كرييتڤ كهرباء

كهرباء الصنبور!

%20 حصة الطاقة الكهرومائية من إجمالي الطاقة المولدة عالميًا وكهرباء الصنبور أحدث التقنيات.

فريق بحثي في جامعة ألبرتا الكندية يبتكر طريقة لتوليد الكهرباء من مياه الشرب دون الحاجة لتوربين.

توربين مياه في كندا قادر على توليد كهرباء تكفي لتزويد 25 منزلًا وفائض سنوي 30 ألف دولار.

 

“كل شيء يبدأ بالماء …” بهذه الحقيقة البسيطة تشكَّلت حكاية الحياة على الأرض.

فمنذ فجر التاريخ، كان الماء شريان الوجود للكائنات الحية، وركيزة أساسية لاستمرار البشر في أدق تفاصيل يومهم؛ من الشرب والنظافة، إلى ريّ الحقول وإنتاج الغذاء.

ومع هذا الاعتماد المتجذَّر، لم يتوقف دور الماء عند كونه عنصرًا للحياة فقط، بل امتد ليصبح مصدرًا محتملاً للطاقة، فإلى جانب محطات الطاقة الكهرومائية المعروفة، تخفي أنابيب المياه المنزلية طاقة كهربائية هائلة لاتزال غير مستغلة، رغم ما تمتلكه من إمكانات قادرة على إحداث فرق حقيقي في مستقبل الطاقة.

ولعل هذا ما دفع الباحث الإندونيسي المتخصص في الهندسة الكهربائية “رزقي نولياس أحمد”، المحاضر في الجامعة المحمدية سوراكارتا، إلى استكشاف إمكانات الطاقة المتجددة الكامنة في شبكات المياه المنزلية، مؤكدًا أهمية توليد الكهرباء من الطاقة المهدرة في مياه الصنبور المنزلية، وقال: “كنت أعيش في قرية، حيث يتدفق الماء مباشرةً من النبع، فيتدفق باستمرار، وإذا أُغلقت الصنابير أو الأنابيب، فقد تنكسر، ومن خلال هذا النبع المتدفق، رأيت الإمكانات الكامنة للطاقة الكهربائية في المياه الوفيرة التي تتدفق عبر أنابيب المنازل، في الواقع، يمكننا تسخيرها لتوليد الكهرباء، الأمر يتعلق فقط بالكفاءة وكيفية معالجتها لتحقيق الطاقة المطلوبة”.

واستخدم “نولياس” مولدًا توربينيًا صغيرًا مُدمجًا مُثبتًا في شبكة الأنابيب، حيث يعمل الجهاز باستخدام تدفق المياه لتدوير التوربين وتوليد الكهرباء، مشيرًا إلى إحدى مزايا هذا المولد الصغير هي سهولة تركيبه على أنابيب المياه الموجودة بالفعل، وأوضح أن هذا التوربين لديه القدرة على توليد 3.25 واط من الطاقة الكهربائية بقدرة 14 فولت، وبكفاءة تصل إلى %90 لكل صنبور، مشيرًا إلى أنه لتشغيل المولد بتدفق المياه، يلزم حد أدنى لتصريف المياه يبلغ 0.025 لتر في الثانية، وأن هذه الطاقة مناسبة لشحن البطاريات وتشغيل مصابيح الليد.

منافسة الطاقة المتجددة

ويشبه توليد الكهرباء من مياه الصنبور المتدفقة السدود الكبيرة، ولكن على نطاق أصغر، فالكهرباء المُولدة من الماء تمثل أكثر من %20 من إجمالي الكهرباء المنتجة عالميًا، وتتزايد هذه النسبة يوميًا نظرًا لفوائد استخدام الماء، فالماء مورد طبيعي متجدد، لذا فهو يُعاد توليده باستمرار، خلال عملية توليد الكهرباء، ثم يُستخدم الماء لتشغيل التوربينات، وفي نهاية استخدامه، يُعاد إلى مجرى النهر مرة أخرى، كما أنها طاقة نظيفة ومستدامة لأنها لا تُنتج مواد أو غازات تُلوث البيئة.

وذكر الباحث في جامعة ألبرتا بكندا “لاري كوستيوك”، أن كهرباء الصنبور تُعد أول طريقة جديدة لتوليد الكهرباء منذ أكثر من 180 عامًا، وكانت على يد العالم البريطاني “مايكل فاراداي” عام 1839م، مضيفًا: “عندما أخذنا حقنة من الماء وضغطناها عبر المرشح، حصلنا على طاقة كافية لإضاءة مصباح كهربائي، فكلما زاد ضغط الحقنة، زادت الفولتية الناتجة”، مشيرًا إلى أن هذه التقنية قد تنافس طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

وتابع: “عند ضغط الماء في الأنابيب، التي يقلّ سُمك كل منها عن عُشر سُمك شعرة الإنسان، تولّد تيار كهربائي صغير يسري على طول الأنبوب، ولإنتاج تيارات كهربائية أكبر، حاولنا دفع الماء عبر مُرشّح مياه زجاجي يحتوي على آلاف القنوات الضيقة المُتراصة جنبًا إلى جنب”.

وأشار إلى أن هذه الطريقة لا تحتاج إلى توربين لتوليد الكهرباء، حيث ينتج التيار الكهربائي نتيجة لتأثير يحدث داخل الأنابيب الزجاجية، فعند ملئها بالماء، تُغسل الأيونات الموجبة الشحنة الموجودة داخلها، تاركةً شحنة سالبة طفيفة على سطح الزجاج، وعندما يُدفع الماء داخل الأنبوب، يتنافر السطح مع الأيونات السالبة الشحنة الموجودة في الماء، بينما تنجذب الأيونات الموجبة الشحنة إلى داخل الأنبوب، والنتيجة هي تدفق صافٍ للأيونات الموجبة الشحنة، مما يُولّد تيارًا كهربائيًا، وقال خبير الهندسة الدقيقة في “إمبريال كوليدج” “أندرو هولمز”، إن هذا النوع من الأنظمة يُمكن استخدامه لاستخلاص الطاقة من البيئة، حيث توجد بالفعل تدفقات مائية سريعة.

توربين تسلا الهجين

وأعلنت شركة “فورتيكال”، المتخصصة في تطوير التقنيات الصديقة للبيئة، بالتعاون مع شركة “تسلا”، عن النموذج الأولي لتوربينها الذي يُولّد الكهرباء عند استخدام مياه الصنبور في المنزل، حيث يحول التوربين الهجين الطاقة الحركية الناتجة عن تدفق الماء إلى كهرباء، حيث يُمكّن أصحاب المنازل من توليد الكهرباء في كل مرة يغسلون فيها الأطباق، أو يستحمون، أو يغسلون الملابس، أو يغسلون السيارات، أو يسقون الحديقة، أو يستخدمون المرحاض، حيث يستطيع التوربين إنتاج 120 واط من الكهرباء من مياه الصنبور المنزلية.

وذكر مؤسس الشركة، “كلايد إيغاراشي”: نظرًا لانتشار المياه الجارية في المنازل حول العالم، يُتوقع أن يُحدث توربين “فورتيكال” تأثيرًا كبيرًا، وبما أن معظم المنازل تستخدم بالفعل صمامات تخفيض الضغط لتنظيم ضغط المياه من الشبكة الرئيسة إلى المنازل، فإن التوربين قادر على أداء هذه الوظيفة مع توليد الكهرباء في الوقت نفسه، وهذا يعني عدم وجود زيادة في التكاليف لشركات المياه، بينما سيستفيد سكان المنازل من توليد الكهرباء باستخدام المياه بشكل طبيعي.

مايكل فاراداي

مدينة تستخدم كهرباء أنابيب المياه

وتُعد “هاليفاكس”، عاصمة مقاطعة نوفا سكوشا الواقعة على الساحل الشرقي، أول مدينة في كندا تستغلّ الطاقة المُستمدة من أنابيب المياه، ففي مشروع تجريبي يعود إلى عام 2014م، قامت المدينة بتركيب توربين، وهو عبارة عن مضخة مياه تعمل في الاتجاه المعاكس، داخل أنبوب واحد في إحدى ضواحي المدينة، ومنذ ذلك الحين، يُولّد هذا التوربين (عمره الافتراضي 40 عامًا)، الذي تبلغ قدرته 31 كيلوواط، ما يكفي من الكهرباء سنويًا لتزويد 25 منزلًا بالطاقة، ويبيع الفائض إلى الشبكة مقابل حوالي 30 ألف دولار سنويًا.

وقال مسؤولو شركة المياه في “هاليفاكس”: “نعتقد أن هذه التقنية تتمتع بإمكانات هائلة، وعلى نطاق أوسع، قد يكون لها تأثير كبير جدًا”، وأشاروا إلى وجود كمية كبيرة من الطاقة بالفعل في شبكة توزيع المياه البلدية، حيث إنها مورد متجدد باستمرار ويتدفق باستمرار.

ويعتمد هذا النظام عادةً على صمامات تخفيض الضغط التي تستخدم الاحتكاك لتحرير الطاقة الزائدة على شكل حرارة، ويتم استخلاص هذه الطاقة بتمرير الماء عبر توربين، المصنّع من قبل شركة “رينتريسيتي”  الأمريكية، الذي يحتاج إلى قليل من الصيانة، وقال “فرانك زاماتارو”، المسؤول بالشركة، إن هذه التقنية صُممت في الأصل كوسيلة لتوليد الطاقة في حالات الطوارئ باستخدام أبراج المياه في مدينة نيويورك الأمريكية، مشيرًا إلى أن حوالي %75 من أنظمة المياه البلدية في أمريكا الشمالية تتمتع بالظروف المناسبة للتركيب، من حيث التدفق الكافي والضغط الناتج عن الجاذبية عندما يكون مصدر المياه على ارتفاع عالٍ (مثل الجبال أو الأبراج)، ويكمن التحدي، في رغبة البلديات والمصانع في استخدامه، خاصةً أنه يغطي تكلفته في فترة وجيزة.

خفض تكاليف الطاقة

كما تستخدم مدينة “بورتلاند” بولاية أوريغون الأمريكية، تقنية توليد الطاقة من شبكات المياه، وقد حصلت شركة “لوسيد إنرجي”، المتخصصة في تطوير أنظمة توليد الطاقة الكهربائية من خلال حلول مبتكرة، على براءة اختراع لهذه التقنية، حيث تكفي الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء باستخدام المياه المنقولة عبر الأنابيب لتزويد ما لا يقل عن 150 منزلاً بالكهرباء.

ولا تستخدم الشركة تقنية أنابيب المياه لتوليد الكهرباء فحسب، بل تستخدمها أيضاً في مشاريع أخرى، منها استخدام الأنابيب لتزويد أعمدة الإنارة وغيرها من نقاط الإضاءة في المدن بالطاقة، مما يُسهم في خفض تكاليف التشغيل، كما تمكن هذه التقنية الشركات والمدن من خفض تكاليف الطاقة، لا سيما تلك التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، فضلًا عن مراقبة التسريبات وجودة المياه، مما يُحسّن إدارة المياه والبنية التحتية.

وتستخدم مدينة “ماونت فيرنون”، في مقاطعة سكاجيت بولاية واشنطن الأمريكية، مولدًا كهرومائيًا داخل الأنابيب منذ عام 2020م، مما مكّنها من تعويض تكاليف محطة الضخ، حيث يعمل المولد لمدة 20 ساعة يوميًا، بقدرة إنتاجية مابين 16 – 18 كيلو واط، وذكر مسؤولو خدمات المرافق العامة، أن هذه التقنية نجحت في خفض حوالي 1000 دولار من تكاليف المرافق الشهرية، وأنها ستُغطي تكلفتها في غضون ثماني سنوات تقريبًا، مشيرين إلى أنه جاري العمل على خطط لاستخدام الطاقة الكهرومائية المُستخرجة من مياه الشرب لتلبية احتياجات الطاقة الأخرى في المناطق المحيطة وخاصةً المدارس.

34 واط لكل لتر من المياه

وذكر الباحث المتخصص في التكنولوجيا “فالديمار ميديروس”، أن تقنية تحويل مياه الصنبور إلى كهرباء مطبقة أيضًا في البرازيل، حيث يتم نقل المياه عبر الأنابيب من الشوارع إلى خزانات المياه المنزلية، وللاستفادة من هذه الطاقة، تخضع المياه أولًا لعملية ضغط كبير، وعندما يصل ضغط الماء إلى المستوى المطلوب، يتم تركيب توربين صغير على الأنبوب، بالقرب من مكان عوامة خزان المياه، ويتم توصيل أسلاك كهربائية ومحول كهربائي بهذا التوربين، مما يسمح بتحويل الطاقة الميكانيكية إلى طاقة كهربائية، مشيرًا إلى أنه هذه التقنية قادرة على توليد ما يصل إلى 34 واط من الطاقة لكل لتر من المياه.

محطة طاقة نووية كبيرة

وتأتي الجهود المبذولة للحصول على الطاقة الكهرومائية من صنبور المياه بعد تجارب عديدة أجراها الباحثون وساعدتهم على الوصول إلى المرحلة الراهنة، وهذا هو الحال مع “إيزي هايدرو”، وهي شركة إيرلندية ناشئة أسسها “دانييلي نوفارا”، بعد تخرجه من معهد الابتكار والتكنولوجيا الأوروبي.

وأشار “نوفارا” إلى أن استخلاص الطاقة الكهرومائية من مياه الشرب يُعدّ طريقة ممتازة لاستعادة الطاقة، لأن الضغط الزائد يتبدد عادةً على شكل حرارة وضوضاء، لذا، يُعد استغلاله لتوليد الطاقة خيارًا عمليًا وصديقًا للبيئة، خاصةً القطاعات كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل صناعة الأغذية والري والتعدين، حيث تمتلك هذه القطاعات بالفعل شبكات أنابيب واسعة مناسبة لإضافة توربينات مصغرة.

وأضاف أن توربين واحد لديه القدرة على إنتاج 600 كيلوواط من الطاقة، أي ما يكفي لتغطية احتياجات 300 أسرة، وعند دراسة إمكانية توليد الطاقة الكهرومائية من مياه الشرب داخل الاتحاد الأوروبي وحده، وأوضح أن التقنيات التي توفرها شركته قادرة على توليد 2 جيجاوات من الطاقة إذا تم تركيبها داخل جميع الأنابيب، وهو ما يعادل إنتاج محطة طاقة نووية كبيرة.