يسهم قطاع النقل والخدمات اللوجستية بنسبة تتراوح بين %6، و%7، من الناتج المحلي الإجمالي.
اختارت أكثر من 700 شركة عالمية المملكة مقرًا إقليميًا لها بحلول العام الجاري، ما يعزز تمركز سلاسل الإمداد الإقليمية داخل البلاد.
حققت المملكة قفزة هائلة بتقدمها 17 مركزًا في مؤشر البنك الدولي لتصل إلى المرتبة 38 عالميًا، مع مستهدف الدخول ضمن أفضل 10 دول بحلول 2030م.
لم تعد سلاسل الإمداد مجرد مسارات لنقل البضائع، بل ساحة للتنافس الجيوسياسي والاقتصادي تُعاد من خلالها صياغة موازين القوة العالمية، فبعد أعوام من الاضطرابات التي كشفت مدى هشاشة النظام اللوجستي الدولي، من جائحة كورونا إلى أزمات الممرات البحرية والتوترات التجارية، أصبح السؤال المحوري الذي تحاول الإجابة عنه الدول والشركات هو: كيف نضمن الاستمرارية ونحمي التدفقات؟ وليس كيف نُقلّل التكلفة؟
وفي خضم هذا التحوُّل، أخذت تتشكل خارطة لوجستية جديدة تتقدم فيها الدول التي تجمع بين الموقع الاستراتيجي والبنية التحتية المتطورة مصحوبًا بالسياسات الاستثمارية المرنة، وهنا تبرز المملكة كلاعب صاعد يسعى إلى الانتقال من دور العبور إلى التأثير، ومن محطة مرور إلى مركز عالمي لإعادة التصدير والتصنيع وسلاسل الإمداد.
وإن ما يحدث اليوم ليس مجرد توسع في الموانئ أو زيادة في عدد المناطق اللوجستية، بقدر أنه إعادة تموضع استراتيجي يضع المملكة في قلب معادلة التجارة العالمية بتطوراتها المستمرة، حيث أصبحت تُقاس القوة بمدى قدرة الدولة على إدارة التدفقات واحتواء المخاطر وصناعة الفرص.

مسارات استراتيجية متعددة
وتعزز المملكة هذه المكانة عبر مسارات استراتيجية متعددة، من بينها استضافة فعاليات ومنتديات دولية كبرى، مثل: منتدى “الأونكتاد العالمي لسلاسل التوريد”، المقرر عقده في أواخر العام الجاري، ويستهدف صياغة رؤى مستقبل التجارة العالمية وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية والمناخية، ما يعزز – بلا شك- اعترافًا دوليًا متناميًا بريادة المملكة في هذا القطاع وتحوُّلها إلى وجهة رئيسة لصناع القرار في التجارة الدولية.
كما تتبنى المملكة “المبادرة الوطنية لسلاسل الإمداد العالمية”، التي تهدف إلى جعلها وجهة مُفضلة للشركات العالمية لتوطين سلاسل إمدادها، وجذب تدفقات استثمارية ضخمة عبر تقديم حوافز مالية وضريبية تنافسية، إضافة إلى تطوير مناطق اقتصادية خاصة متكاملة.
59 منطقة لوجستية جديدة
وقد شرعت المملكة في تطوير بنيتها ومنصاتها اللوجستية، وأعلنت افتتاح 59 منطقة لوجستية جديدة بهدف خفض التكاليف وتعزيز كفاءة الربط العالمي، وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق الخدمات اللوجستية في المملكة بلغ عام 2025م، نحو 511 مليار ريال، فيما بلغت قيمة الاستثمارات المنفذة والمخطط لها في قطاع النقل والخدمات اللوجستية نحو 280 مليار ريال، مع استهداف الوصول إلى تريليون ريال بحلول عام 2030م.
ويسهم قطاع النقل والخدمات اللوجستية حاليًا بنسبة تتراوح بين %6 و%7 من الناتج المحلي الإجمالي، وينمو بمعدل سنوي يتجاوز %7.7 مقارنة بمتوسط نمو عالمي يتراوح بين %4 و%5، ما يعكس مدى تسارع النمو المحلي في ظل الإنفاق الحكومي الكبير، وتستهدف المملكة رفع مساهمة القطاع إلى %10 من الناتج المحلي بحلول 2030م، ليصبح أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد غير النفطي.
وثمة مؤشرات عدة تُشير إلى تقدم كبير في هذا المسار؛ إذ اختارت أكثر من 700 شركة عالمية المملكة مقرًا إقليميًا لها بحلول أوائل عام 2026م، مما يعزز من تمركز سلاسل الإمداد الإقليمية داخل المملكة، ومع انتقال الشركات العالمية إلى المملكة تبرز الحاجة إلى شركات لوجستية محلية تقدم خدمات متقدمة تشمل المستودعات الذكية، التخليص الجمركي الرقمي، وإدارة الأساطيل، ومن المتوقع أن ينمو سوق الخدمات اللوجستية للغير في المملكة بمعدل سنوي مركب يتجاوز %6 حتى عام 2026م.
كما شهد القطاع نموًا لافتًا في عدد السجلات التجارية القائمة خلال عام 2024م بنسبة %76 ليصل إلى نحو 11,928 سجلاً في مؤشر واضح على اتساع قاعدة الأعمال اللوجستية.

قدرات لوجستية مرنة لامتصاص الصدمات
ويؤكد رئيس اللجنة اللوجستية السابق في غرفة الشرقية، راكان العطيشان، أن تغير مفهوم العولمة أوجد سوقًا جديدة للدعم اللوجستي، موضحًا أن الدول باتت تسعى إلى تعزيز مواردها الاقتصادية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي لمواجهة المتغيرات الجيوسياسية، وهو ما يتطلب قدرات لوجستية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات، كما كشفت جائحة كيوفيد19 عن مدى هشاشة بعض الأنظمة اللوجستية عالميًا ووجود فجوات ينبغي معالجتها.
ويشير العطيشان إلى أن المملكة تتمتع بموقع استراتيجي يربط بين ثلاث قارات واقتصاد يُعد الأقوى في الشرق الأوسط وسوق محلية كبيرة، مما يخلق فرصًا واسعة للقطاع اللوجستي، كما أن مرور نحو %12 من التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، إضافة إلى سهولة الربط الجوي خلال خمس ساعات لمعظم الاقتصادات الكبرى، يمنح المملكة ميزة تنافسية تدفع الشركات للاستثمار فيها وجعلها محطة لإعادة التصدير، خاصة في ظل الاستقرار السياسي وتنافسية أسعار الطاقة والدعم المقدم للاستثمار الأجنبي.
وكان عام 2026م، قد شهد تحولات هيكلية في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، حيث لم تعد الشركات تسعى لاستعادة الوازن السابق فحسب، بل لبناء أنظمة قادرة على التعامل مع الاضطرابات المستمرة، وقد أسهمت التوترات الجيوسياسية عام 2025م، في فرض قيود تجارية وارتفاع تكاليف الشحن بنحو %40 على أساس سنوي وذلك نتيجة للاضطرابات في الممرات المائية الرئيسية كالبحر الأحمر وقناة بنما، ما رفع من مخاطر الاعتماد على المسارات الطويلة.

فرص غير مسبوقة للشركات بالمملكة
وفي هذا الإطار، تسعى المملكة بموقعها على الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى أن تكون لاعبًا رئيسًا في منظومة الإمداد الجديدة، وتشمل خططها توسعة المطارات والموانئ القائمة، ومن أبرزها توسعة مطار الملك سلمان الدولي لرفع قدرته إلى 3.5 مليون طن من البضائع، إضافة إلى تطوير المنطقة اللوجستية المتكاملة في الدمام، التي دخلت القوائم النهائية لجوائز التميز اللوجستي عام 2026م.
وتفتح هذه التحولات – دون شك – فرصًا غير مسبوقة للشركات بالمملكة، لاسيما في توطين الصناعات الوسيطة ضمن مبادرة “صنع في السعودية”، ما يمكَّن قطاعات البتروكيماويات والبلاستيك والمعادن بالتحول من تصدير المواد الخام إلى منتجات نصف مُصنعة تدخل في سلاسل توريد السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية والتغليف المستدام، بما يعزز القيمة المضافة ويقلل الاعتماد على تقلبات أسعار النفط.
ويؤكد استشاري اللوجستيات، عمرو فلمبان أن التغيرات الاقتصادية العالمية المرتبطة بالرسوم الجمركية وتكاليف التصدير ومكونات التصنيع دعت بالدول إلى التنافس على أفضل المسارات التجارية بأقل تكلفة وأعلى مستويات الأمان والاستمرارية، ويرى أن هذا التحول يتيح فرصًا كبيرة للاقتصاد الوطني حتى يصبح مركزًا لوجستيًا متكاملاً للتصدير وإعادة التصدير، مستندًا إلى موقعه الاستراتيجي وبنيته التحتية وقاعدته الصناعية المتنامية.
وفي ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، تُصنف المملكة كواحة استقرار ونمو؛ إذ سجلت ثاني أعلى نسبة نمو في الحمولة بين دول مجموعة العشرين لعام 2026م، كما تقدمت 17 مركزًا في مؤشرات البنك الدولي للأداء اللوجستي لتصل إلى المرتبة 38 عالميًا مع استهداف دخول قائمة أفضل 10 دول بحلول 2030م.
ويؤكد المحلل الاقتصادي والخبير في الأسواق العالمية، علي الجعفري على أن المملكة تتبنى خطة طموحة لتصبح مركزًا عالميًا ومحطة محورية لتحوّل البضائع حول العالم؛ إذ تعمل على تطوير وتوسيع شبكة الطرق، والنقل البري، والسكك الحديدية، باعتبار أن كفاءة منظومة النقل تمثل الركيزة الأهم في نجاح هذه الاستراتيجيات.
ويشير إلى أن التجربة الصينية في إحياء “طريق الحرير” تُظهر مدى أهمية الممرات التجارية في تعزيز النفوذ الاقتصادي، وهو ما تدركه المملكة ببذلها جهودًا كبيرة لإعادة صياغة مفاهيم سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية عالميًا، بما يمكّنها من بناء صناعة ضخمة قائمة على التصنيع وإعادة التصدير، والتحول إلى نقطة عبور رئيسة للبضائع الدولية.
ويشدد الجعفري، على وجود فرص واعدة أمام الشركات بالمملكة للانخراط في سلاسل إمداد البطاريات والطاقة المتجددة عبر استخراج وتكرير الليثيوم، النحاس، والذهب، كما يلفت إلى إمكانية عقد تحالفات مع شركات صناعة السيارات العالمية لتأمين احتياجاتهم من المعادن مباشرة من المملكة، ويبرز كذلك توجه نحو التحول إلى “مركز عالمي لإعادة التصدير”، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، ما يمنح الشركات المحلية فرصة أداء دور الوسيط اللوجستي الذي يربط المنتجات الآسيوية بالأسواق الإفريقية والأوروبية عبر شبكة مراكز لوجستية متطورة تشهد توسعًا وتحديثًا مستمرين في مختلف مدن المملكة.
إعفاءات ضريبية طويلة الأمد
وتستند المملكة في كامل خطواتها نحو التطوير اللوجستي إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية عام 2021م، إلى جانب البرنامج الوطني للتنمية الصناعية والخدمات اللوجستية الذي أُطلق عام 2019م لأجل تعزيز القدرات الصناعية واللوجستية للمملكة.
وتقدم المملكة حزمة حوافز مالية وضريبية من خلال المبادرة الوطنية لسلاسل الإمداد العالمية وهيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة، تشمل إعفاءات ضريبية طويلة الأمد، وتعليق ضريبة القيمة المضافة داخل المناطق الاقتصادية، وإعفاءات جمركية على الآلات والمواد الخام لأغراض التصنيع وإعادة التصدير، إضافة إلى دعم مالي مباشر من صندوق التنمية الصناعية يصل إلى %50 أو %75 من تكلفة المشروع بشروط ميسرة، وتوفير الطاقة بأسعار تنافسية، وقد خُصص نحو 10 مليارات ريال كحوافز مباشرة وغير مباشرة للمشاريع المدرجة ضمن المبادرة الوطنية لضمان سرعة التنفيذ وتحقيق العوائد المستهدفة.
تُعد المناطق اللوجستية أعمدة رئيسة في استراتيجية المملكة، حيث تسيطر على أكثر من %55 من سوق لوجستيات العقود في دول الخليج. وتضم عشرة موانئ وأكثر من 40 مدينة ومنطقة صناعية، وشبكة سكك حديدية تتجاوز 5000 كيلومتر، مع استهداف رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ إلى أكثر من 40 مليون حاوية بحلول 2030م.
ومن أبرز هذه المناطق، المنطقة اللوجستية المتكاملة بالرياض المجاورة لمطار الملك خالد الدولي، والتي تركز على صيانة الطائرات، والصناعات الخفيفة، والتجميع، والتخزين البارد، وخدمات التوزيع الإقليمي، وقد جذبت شركات عالمية كبرى نظراً لقربها من البنية التحتية وسهولة الإجراءات الجمركية، كما تضم منظومة ميناء جدة الإسلامي 22 منطقة لوجستية مع خطة لرفع العدد إلى 59 بحلول 2030م، إضافة إلى مناطق اقتصادية خاصة مثل رأس الخير للصناعات البحرية، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية المرتبطة مباشرة بميناء الملك عبدالله، والمنطقة اللوجستية في الدمام التي يجري تطويرها لتكون مركزاً إقليمياً يربط دول الخليج.
