أسواق النفط

أين يتجه النفط؟ .. عاصفة الضغوط وهدوء الفائض

وكالة الطاقة الدولية (IEA): المعروض العالمي من النفط خلال عام 2026م، سيظل يفوق الطلب بشكل واضح، مع توقع فائض يُقدَّر بنحو 3.7  مليون برميل يوميًا تقريبًا.

استنادًا إلى تقديرات فائض المعروض العالمي، قد تبقى أسعار خام برنت أقل من مستوياتها خلال عام 2026م، مقارنة بعام 2025م، مع متوسط سعري معتدل ما بين 60–65 دولارًا للبرميل.

 

بوصفه أحد أهم السلع الاستراتيجية في العالم، يُعد النفط مرآة تعكس صحة الاقتصاد العالمي ومستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي بين الدول، ونظرًا لتشابك أسواقه مع مختلف القطاعات الإنتاجية وحساسيته العالية للتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، تخضع أسعاره لتأثير مجموعة واسعة من العوامل، كتطورات العرض والطلب، ومعدلات النمو الاقتصادي، إلى جانب المستجدات السياسية التي قد تؤثر في أمن الإمدادات واستقرار الأسواق.

ومع بداية العام الجاري، أخذت تواجه أسواق النفط حالة من عدم اليقين، تداخلت فيها العوامل الاقتصادية والجيوسياسية مع قرارات المنتجين الكبار وتوقعات الطلب العالمي، وبرزت تساؤلات عديدة حول اتجاهات الأسعار ومدى قدرة السوق على امتصاص فائض المعروض، إضافة إلى تأثير السياسات النقدية والطاقوية على حركة الطلب.

ما بين الارتفاعات المحدودة والتراجع الطفيف

ففي مطلع العام الجاري، اتسمت حركة أسعار النفط بالتذبذب النسبي، حيث سجلت الأسعار ارتفاعات محدودة في بعض الجلسات، قابلها استقرار أو تراجع طفيف في جلسات أخرى، وتحرك خام برنت ضمن نطاق سعري ضيق، ما عكس حالة من الترقب في الأسواق العالمية، وبشكل عام يمكن أن يُعزى هذا الأداء إلى توازن نسبي بين المخاوف المتعلقة بفائض المعروض العالمي من جهة وتوقعات تحسن الطلب في بعض الاقتصادات الكبرى من جهة أخرى، علمًا بأن هناك من يرى بأن الأسواق بدأت تُعدَّل توقعاتها لمخاطر التوترات الجيوسياسية بأن يكون تأثيرها محدودًا في ظل وفرة المعروض، وذلك رغم ما تخلقه من حالة عدم يقين تؤثر – بلا شك – بشكل مباشر على الأسعار، وسلاسل الإمداد، واستقرار الاستثمارات العالمية.

فيما أعلت وكالة الطاقة الدولية (IEA) من قدرة الفائض الكبير على الحد من تأثير التطورات الجيوسياسية على أسعار النفط، لافتةً إلى أن الفائض الكبير ربما يحدّ من قدرة التطورات الجيوسياسية أو أي تغيرات جانبية كدخول المصافي فترة الصيانة الخاصة بها، على دفع الأسعار إلى مستويات أعلى ما لم تحدث اضطرابات كبيرة في الإمدادات.

وقد أكدت أن المعروض العالمي من النفط خلال عام 2026م، سيظل يفوق الطلب بشكل واضح، مع توقع فائض للطلب يُقدّر بنحو 3.7 مليون برميل يوميًا تقريبًا، رغم توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2026م، إلى 930 ألف برميل يوميًا، ارتفاعًا من تقديراتها السابقة البالغة 860,000 برميل يوميًا، كما عدلت الوكالة توقعاتها لنمو الإمدادات العالمية من النفط إلى 2.5 مليون برميل يوميًا، وهو ما يزيد قليلاً عن توقعاتها السابقة البالغة 2.4 مليون برميل يوميًا، كما ذكرت وكالة الطاقة أن إنتاج روسيا من النفط الخام ارتفع إلى 9.56 مليون برميل يوميًا في ديسمبر 2025م، مقارنة بـ 9.0 مليون برميل يوميًا في نوفمبر من العام نفسه.

استمرار الإمدادات النفطية عند مستويات مرتفعة

وفي ظل تزامن هذا الأداء السعري مع مؤشرات على ضعف نسبي في الطلب، لا سيما في بعض الدول الصناعية، نتيجة استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي وتشديد السياسات النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى؛ استمرت في المقابل الإمدادات النفطية عند مستويات مرتفعة، سواء من دول منظمة أوبك أو من المنتجين خارجها، وهو ما أسهم في تعزيز المخاوف من فائض المعروض، وانعكس ذلك على سلوك الدول المستهلكة، حيث اتجهت بعض الحكومات إلى خفض أسعار الوقود محليًا، مستفيدة من انخفاض الأسعار العالمية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المستهلكين ودعم النشاط الاقتصادي.

ووفقًـــــا لتوقعــــات بعــــــــض البنـــــوك الاستثمارية الكبرى مثل: (J.P. Morgan)، ربما تبقى أسعار خام برنت أقل من مستوياتها خلال عام 2026م، مقارنة بعام 2025م، مع متوسط سعري معتدل ما بين 60–65 دولارًا للبرميل، وذلك استنادًا إلى تقديرات فائض المعروض العالمي الذي سيستمر في الضغط على الأسعار.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، لا تزال التوترات المرتبطة ببعض مناطق الإنتاج، ولا سيما تلك المتعلقة بإيران، تشكّل عامل ضغط محتمل على الأسواق، في ظل تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات. ومع ذلك، فإن تأثير هذه التوترات على الأسعار ظل محدودًا حتى الآن، إذ لم تشهد الأسواق ارتفاعات حادة تعكس تسعيرًا كاملاً للمخاطر السياسية، وذلك في ظل استمرار فائض المعروض وقدرة المنتجين الآخرين على تعويض أي اضطرابات محتملة. ويشير هذا السلوك إلى أن التوترات الجيوسياسية، رغم حدّتها، لم تعد وحدها كافية لدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة كما في فترات سابقة.

قرارات المنتجين الكبار عامل حاسم في توجيه الأسعار

وبالرجوع مرة أخرى إلى بداية العام الجاري، كانت قد بدأت ملامح أوضح تتشكل في سوق النفط، حيث برزت قرارات المنتجين الكبار بوصفها عاملاً حاسمًا في توجيه الأسعار، فقد أعلنت المملكة عن خفض ثالث على التوالي لأسعار البيع الرسمية لخامها المتجه إلى الأسواق الآسيوية، وهو ما يعد إشارة واضحة إلى وجود فائض في المعروض العالمي، إضافة إلى سعي المنتجين للحفاظ على حصصهم السوقية في ظل المنافسة المتزايدة، وهو ما انعكس على معنويات السوق، إذ عزز التوقعات باستمرار الضغوط على الأسعار في المدى القريب، كما يبدو واضحًا أن هذا التخفيض يعكس استراتيجية المنتجين للحفاظ على حصصهم السوقية، مع التأكيد على أن الأسعار ستظل تحت تأثير فائض المعروض رغم أي تقلبات جيوسياسية محتملة.

وعلى الرغم مما أظهرته تقارير وكالات الطاقة الدولية من تحسن نسبي في توقعات نمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026م، مدفوعًا بزيادة الاستهلاك في بعض الاقتصادات الناشئة وتحسن النشاط الصناعي والنقل، إلا أن هذا التحسن لم يكن كافيًا لتعويض الزيادة المستمرة في الإمدادات، لاسيما من المنتجين خارج تحالف (أوبك بلص)، وقد أدت هذه الديناميكيات إلى استمرار حالة التذبذب وعدم اليقين في حركة الأسعار، وهو ما أكد عليه محللون في الأسواق المالية، معتبرين أن المخزونات العالمية، بخاصة الأمريكية، ستظل عاملاً مؤثرًا في تحديد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة.

ولا يمكن هنا إغفال التحركات على مستوى التدفقات التجارية العالمية، حيث عادت بعض الدول الآسيوية إلى زيادة مشترياتها من النفط، بما في ذلك النفط الروسي، في إطار البحث عن إمدادات مستقرة وبأسعار تنافسية، وهو ما يعكس البعد التجاري البحت لأسواق النفط، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع القيود الجيوسياسية لتنتج شبكة معقدة من العلاقات تؤثر مباشرة في حركة السوق، وبالتالي فإن الأسواق يبدو أنها تخطت مرحلة التسعير ضد المخاطر الجيوسياسية وحدها، وأن الأسعار أصبحت مرهونة أكثر بكمية المعروض والمخزونات العالمية.

ومن منظور تحليلي أوسع، يمكن القول إن أسواق النفط خلال شهري يناير وفبراير 2026م، ظلت خاضعة لثلاث قوى رئيسة تتمثل في فائض المعروض، والتوقعات المتباينة للطلب، وحذر المستثمرين في الأسواق المالية.

 

لا يمكن إغفال تأثير الأحداث الجيوسياسية المفاجئة

فقد أظهرت بيانات العقود الآجلة تراجعًا في نشاط المضاربة، ما يشير إلى أن المتعاملين يفضلون الانتظار إلى حين اتضاح الرؤية بشأن اتجاه السوق، كما تأثرت أسهم شركات الطاقة والخدمات النفطية بحالة التذبذب، في ظل عدم وضوح المسار السعري على المدى المتوسط.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو السيناريوهات مفتوحة على عدة احتمالات؛ فإذا استمر فائض المعروض العالمي دون تخفيضات إنتاجية فعّالة، فمن المرجح أن تبقى الأسعار تحت ضغط، ما قد يشكل تحديًا لميزانيات الدول المعتمدة على عائدات النفط، أما في حال تحسن الطلب العالمي بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد تشهد الأسعار انتعاشًا تدريجيًا وإن كان محدودًا، خاصة في ظل المنافسة الشديدة بين المنتجين، ولا يمكن إغفال تأثير الأحداث الجيوسياسية المفاجئة، إذ إن أي اضطراب في مناطق الإنتاج أو خطوط الإمداد قد يؤدي إلى تغيرات حادة وسريعة في الأسعار.

ويبقى أن أسواق النفط خلال شهري يناير وفبراير الماضيين عكست صورة معقدة لتوازن هش بين العرض والطلب، في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بعدم اليقين، ورغم المؤشرات الإيجابية المحدودة على صعيد الطلب، فإن وفرة المعروض واستراتيجيات التسعير التنافسية لا تزال تشكل عامل ضغطٍ رئيس على السوق، فالأسواق أصبحت أكثر اعتمادًا على المؤشرات الاقتصادية الفعلية مثل المخزونات والعرض الفعلي، فيما تقلّ أهمية التوترات السياسية على الأسعار في ظل استمرار فائض المعروض، ومن ثم، يبقى النفط سلعة استراتيجية تتطلب متابعة دقيقة للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، نظرًا لما لها من تأثير بالغ في استقرار الاقتصاد العالمي ومسارات النمو في الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.