من أجمل وأهم الكتب التي صدرت العام الماضي 2025م، كتاب “الدبلوماسية الحضارية .. مفهومًا جديدًا”، الذي أصدرته منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة، وهو عبارة عن أوراق علمية تتناول البنى التأسيسية لمفهوم هذه الدبلوماسية، قدَّم لها المدير العام للمنظمة، الدكتور سالم المالك، بتصدير مختصر مما جاء فيه أن هذا المفهوم “يعمد إلى بناء ناظم يعتمد قيم المشترك الحضاري الإنساني بوصفها قيما ذات قدرة على مجابهة حالات الصراع ثقافية المنشأ، ويستفيد في الوقت نفسه من الإمكانات المستجدة المتوافرة على صعيد الازدهار الاتصالي العالمي”.
واستوحي من جملته “صعيد الازدهار الاتصالي العالمي” فكرة أو هدف “الازدهار الاقتصادي العالمي”، الذي تنشده المملكة التي قدمت نفسها خلال عقود من الزمن كدولة حضارية تسعى للخير والسلام وتبذل له الكثير من ثقلها السياسي حتى وصلنا إلى هذا العهد الزاهر، عهد الرؤية السعودية التي يرعاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ووضعها ويشرف على تنفيذها بدقة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود حراكًا محليًا وإقليميًا وعالميًا لازدهار العالم، ويضم إضافة إلى الدبلوماسية الحضارية، كذلك الدبلوماسية الاقتصادية، عبر مبدأ النهوض بأنفسنا لمساعدة أو إلهام الآخرين للنهوض بأنفسهم.
فالدبلوماسية الاقتصادية، هي استخدام الدولة لمقدراتها وأدواتها الاقتصادية كـ(التجارة، الاستثمار، المساعدات، والقروض) لتحقيق مصالحها القومية وتوجيه سلوك الدول الأخرى، مما يسهم في دعم التنمية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الصادرات، وتشمل أنشطة متنوعة مثل: اتفاقيات التجارة الحرة، وفرض العقوبات، وتقديم الدعم الفني، وتهدف لتعزيز الأمن الاقتصادي.
واليوم، ونحن في فترة الاحتفاء والامتنان بمرور عشر سنوات على إطلاق رؤية 2030 عام 2016م، نرى هذه الدبلوماسية الاقتصادية واقعًا يُشار له بالبنان، فمع النتائج التي حققتها الرؤية ازدادت قوة الاقتصاد السعودي بالتنويع، وزادت إمكانات الاستدامة المالية، ووضعت الأسس المهمة لتنفيذ استراتيجيات قطاعية آتت أُكلها قبل حينها المستهدف في كثير من الحالات، مع كل هذا التطور الداخلي كان هناك واقع يزداد ثبوتًا ونموًا لمكانة المملكة كدولة مسؤولة ومؤثرة دوليًا من الجانبين الاقتصادي والمالي، إضافة إلى تأثيرها السياسي السابق كقائدة للعالمين الإسلامي والعربي.
وترتكز الدبلوماسية الاقتصادية للمملكة على ثقلها الاقتصادي كعضو ناجح وفاعل في مجموعة العشرين، وكقائد لاستقرار أسواق، ودولة متقدمة في مؤشر التنمية البشرية، ورئيسة للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في صندوق النقد الدولي، وعضو في المجلس الوزاري لصندوق الأوبك للتنمية الدولية، وأيضًا تم اختيار الرياض لتكون مقرًا لأول مكتب إقليمي لصندوق النقد الدولي في الشرق الأوسط لمكانتها وتأثيرها الاقتصادي.
ولعل من أهم ملامح هذه الدبلوماسية قيادة المملكة مع صندوق النقد الدولي ملف اقتصادات الأسواق الناشئة عبر مؤتمر سنوي يقام في العلا لهذه الاقتصادات يُعدُّ اليوم المنصة الأهم بالنسبة لهم لمناقشة تحدياتهم وتطلعاتهم، وقد انتهى مؤخرًا بمبادرات وتوصيات مهمة حرصت المملكة على إيصالها لهذه الاقتصادات لتواصل النمو، وتحل إشكالاتها التنظيمية والهيكلية المتعلقة بالاقتصاد وتصبح جزءًا أكثر فاعلية في الاقتصاد العالمي عبر استثمار ميزاتها النسبية واستغلال الفرص.
والحراك السعودي كثير ومتنوع ومنه قيادة ملفات عبر مؤتمرات عالمية أصبحت خاصة بالمملكة مثل مؤتمر التعدين الدولي، ومؤتمر العمل الدولي، وغيرها كثير، وكل ذلك من أجل تعزيز العمل والتعاون الدوليين، والإسهام في إيجاد حلول لتحديات الاقتصاد العالمي في ظل المتغيرات المتسارعة وبما يعود بالمنفعة على الجميع، وبالطبع على الاقتصاد الوطني.
