يمثل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص انتقالاً مدروسًا من مرحلة التجربة والتقييم إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي الشامل؛ وهي بذلك تُشكل إطارًا وطنيًا متكاملاً ويضع التخصيص ضمن سياق أوسع من السياسات الاقتصادية والمالية للدولة.
تستهدف الاستراتيجية زيادة الاستثمارات الرأسمالية للقطاع الخاص بحلول عام 2030م لتتجاوز قيمتها 240 مليار ريال عبر توسيع نطاق الشراكات ليشمل 221 عقدًا، و26 عقدًا فيما يتعلق بنقل ملكية الأصول.
في ظل مسارات التحول الكُبرى دائمًا لا تُقاس أهمية القرارات بتوقيتها فقط، ولا بوصفها أحداثًا منفصلة عن سياقها، بل بمدى قدرتها على تلخيص مسار كامل من التجربة وبوصفها لحظات تتويج لتراكم ممتد من التجربة والتقييم والمراجعة.
ومن هذا المنطلق، جاء إعلان معالي وزير المالية، “محمد الجدعان” في 29 يناير 2026م، عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، ليحمل دلالات تتجاوز كونه قرارًا اقتصاديًا جديدًا؛ إذ يعكس القرار مدى وصول تجربة التخصيص في المملكة إلى مرحلة متقدمة من النضج الكامل والتنفيذ المؤسسي الشامل، بعد سنوات من العمل التدريجي الذي بدأ مع إطلاق برنامج التخصيص عام 2018م، ضمن برامج رؤية 2030..

تجربة عملية اتسمت بالتدرج والحذر
ولقد جاء برنامج التخصيص في بدايته استجابة لجملة من التحديات سواء الاقتصادية أو المالية التي واجهت المملكة، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع تكاليف التشغيل لعديد من القطاعات الخدمية، إضافة إلى الحاجة الملحَّة إلى رفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين..
ولم يكن الهدف من التخصيص تقليص دور الدولة بقدر ما كان إعادة تعريف الدور المنوط بها، بحيث تنتقل الدولة في إطاره بصورة تدريجية من كونها مشغلاً مباشرًا للأنشطة الاقتصادية إلى منظم ومشرَّع ورقيب، من شأنها وضع السياسات العامة وضمان تحقيق المصلحة العامة، ويتيح المجال في الوقت نفسه أمام القطاع الخاص لأداء دور أكبر في مسارات التنمية الاقتصادية التي تخوضها البلاد..
وخلال السنوات التي تلت إطلاق برنامج التخصيص، خاضت المملكة تجربة عملية اتسمت بالتدرج والحذر، حيث جرى تطبيق نماذج مختلفة من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنوعت صيغ التخصيص المتبعة ما بين الإسناد التشغيلي، والعقود طويلة الأجل، وبين المشاركة في الاستثمار بما يتناسب مع طبيعة كل قطاع ومدى حساسيته الاجتماعية والاستراتيجي..

خبرة مؤسسية ذات أهمية في مختلف الجهات
ووفقًا “للجدعان” فإن برنامج التخصيص حقق منذ إطلاقه عددًا من الإنجازات، من أبرزها تأسيس المركز الوطني للتخصيص، الذي استحدث أكثر من 200 مشروع معتمد باستثمارات تُقدّر بقيمة إجمالية تبلغ 800 مليار ريال، وذكر أن منجزات البرنامج تتضمن توقيع ما يقارب 90 عقدًا تنوعت بين عقود نقل ملكية وشراكة بين القطاعين العام والخاص في عدة قطاعات، إلى جانب إسهامه في تعزيز دور القطاع الخاص، ورفع كفاءة تشغيل الأصول الحكومية، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة للاستثمار، بما يدعم التنوع الاقتصادي، ويرفع القدرة التنافسية للمملكة..
ومما لا شك فيه، أن هذه المرحلة أسهمت في بناء خبرة مؤسسية ذات أهمية في مختلف الجهات الحكومية، كما أسهمت في تطوير أطر تنظيمية وتشريعية أكثر نضجًا، وكشفت كذلك عن تحديات واقعية تتعلق بالحوكمة وإدارة المخاطر وضمان استمرارية الخدمات، وكيفية حماية المستفيد من أي آثار سلبية محتملة..

مرحلة التخطيط الاستراتيجي الشامل
ومن هنا، فإن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص يمثل انتقالاً مدروسًا من مرحلة التجربة والتقييم إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي الشامل؛ فهذه الاستراتيجية استكمالاً لمرحلة البناء السابق، وذلك باستخلاص الدروس من التجربة العملية التي امتدت إلى سنوات، وهي بذلك تُشكل إطارًا وطنيًا متكاملاً يحدد فلسفة التخصيص وأهدافه العامة، وحدود تنظيمه، ويضعه ضمن سياق أوسع من السياسات الاقتصادية والمالية للدولة بما يضمن اتساقه مع مستهدفات الرؤية وطموحاتها..
وأوضح الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للتخصيص، “مهند باسودان”، أنه مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص يتم الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة أكثر نضجًا للتوسع وتنفيذ مشاريع نوعية، لافتًا إلى أن الاستراتيجية تضع إطارًا أشمل يستهدف تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والمالي لمشاريع التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص بالعمل بشكل وثيق مع 18 قطاعًا مستهدفًا..

تحديد وترتيب فرص التخصيص ذوات الأولوية
وقال “باسودان” إنه من المستهدف تحويل التخصيص إلى محرك استراتيجي متكامل يعيد تعريف الأدوار بحيث يرتكز فيه دور الحكومة على التنظيم والرقابة لضمان الجودة وكفاءة الخدمات وتمكين القطاع الخاص من التشغيل والابتكار، وإن الاستراتيجية تستهدف زيادة الاستثمارات الرأسمالية للقطاع الخاص بحلول عام 2030م، لتتجاوز قيمتها 240 مليار ريال عبر توسيع نطاق الشراكات ليشمل 221 عقدًا، و26 عقدًا فيما يتعلق بنقل ملكية الأصول..
وقد وضعت الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، 5 برامج رئيسة لتمكين منظومة التخصيص والارتقاء بها، و42 مبادرة تنفيذية؛ لتحقيق أهدافها ومستهدفات رؤية 2030 المتعلقة بالتخصيص، كما تتضمن برنامجًا تنفيذيًا يُعنى بتحديد وترتيب فرص التخصيص ذوات الأولوية، حيث جرى تحديد أكثر من 145 فرصة ذات أولوية، تُمثل فرصًا استثمارية جاذبة للقطاع الخاص..
تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة
وبشكل عام، تهدف الاستراتيجية الوطنية للتخصيص إلى تحقيق جملة من الأهداف، لعل من أبرزها رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وتحسين إنتاجية القطاعات الخدمية، وتقليل الأعباء التشغيلية على الميزانية العامة، بما يُسهم في تعزيز الاستدامة المالية على المدى الطويل، كما تسعى إلى تعميق دور القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، من خلال توفير بيئة تنظيمية مستقرة وواضحة تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص وتمنح المستثمرين رؤية طويلة المدى حول توجهات الدولة الاقتصادية..
ولا يقتصر أثر الاستراتيجية على الجوانب المالية فحسب، بل يمتد ليشمل سوق العمل والتنمية البشرية؛ فالتوسع في دور القطاع الخاص يفتح المجال أمام خلق فرص عمل جديدة، ويعزز الطلب على المهارات المتخصصة، ما يسهم في رفع كفاءة رأس المال البشري الوطني، كما تشجع الاستراتيجية على تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة من المشاركة في مشاريع التخصيص، بما يعزز التنوع الاقتصادي، ويحد من تركز الفرص في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى؛ فهي خارطة استثمار تعيد صياغة مفهوم الشراكة مع القطاع الخاص، وتؤسس لمرحلة جيدة تُدار فيها الأصول العامة وفقًا للمصلحة الوطنية..

اهتمام خاص بالبعد الاجتماعي
وفي المقابل، تولي الاستراتيجية الوطنية للتخصيص اهتمامًا خاصًا بالبعد الاجتماعي، إدراكًا لحساسية هذا الملف وتأثيره المباشر على حياة المواطنين، فالتخصيص، إذا لم يُدار ضمن أطر واضحة، قد يثير مخاوف تتعلق بارتفاع تكاليف الخدمات أو تراجع جودتها، وهو ما تحرص الاستراتيجية على معالجته من خلال التأكيد على استمرارية الخدمات الأساسية، ووضع ضوابط تنظيمية للتسعير، وضمان حماية الفئات الأقل دخلًا. ويعكس هذا التوجه حرص الدولة على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بوصفهما عنصرين متكاملين لا متعارضين..
ويبرز عنصر الحوكمة بوصفه أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، حيث يجري التأكيد على أهمية الشفافية، والمساءلة، ووضوح الأدوار والمسؤوليات بين الجهات الحكومية المختلفة. فنجاح التخصيص لا يعتمد فقط على كفاءة القطاع الخاص، بل يتطلب مؤسسات حكومية قادرة على التنظيم والمتابعة والتقييم، والتدخل عند الحاجة لحماية المصلحة العامة، ومن هذا المنطلق، تأتي الاستراتيجية لتضع أطرًا واضحة لقياس الأداء، وإدارة المخاطر، ومنع الاحتكار، وتعزيز المنافسة العادلة، بما يضمن تحقيق الأهداف المعلنة دون الإخلال بالتوازنات الاقتصادية والاجتماعية..
امتداد طبيعي لمسار التحول الاقتصادي
وفي سياق أوسع، يمكن النظر إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص على أنه امتداد طبيعي لمسار التحول الاقتصادي الذي رسمته رؤية 2030، ودليل على مرونة هذه الرؤية وقدرتها على التطور مع تطور التجربة العملية، فبعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، باتت المملكة تمتلك قاعدة مؤسسية أكثر صلابة، وأدوات تنظيمية أكثر تطورًا، ما يتيح لها الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا في إدارة الأصول والخدمات العامة، من خلال شراكات فاعلة ومستدامة مع القطاع الخاص..
ويبقى أن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص يمثل علامة فارقة في مسار التحول الاقتصادي، ليس فقط لأنه يؤذن بمرحلة جديدة بعد برنامج التخصيص الذي انطلق في عام 2018م، بل لأنه يعكس تحولاً عميقًا في فلسفة إدارة الاقتصاد الوطني، قائمًا على التخطيط طويل الأمد، والحوكمة الرشيدة، والشراكة المتوازنة بين القطاعين العام والخاص، وبذلك، تضع المملكة أسسًا أكثر متانة لاقتصاد متنوع ومستدام، قادر على مواجهة التحديات المستقبلية، وتحقيق تنمية شاملة تلبي تطلعات المجتمع وتنسجم مع متطلبات المرحلة القادمة.
