أسواق الرامات

أين الرامات؟

218 مليار دولار حجم سوق الذاكرة عالميًا وتوقعات بالوصول إلى 728 مليار دولار بحلول عام 2032م.

3 شركات عالمية تهيمن على صناعة “الرامات” وهي المستفيد الأكبر من قلة المعروض وارتفاع الأسعار.

 

في عالم الأجهزة الإلكترونية، تتحرك الأسعار وكأنها على جبال من الرمال المتحركة، فلا يعرف أحد هل ستعود الأسعار إلى الاستقرار أم أنها سوف ترتفع مرة أخرى؟ فقد أصبح رام الـ 8 جيجابايت، الذي كان متاحًا بسهولة قبل أسابيع، اليوم سلعة نادرة، وأسعار رقائق الذاكرة (الرامات) تقفز بشكل مثير للدهشة، فما الذي يجعل قطعة صغيرة من السيليكون تتحكم في ميزانيات اللاعبين والمبرمجين والهواة؟ وراء هذه التقلبات، تختبئ عوامل غير مرئية، وتحركات في الأسواق تغير موازين العرض والطلب بلا سابق إنذار.

فقد ألقت في الآونة الأخيرة أزمة حادة بظلالها على قطاع أشباه الموصلات العالمي، جراء الشح الملحوظ في المعروض من رقائق الذاكرة (الرامات)، وما نتج عنه من تقلبات هائلة في الأسعار منذ عام 2024م، وتأثيره الكبير على أسواق الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية، لكن أصابع الاتهام تشير إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

ارتفاع كبير في الأسعار

شهدت أسواق الرامات ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار خلال الفترة الأخيرة، فبعد فترة من الانخفاض عامي 2022م – 2023م، ارتفعت الأسعار بصورة حادة خلال عامي 2024م – 2025م، وبحلول الربع الأخير من عام 2025م، ارتفعت أسعار ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) في السوق الفورية إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواها في عام 2024م، مع تسارع نمو الأسعار السنوي من شبه صفر في أوائل عام 2025م، إلى ما يقارب %187 بحلول سبتمبر2025م، كما ارتفع سعر مجموعة ذاكرة DDR5-6000 بسعة 32 جيجابايت إلى 184 دولارًا في أكتوبر الماضي، مقارنةً بسعر 95 دولارًا في منتصف عام 2025م، بعبارة أخرى وصلت تكلفة مجموعة الذاكرة التي كانت تُباع بدولار واحد في أوائل عام 2025م، إلى دولارين أو أكثر بحلول أواخر العام نفسه، وهو انعكاسٌ مذهل بعد سنوات من انخفاض الأسعار.

وبلغ حجم سوق رقائق الذاكرة عالميًا حوالي 218 مليار دولار عام 2025م، مع توقعات بأن يصل إلى 728 مليار دولار بحلول عام 2032م، بمعدل نمو سنوي مركب في حدود %19، فضلاً عن توقعات بأن تحقق سوق ذاكرة الجيل التالي (ذات سعات التخزين الهائلة والاستهلاك المنخفض للطاقة، والمناسبة لإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي)، معدل نمو سنوي مركب في حدود %25 لتصل إلى 47 مليار دولار بحلول عام 2032م.

فرانسيسكو جيرونيمو

الحواسب والهواتف الذكية

وذكر نائب رئيس قسم التحليلات في شركة البيانات الدولية “آي دي سي”، “فرانسيسكو جيرونيمو”، أن سوق الرامات تمر بمرحلة تحول غير مسبوقة، حيث يتجاوز الطلب العرض بشكلٍ كبير، فبالنسبة لصناعة لطالما اتسمت بدورات ازدهار وانكماش، فإن هذه المرة مختلفة تمامًا، إذ يُشكل التوسع السريع في بنية الذكاء الاصطناعي ضغطًا كبيرًا على الطلب على الرامات، حيث يعود النقص في العرض جزئيًا إلى إعادة توجيه طاقة التصنيع من الإلكترونيات الاستهلاكية نحو حلول الذاكرة ذات الهوامش الربحية العالية لدعم الذكاء الاصطناعي، فبدلًا من التوسع في استخدام ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية وذاكرة (NAND) التقليدية المستخدمة في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من الإلكترونيات الاستهلاكية، حوّلت كبرى شركات التصنيع إنتاجها نحو الذاكرة المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مثل ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM) وذاكرة (DDR5) عالية السعة، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع هائل في الأسعار.

جيف كلارك

وأشار “جيرونيمو”، إلى أن السوق العالمية الهواتف الذكية ، خاصةً مصنعي أنظمة أندرويد، تواجه تحديات كبيرة في عام 2026م، فقد انعكس اتجاه الصناعة الذي استمر لعقد من الزمن نحو إتاحة المواصفات للجميع من خلال توفير ميزات رائدة في الهواتف الذكية ذات الأسعار المعقولة، لافتًا إلى أن هيكل تكلفة الهاتف الذكي يعتمد بشكلٍ كبير على الذاكرة المستخدمة، ففي الأجهزة متوسطة المدى، قد تُمثل الذاكرة ما بين %15 و%20 من إجمالي تكلفة المواد، بينما تُمثل حوالي %10 إلى %15 في الأجهزة الرائدة عالية المواصفات، ومع استمرار ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة، من المُرجح أن يضطر مصنّعو الأجهزة الأصلية إلى رفع الأسعار بشكلٍ كبير، أو خفض المواصفات، أو كليهما.

وبدورها تأثرت الشركات المصنعة للحواسب المكتبية والشخصية أيضًا بارتفاع أسعار رقائق الذاكرة بشكلٍ ملحوظ، وبدأت في تهيئة عملائها لما هو قادم، حيث تخطط شركة “ديل تكنولوجيز” لزيادة أسعار أجهزة الحاسوب بنسبة تتجاوز %10، وحذرت شركة “لونوفو” من أن الأسعار الحالية لن تصمد طويلًا، كما أعلنت شركة “إتش بي” بأنه إذا لم تتحسن أسعار الذاكرة، فقد يشهد النصف الثاني من عام 2026م ارتفاعًا أكبر في أسعار منتجاتها.

إنريكي لوريس

وقال الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة “ديل تكنولوجيز”، “جيف كلارك”، إن تكاليف جميع المنتجات آخذة في الارتفاع، متوقعًا أن يؤدي هذا الاتجاه في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين، وأضاف: “لا أرى كيف يمكن ألا يؤثر هذا على قاعدة عملائنا، سنبذل قصارى جهدنا للتخفيف من ذلك”.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة “إتش بي”، “إنريكي لوريس”، أن شركته لديها مخزون من رقائق الذاكرة، ويتوقع أن يخفف ذلك من تأثير ارتفاع التكاليف، لكن بحلول شهر مايو 2026م، قد تجبر تكاليف الذاكرة المتزايدة الشركة على تقليل خيارات الذاكرة ورفع الأسعار.

وثمة توقعات دولية بارتفاع أسعار أجهزة الحاسوب بنسبة تتراوح بين %4 و%6، وأسعار الهواتف الذكية بنسبة تتراوح بين %3 و%5، في حين تشير توقعات أكثر تشاؤمًا إلى أن أسعار كل من أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية قد ترتفع بنسبة تتراوح بين %6 و%8، خلال العام الجاري.

أجهزة الألعاب المحمولة

ولم يقتصر الأمر على أسواق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، بل يمتد ليشمل أجهزة الألعاب المحمولة أيضًا، حيث بدأ المصنّعون في هذا القطاع المتخصص في الشعور بضغوط ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة، وهو ما أدى بالفعل إلى تأخيرات عمليات الشحن وتغييرات في مواصفات هذه الأجهزة، كما دفع  هذا الوضع شركات تصنيع الأجهزة في مختلف الفئات إلى اتخاذ قرارات صعبة، سواءً بتأجيل إطلاق المنتجات الجديدة، أو تقليص سعة الذاكرة، أو رفع الأسعار لحماية هوامش الربح، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء عملية الابتكار أو دفع الأجهزة الجديدة إلى فئات سعرية أعلى، مما يحد من إمكانية وصول عشاق الألعاب الذين يبحثون عن تجارب ألعاب محمولة عالية الأداء إليها.

أرباح هائلة للشركات المُصنعة

وأعرب الخبير الأمريكي المتخصص في التكنولوجيا، “كيف ليسوينغ”، عن توقعاته بارتفاع أسعار مجموعات الذاكرة المختلفة بأكثر من %50 خلال الربع الأول من عام 2026م، مقارنةً بالربع الأخير من عام 2025م، مشيرًا إلى أن كافة أجهزة الحاسوب في حاجة إلى تخزين البيانات على المدى القصير، لكن العرض الحالي لن يلبي الطلب العالمي المتزايد، مشيرًا إلى هيمنة 3 شركات عالمية على سوق الذاكرة، هي “مايكرون، وإس كيه هاينكس، وسامسونج إلكترونيكس”، وتستفيد أعمالها من الارتفاع الكبير على الطلب.

وارتفع سهم شركة “مايكرون” بنسبة %247 خلال العام الماضي، وأعلنت الشركة أن صافي دخلها تضاعف ثلاث مرات تقريبًا في الربع الأخير 2026م، كما أعلنت “سامسونج” أنها تتوقع أن يتضاعف ربحها التشغيلي في الربع الأخير من العام نفسه ثلاث مرات تقريبًا، وفي غضون ذلك، تدرس شركة “إس كيه هاينكس” إدراج أسهمها في البورصة الأمريكية مع ارتفاع سعر سهمها في كوريا الجنوبية، كما أعلنت أنها ضمنت طلبًا على كامل طاقتها الإنتاجية من إنتاج الرامات لعام 2026م.

ويكّمن الحل طويل الأمد في زيادة الطاقة الإنتاجية، إلا أن بناء مصنع لرقائق الذاكرة يُكلّف مليارات الدولارات ويستغرق سنوات، فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة “مايكرون” الأمريكية عن استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار لبناء منشأة جديدة في اليابان، ولكن من غير المتوقع أن تبدأ بإنتاج الرقائق قبل النصف الثاني من عام 2028م على الأقل، وهو ما يؤدي إلى وجود فائض في الطاقة الإنتاجية لدى المصنعين، مما يسهم في انخفاض الأسعار مرة أخرى، كما حدث بعد دورات الازدهار السابقة، لكن الرهان على هذه النتيجة يعني الرهان على تحوّل في واحدة من أكبر موجات الاستثمار التي شهدها قطاع التكنولوجيا على الإطلاق، فقد يكون الذكاء الاصطناعي فقاعة، كما يدعى البعض، ولكن في الوقت الراهن يُشير المسار إلى عكس ذلك.

شهية لا تشبع للذكاء الاصطناعي

وثمة توقعات بأن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة إلى حدوث تحولات أوسع في تصميم كافة أنواع الأجهزة الإلكترونية وأسعارها خلال السنوات المقبلة، ليس فقط لأجهزة الألعاب المحمولة، بل أيضًا للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الحاسوب المحمولة وغيرها من الأجهزة التي تتطلب ذاكرة كبيرة، وفي هذا السياق، أعربت شركتي “شاومي” و”هونر” الصينيتين عن قلقهما البالغ بشأن ارتفاع أسعار أجهزتهما الذكية خلال عام 2026م.

وأشار الخبير الأمريكي في شؤون التكنولوجيا، “توم ماينيللي”، إلى وجود عدد قليل من مُصنّعي رقائق الذاكرة، الذين يُخصّصون جزءًا أكبر من إنتاجهم لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لكنه نبه إلى خطورة أن تؤدي هذه الزيادات في الأسعار إلى إفلاس الشركات الصغيرة، وإجبار الشركات على خفض جودة أجهزة الحاسوب الخاصة بها، وعزوف الشركات والمستهلكين عن شراء أجهزة إلكترونية جديدة.

وأضاف أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها مصنعو الرقائق الإلكترونية ومورّدو أجهزة الكمبيوتر قيودًا على الإمدادات، ولطالما شهد قطاع الذاكرة فترات ازدهار وانكماش، ولا يوجد سوى عدد قليل من الشركات التي تملك رأس المال اللازم للاستثمار، لكن الدورة تتكون من وصول الشركات إلى مرحلة تُنتج فيها رقائق ذاكرة أكثر مما يحتاجه قطاع التكنولوجيا، ثم تدخل في دورة ازدهار، حيث تظهر منتجات جديدة تتطلب مزيدًا من هذه الرقائق، لكن مع طفرة الذكاء الاصطناعي، يبدو أن هناك “شهية لا تُشبع” للذاكرة هذه المرة – وخاصة الذاكرة الأغلى ثمنًا، وأن هذا قد يؤدي إلى وجود مشكلة تستمر لسنوات قادمة.