تحليل

الذهب والفضة يخطفان الأضواء من “وول ستريت“

خطفت حركات أسعار الذهب والفضة اهتمام المستثمرين، حتى أصبحت الأكثر متابعة في القنوات الاقتصادية، وتهافت الأفراد في القارة الآسيوية على المعدن الأصفر، وعلى الشقيقة الصغرى “الفضة” بشكل غير مسبوق، حتى تصدرت مشاهد طوابير الشراء عناوين الأخبار.

ومن المعروف أن المستثمر الآسيوي وبالتحديد الموجود في الصين والهند يُفضل الشراء الفعلي والتخزين، وهذا شائع كثيرًا في الهند والصين.

بدايةً في مرحلة صعود الذهب واختراقه مستويات الـ 5 آلاف دولار بشكل سريع وخاطف، فاجأ فيه توقعات كبرى البنوك العالمية والتي اضطرت أن تُعيد حساباتها وتعدل من أهدافها، وكان هذا الاتجاه الصاعد تلقى دعمًا كبيرًا من عدة عوامل أبرزها مشتريات البنوك المركزية في السنوات الماضية، والتي كانت تصل إلى 1000 طن متري ومن السياسة النقدية بشأن خفض سعر الفائدة على الدولار الأمريكي، بالإضافة إلى تصاعد كبير في التوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى حروب التعريفات الجمركية بين الحين والآخر.

وبالعودة إلى حركة أسعار الذهب والفضة سألقي الضوء على الحركة الكبيرة التي حصلت فيها أرقام غير مسبوقة. بداية يجب أن ننتبه إلى أن سلوك أسعار الفضة تاريخيًا، يتميز عادة بالتقلبات الحادة، وأثبت ذلك عند أول تصحيح رئيس سجله في اليوم الأخير من شهر يناير الماضي.

وكان التراجع عنيفًا وسط ذهول المتداولين، وسجل أكبر سقوط يومي في تاريخ أسعار الفضة مسجلاً أكثر من %30، بعد ارتفاعات عامودية متتالية، ولأن صعود الأسعار كان بهذا الشكل، أتت ردة الفعل على طريقة انفجار هبوطي، في المقابل لو كانت الارتفاعات تتشكل مع إيقاعات صاعدة، كان ذلك أفضل للمتداولين وفي هذه الحالة لم نكن لنرى خسائر فادحة بينهم، بعد التهافت الكبير على عقود الفضة والذي حصل مع رافعة مالية كبيرة.

والارتفاع الذي حصل لم يحترم أي من الاعتبارات من الناحية الفنية، وعلى سبيل المثال: لا التداول على مدى الـ 4 ساعات أو على الإطار اليومي ولا حتى الأسبوعي.

كان صعودًا مستمرًا أذهل فيه حتى المحللين الذين لديهم خبرة طويلة في تداول المعادن، وصرحوا بأنهم لم يروا طوال خبرتهم الطويلة هذا السلوك التصاعدي.

الصعود لم يأخذ بالاعتبار أي مقاومات على المدى القصير أو على المدى المتوسط، متجاهلاً خطوط الاتجاه وموجات اليوت ونسب فيبوناتشي وصولاً إلى الشموع اليابانية والمؤشرات الفنية، وكان بمثابة صعود فقط، حتى وصل الاعتقاد بأن السوق فقط شراء، وليس هناك عرض وطلب، وأن السوق هو اتجاه واحد فقط، وعندما تحقق هذا الشعور في الأسواق.. (هنا أتى التصحيح وانفجرت الأسعار بشكل دراماتيكي).

والمضاربات التي يقوم بها كبار التجار في الصين، والتهافت القوي على الفضة والذهب من قبل المستثمرين يلعب دورًا كبيرًا في التقلبات الحادة التي تشهدها هذه المعادن.

وعلى جبهة أخرى، حقق السوق الأمريكي إنجازًا تاريخيًا بعد وصول مؤشر “الداو جونز” الصناعي إلى مستويات الـ 50 ألف نقطة لأول مرة على الاطلاق.

وقد أتى ذلك بعد رحلة طويلة جدًا على مدى 140 سنة منذ تأسيس المؤشر؛ إذ كلفت رحلة الصعود إلى 50 ألف نقطة المؤشر 140 سنة، تخللها الكثير من الانهيارات ولعدة مرات ما يسمى “الإثنين الأسود” و”الثلاثاء الأسود” و”الخميس الأسود” وعدد من الأزمات المالية والاقتصادية أبرزها الكساد الكبير، الذي ضرب الولايات المتحدة عام 1929م.

في المقابل وإذا نظرنا إلى الرسم البياني، نجد أن الصعود من 20 ألف إلى 50 ألف نقطة استغرق 9 سنوات فقط، والافت للنظر أن المؤشر صعد من 20 ألفًا إلى 30 ألف نقطة في 3 سنوات من عام 2017م، إلى عام 2020م، بالرغم من وصوله إلى مشارف 30 ألفًا، في مرحلة أولى إلى 29555 نقطة في فبراير من عام 2020م، قبل أن ينهار بحوالي 11 ألف نقطة بعد انفجار أزمة كورونا، ولكنه ما لبث أن عاد في 8 أشهر وحذف جميع خسائره وقفز فوق مستويات الـ 30 ألف نقطة في شهر نوفمبر من العام نفسه.

ومن 30 ألفًا إلى 40 ألف نقطة استغرق الأمر حوالي 4 سنوات، أما من 40 ألفًا إلى 50 ألف نقطة لم يحتاج المؤشر إلا عام ونصف فقط ليحقق هذا الرقم التاريخي وتخلل ذلك هبوط عنيف عقب فرض الرئيس الأمريكي “تعريفات يوم التحرير” المتبادلة، بنسبة أساسية %10 على معظم الواردات العالمية.

ومن أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الاتجاه الصاعد الطويل، كانت أسهم التكنولوجيا العملاقة أن كنا نتحدث أثناء فترة جائحة كورونا والإقبال الكثيف عليها، أو في الفترة الماضية مدعومة بالإنفاق الرأسمالي القياسي على مشاريع الذكاء الاصطناعي، الذي بدأت الشركات تتسابق بقوة على إعلانها، وأدى ذلك إلى اختلاف في الرأي بين كبار المستثمرين منهم من يعتبر أن الأسواق تواجه فقاعة كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، ومنهم لا يرى أي فقاعة على الاطلاق في هذا المجال، وأبرز هذه الشخصيات هو لاري فينك رئيس شركة “بلاك روك”، أكبر مدير أصول في العالم مع أكثر من 14 تريليون دولار.

خلاصة الأمر: 140 سنة كانت كفيلة بصعود مؤشر “الداو جونز” الصناعي إلى 50 ألف نقطة، والسؤال الآن، من 50 ألف إلى 100 ألف نقطة، كم ستستغرق الرحلة؟