رأي

النظام الاقتصادي العالمي يتغير!

صاحبت مناسبات اقتصادية كبرى، مثل: منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، ومؤتمر ميونخ الأمني، خطاباتٌ اقتصادية شديدة اللهجة، استخدم فيها السياسيون وصناع القرار الدولي نبرةً محبطة وسوداوية تجاه النظام العالمي المسمى بـ”نظام العالم المرتكز على القانون” وتجاه النظام المالي العالمي الذي تأسس بعد عام 1945م.

وتشهد الساحة الدولية على مستوى الدول أجواءً مليئة بالتغيرات الاستراتيجية وإعادةً لضبط للأولويات بما يخدم المصالح الاقتصادية لكل دولة، بعيدًا عن ضوابط النظام العالمي الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة؛ عندما تم تأسيس المؤسسات الدولية التي تعتبر المحرك الاقتصادي، مثل منظمة دول التعاون الاقتصادي ومنظمة التجارة الدولية والكثير من المنظمات والمؤسسات الأخرى التي طالما صنعت جسورًا من التبادل والتعاون الاقتصادي.

ومن اللافت أن بعض الخطابات جاءت بمثابة إعلان نهاية تلك الحقبة من التعاون الدولي المرتكز على أحادية القطبية المصطف خلف الولايات المتحدة الأمريكية والانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب بتعاونات استراتيجية واقتصادية وتنموية خارج مؤسسات النظام الدولي المهترئة.

ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية القوة التصنيعية والخدمية الطاغية على صادرات الأسواق العالمية، بل أصبحت مثقلةً بالديون؛ فالنظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة كان هيكليًا معتمدًا على نفوذها التجاري في كافة أسواق العالم.

والواقع الاقتصادي الحالي لم يعد يخدم هذا الهيكل، بل على العكس، أصبح حملاً ثقيلاً على الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالسوق الأمريكي أصبح مثقلاً باستهلاك السلع والخدمات المستوردة، وإصدار سندات الخزانة الأمريكية رغبةً في بيعها كديون من أجل سيولة تسعف سعير الديون المتنامية. هذا الهيكل بكل بساطة لم يعد يخدم النموذج الاقتصادي الذي بُني في القرن الماضي.

ولم يعد من مصلحة الولايات المتحدة الارتباط عن قرب بالنظام المالي العالمي، بل على العكس أصبح النظام المالي العالمي شديد التكلفة على الولايات المتحدة، وهو ما يشرح لنا الكثير مما تقوم به الولايات المتحدة من فك الارتباط، خصوصًا مع أطراف غير قادرة على نهوض النظام المالي العالمي، مثل الاتحاد الأوروبي، الذي دخل نفقًا مظلمًا من العزلة الدولية في دوامة اقتصادية ترفع مستوى الديون والتضخم على الاتحاد الأوروبي نفسه والولايات المتحدة الأمريكية.

وإن التكسب الاقتصادي من الاضطرابات السياسية وتقلبات أسواق المال والأسواق ليس صدفةً وليس عبثيًا، ولا يحدث خارج التخطيط، بل هي انعكاسٌ مباشر لرغبة جامحة في فك الارتباط والتربح من تلك الاضطرابات. فالأنظمة المالية لمعظم دول العالم، من طوكيو إلى مكسيكو سيتي، لا تزال مرتبطةً بالولايات المتحدة الأمريكية ونظامها المالي والنقدي، إلا أن الولايات المتحدة لم تعد ترغب في حمل هذه المهمة.