنواع أخرى من الاتصالات.
ويؤكد مختصون أن أبرز المشكلات التي تواجه “ستارلينك” وتقنيات الأقمار الصناعية المماثلة، تظهر عندما يستخدمها عدد كبير من الناس في منطقة واحدة، حيث تميل سرعات الإنترنت إلى التباطؤ بشكلٍ ملحوظ، خاصةً عند إرسال الصور أو إجراء مكالمات الفيديو.
وتتغلب “ستارلينك” على مشكلة الاختناق هذه بإطلاق أقمار صناعية جديدة باستمرار، وتحسين تقنياتها، وفرض قوائم انتظار ورسوم “ازدحام” لتقييد الاشتراكات الجديدة، لكن هناك جدل محموم حول عدد الأمريكيين الذين سيستفيدون من اتصالات الأقمار الصناعية، ومقدار الدعم الحكومي الضخم لشبكات الإنترنت الذي يجب أن يُخصص لخدمات الأقمار الصناعية التي لا تتمتع بجودة وموثوقية عالية، وقد لا تُتاح أبدًا.
وثمة اعتقاد بأنه ضمن منطقة التغطية الجغرافية لقمر صناعي واحد من “ستارلينك”، والتي تُقدر مساحتها بـ 62.9 ميل مربع، أو ما يُعادل مساحة مدينة “تاكوما” في ولاية واشنطن تقريبًا، قد يُصبح الوصول إلى 419 عميلاً من عملاء “ستارلينك” مشكلة، وهذا يُمثل متوسط 6.7 عميل لكل ميل مربع.
وفي السياق نفسه، ترى خبيرة تكنولوجيا الاتصالات، “ساشا مينراث”، أن “ستارلينك” تُعد معجزة تكنولوجية وشريان حياة رائع للإنترنت، طالما أن أي أمريكي لا يحتاج إلى الاعتماد عليها تقريبًا، مشيرةً إلى أن الشركة تتطور بسرعة كبيرة لدرجة أنها قد تُضاهي خطوط الإنترنت التقليدية في بعض أنحاء أمريكا بتكاليف أقل على دافعي الضرائب، فيما ذكر الذي أشرف على مشروع حكومي لتوسيع الإنترنت خلال إدارة الرئيس “جو بايدن”، “إيفان فينمان”، بأنه مقارنةً باتصالات الأقمار الصناعية، قد تكون تكاليف خطوط الإنترنت عبر الألياف الضوئية أعلى في البداية، لكنها ستدوم لفترة أطول، ويمكنها تحمل الاستخدام المتزايد للإنترنت بين الأمريكيين في المستقبل، وأكد أنه لا ينبغي لأمريكا التنازل عن أموال دافعي الضرائب، معتبرًا أن تكنولوجيا الأقمار الصناعية، “مفيدة للغاية، لكنها ليست الحل الأمثل لاستثمار جيل كامل”.
استثمارات ضخمة
واختارت الحكومة البريطانية، مؤخرًا، شركة “يوتلسات ون ويب”، لتوفير الاتصالات عبر الأقمار الصناعية للبعثات الدبلوماسية وفرق الاستجابة للكوارث، والإدارات التي تحتاج إلى خدمات الاتصالات في البيئات النائية أو الصعبة، وذكر وزير الدولة للعلوم والابتكار والتكنولوجيا، “بيتر كايل”، بأنه مع تزايد استخدام خصومنا لتقنيات الفضاء لإلحاق الضرر بنا، أصبح الاتصال المرن عبر الأقمار الصناعية ضروريًا لأمننا القومي، مشيرًا إلى أن الأقمار الصناعية تدعم نشاطًا صناعيًا بقيمة 364 مليار جنيه إسترليني في اقتصاد المملكة المتحدة.
وتعمل الصين على تمويل شبكة واسعة من الأقمار الصناعية، لمواجهة الانتشار المتزايد لشركة “ستارلينك”، حيث جمعت شركة “هونغ تشينغ للتكنولوجيا”، التي تأسست عام 2017م، تمويل بقيمة 48 مليون دولار، حيث تخطط لإطلاق 10 آلاف قمر صناعي، وفي العام الماضي، نجحت شركة “سبيس سيل” في الحصول على تمويل بقيمة 930 مليون دولار، لتطوير قدراتها التصنيعية.
وفي كندا، حصلت شركة “تيليسات” مُشغلة الأقمار الصناعية، على قرض بقيمة 2.1 مليار دولار، لإطلاق مجموعة من الأقمار يُطلق عليها اسم “لايت سبيد”، لتوفير الإنترنت عريض النطاق، في المناطق النائية من البلاد، بما في ذلك مجتمعات السكان الأصليين وشركات المناجم والغابات، بأسعار رخيصة، حيث تخطط الشركة لإطلاق أول قمر صناعي من أصل 198 قمرًا صناعيًا في عام 2026م.
نمو متوقع
وثمة توقعات، بأن يصل حجم سوق الإنترنت الفضائي إلى 14.7 مليار دولار بنهاية عام 2025م، وأن يزيد إلى 33.4 مليار دولار بحلول عام 2030م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %18.1، خاصةً مع تزايد حاجة الأفراد والشركات إلى الوصول إلى الإنترنت في المناطق التي لا تصل إليها الكابلات التقليدية، يشمل ذلك القرى الريفية، والأراضي الزراعية، والمحيطات، والمناطق الجبلية، فمع التقدم التكنولوجي، أصبح الإنترنت عبر الأقمار الصناعية أسرع وأرخص وأسهل استخدامًا، إذ تعتمد الشركات الصغيرة والمدارس والمستشفيات في المناطق النائية عليه للبقاء على اتصال مع بقية العالم.
وبخلاف الأنظمة التقليدية، تتيح خدمات الإنترنت الفضائي للمستخدمين بث مقاطع الفيديو، وحضور الدروس عبر الإنترنت، وإجراء مكالمات الفيديو، ومن العوامل الأخرى التي تدفع هذا النمو، زيادة أعداد الأجهزة الذكية وأجهزة الاستشعار التي ترسل وتستقبل البيانات باستمرار، والتي تستخدم في قطاعات مختلفة، بما في ذلك الزراعة والشحن وخدمات الطوارئ، حيث تعمل الشركات على تطوير أقمار صناعية أصغر حجمًا وإطلاقها في مجموعات لتوفير تغطية أقوى وأوسع، بما يمكنها من العمل معًا لتوفير الوصول إلى الإنترنت حتى في حالة عدم توفر أحدها.
تحديات وفرص
وذكر الخبير الفرنسي في أنظمة الاتصالات، “سيلفان شوفالييه”، أنه بالنظر إلى الوضع الحالي للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وما يرتبط به من إمكانات وتحديات، يبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت الأقمار الصناعية قادرة على استبدال اتصالات الهاتف المحمول والخط الأرضي التقليدية في المستقبل، فعلى الرغم من تطور الإنترنت الفضائي في السنوات الأخيرة من حيث زمن الوصول، وسعة الجيجابايت، والفاعلية والتكلفة، إلا أنه لا يزال يُعدُ تقنية متخصصة، ويُعزى انخفاض الطلب على الأرجح إلى القيود التي تفرضها بعض الدول وارتفاع التكلفة، والمخاوف الأمنية الخاصة بسرية الاتصالات والبيانات، والحطام الفضائي.
وتابع أنه ومع ذلك، يُمكن أن يكون الاستثمار في الإنترنت الفضائي مفيدًا لشركات الاتصالات، إذ تتيح هذه التقنية إمكانات لمزيد من التطوير، مما يوفر فرصًا لتوسيع الشبكة مستقبلًا وسد فجوات الخدمة، علاوةً على ذلك، يُمكن أن تُسهم هذه التقنية إيجابيًا بطرق أخرى، مثل توفير خدمة الإنترنت عبر الطائرات.
وتعد التكلفة من أبرز التحديات التي تواجه تقنية الإنترنت الفضائي، حيث أوضح خبير أمن المعلومات والاتصالات “جوليوس هافر”، أنه في ألمانيا، على سبيل المثال، تتوفر بالفعل باقات الإنترنت الأساسية مقابل 30-13 يورو شهريًا، ولكنها عادةً ما تأتي مع سعة بيانات محدودة، ومع زيادة الاستخدام، تزداد التكاليف، ويمكن أن يكلف حجم بيانات يبلغ نحو 100 جيجابايت حوالي 70 يورو أو أكثر شهريًا لإنترنت الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى ذلك، فإن الأجهزة المطلوبة لتشغيله أغلى من خدمات الخطوط الثابتة أو المحمولة، حيث يجب استئجار جهاز المودم بحوالي 10 يورو شهريًا، أو شراؤه مقابل رسوم لمرة واحدة تصل إلى 500 يورو، وهذا مكلف للغاية.
عصر الإنترنت الفضائي
وتعد المملكة في طليعة دول المنطقة في الدخول إلى عصر الإنترنت الفضائي، إذ أعلن “إيلون ماسك”، خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي، الذي عُقد في مايو العام الجاري، موافقة المملكة على استخدام خدمة “ستارلينك” في قطاعات الطيران والملاحة البحرية، كما أبرمت شركة “إس تي”، شراكة استراتيجية مع شركة “سوليوشنز” التابعة لمجموعة “إس تي سي”، بهدف تعزيز البنية التحتية الرقمية في المملكة، من خلال توسعة الشبكة الأرضية لتشمل خدمت الأقمار الثابتة والمتحركة.
وعلى الرغم من ارتفاع معدل انتشار الإنترنت في المملكة، إلا أن هناك حاجة مُلحة لتحسين الوصول إلى خدمات الإنترنت في المناطق الريفية، وتقديم خدمات حكومية وحلول حيوية في مجالات الصحة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني والتجارة الإلكترونية في هذه المناطق، وأن سهولة الوصول إلى الإنترنت من شأنه أن يُحفز التعليم والنمو، ودفع عجلة التنمية نحو تحقيق أهداف رؤية 2030، بالنظر إلى أن تكلفة تغطية مساحة المملكة الشاسعة بالألياف الضوئية والتقنيات الأرضية “كبيرة للغاية”.
وثمة توقعات بأن تصل قيمة إيرادات سوق الإنترنت الفضائي في المملكة إلى 518 مليون دولار، بحلول عام 2030م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %14.2 خلال الفترة من 2025م إلى 2030م، وبلغت قيمة الإيرادات 235 مليون دولار في عام 2024م، مشددةً على أن المبادرات الاستراتيجية والاستثمارات القوية في مجال التحول الرقمي، تساهم في نمو الإنترنت الفضائي خلال السنوات المقبلة بصورة كبيرة.
وتبذل المملكة جهودًا متواصلة لتعزيز التقدم التكنولوجي وبناء مجتمع رقمي شامل، فالإنترنت عبر الأقمار الصناعية سيكون له دور محوري في دعم هذه الجهود، وأن المشروعات الحكومية مثل تطوير المدن الذكية وبرامج دعم الريف، من المستهدف أن تستفيد بشكلٍ أكبر من هذه التقنيات المتطورة، ويعد دعم تكنولوجيا الأقمار الصناعية ودمجها في خطط التنمية يأمرًا محوريًا في نمو السوق في المستقبل، فضلاً عن تشجيع الابتكار، وتحسين البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في كافة أنحاء البلاد.