412 مليار دولار حجم سوق الغاز الاصطناعي بمعدل نمو سنوي %9.2 بحلول عام 2035م.
نمو متوقع لسوق الغاز الاصطناعي في الولايات المتحدة بقيمة 13 مليار دولار في 2035م.
في عالمٍ لا يتوقف بحثًا عن الطاقة، تبدأ الحكاية من غازٍ لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يقف خلف كثير مما يُحرّك حياتنا اليومية، إنه الغاز الاصطناعي، ذلك المزيج الذكي من الغازات، الذي لم يعد مجرد نتاج صناعي، بل حجر الأساس لصناعات تشكّل عصب الاقتصاد العالمي، فمنه تُصنع الأمونيا التي تُخصّب حقول الزراعة، والميثانول الذي يغذّي وسائل النقل وسلاسل التصنيع، كما يفتح الباب واسعًا أمام إنتاج الهيدروجين وأنواع متقدمة من الوقود الاصطناعي.
ومع تصاعد التحديات البيئية، يبرز الغاز الاصطناعي كأحد الحلول الواعدة لخفض انبعاثات الكربون، وتنويع مصادر الطاقة، ودعم مسار الاستدامة نحو مستقبل أكثر توازنًا بين متطلبات التنمية وحماية الكوكب.
ويتكون الغاز الاصطناعي من الهيدروجين وأول وثاني أكسيد الكربون، والميثان، والنيتروجين، وبخار الماء، بالإضافة إلى هيدروكربونات ومركبات قابلة للتكثيف، ويتم إنتاجه من خلال عمليات كيميائية باستخدام النفايات والفحم والكتلة الحيوية، ويعتبر متعدد الاستخدامات، إذ يُمكن استخدامه ليس فقط بشكله الأصلي، بل أيضًا لفصل وتنقية عناصر أخرى مثل الهيدروجين والميثانول.

خفض انبعاثات الكربون في مختلف القطاعات
ويُمكن استخلاص الغاز الاصطناعي من مصادر الوقود التقليدية، وبالتالي يُمكنه دعم انتقال العالم من هذه المصادر إلى الكتلة الحيوية والنفايات والطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، وهذا بدوره يُسهم في خفض انبعاثات الكربون في مختلف القطاعات، ويدعم الانتقال إلى نظام طاقة ذي انبعاثات كربونية أقل، كما أن إمكانية استخدام البنية التحتية القائمة ستُقلل من انقطاعات إمدادات الطاقة خلال هذه المرحلة الانتقالية، ونظرًا لهذا الدور المحوري في التحول الطاقي، يُتوقع أن يزداد الطلب على الغاز الاصطناعي في السنوات القادمة.
وبلغت قيمة السوق العالمية للغاز الاصطناعي ومشتقاته نحو 221 مليار دولار في عام 2023م، ومن المتوقع أن تصل إلى 412 مليار دولار بحلول عام 2035م، مسجلةً نموًا قويًا بمعدل نمو سنوي مركب قدره %9.2 خلال الفترة نفسها، كما سجل حجم السوق نحو 267 مليون متر مكعب قياسي/ ساعة في عام 2025م، ومن المتوقع أن يصل إلى 575 مليون متر مكعب قياسي/ ساعة بحلول عام 2032م، مسجلًا معدل نمو سنوي مركب قدره %11.6.
وثمة توقعات بأن يُسهم تزايد الطلب على أنواع الوقود البديلة الأنظف في دفع نمو سوق الغاز الاصطناعي، كما أن الدعم الحكومي المتزايد لمبادرات الطاقة النظيفة، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية ومعايير محفظة الطاقة المتجددة، من شأنه تحفيز الاستثمارات في تقنيات الغاز الاصطناعي، مما يُعزز توسع السوق، علاوةً على ارتفاع الطلب على مواد كيميائية مثل الميثانول والأمونيا، وتطوير تقنيات التغويز، بما في ذلك خفض تكاليف إنتاج الغاز الاصطناعي.

طلب متزايد في الولايات المتحدة
وتشير تقديرات دولية إلى أن حجم سوق الغاز الاصطناعي في الولايات المتحدة بلغ 9 مليارات دولار عام 2025م، مع توقعات بأن يصل إلى حوالي 13 مليار دولار عام 2035م، مسجلاً معدل نمو سنوي مُركب قدره %3.6 خلال الفترة (2025م- 2035م)، وأن السوق تستعد للنمو مدفوعة بالطلب المتزايد على حلول الطاقة النظيفة.
وتعمل وزارة الطاقة الأمريكية من خلال برامج أنظمة التغويز على تطوير تصاميم معيارية مرنة ومبتكرة، لتحويل أنواع مختلفة من الفحم المحلي ومزيج الفحم مع الكتلة الحيوية والنفايات الصلبة البلدية والبلاستيك المُعاد تدويره إلى غاز اصطناعي نظيف، وذلك لزيادة إنتاج الكهرباء والمواد الكيميائية عالية القيمة والهيدروجين ووقود النقل وغيرها من المنتجات بتكلفة منخفضة لتلبية احتياجات السوق، بالإضافة إلى تقنيات خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وأطلقت شركة “إير برودكتس” الأمريكية، المتخصصة في بيع الغازات والمواد الكيميائية للاستخدامات الصناعية، مؤخرًا، منشأة جديدة لإنتاج الغاز الاصطناعي في ولاية تكساس، مستخدمةً تقنية التغويز المتقدمة لتوفير مشتقات هيدروجين أنظف للوقود الصناعي، مما يعزز سوق الطاقة المحلي، كما وسعت شركة “ليندي بي إل سي”، أكبر مورد للغازات الصناعية في العالم، مصنعها لمشتقات الغاز الاصطناعي في ولاية لويزيانا، مع دمج تقنية احتجاز الكربون، مستهدفةً إنتاج الميثانول وإضافته إلى المواد الكيميائية المستدامة في ظل تزايد الطلب في الولايات المتحدة، وأعلنت شركة “إكسون موبيل” عن تحديثات لعملياتها في مجال الغاز الاصطناعي على ساحل الخليج الأمريكي، مع التركيز على مشتقات مثل ثنائي ميثيل الإيثر لتوليد الطاقة وإنتاج الأسمدة.

توليد الطاقة والصناعة في أوروبا
وثمة توقعات بأن يسجل سوق الغاز الاصطناعي في دول الاتحاد الأوروبي معدل نمو سنوي مركب يزيد على %7 بحلول عام 2030م، بسبب مرونة المواد الأولية لإنتاج هذا الغاز والطلب المتزايد على الكهرباء، لكن التمويل وارتفاع رأس المال المستثمر قد يؤثران على نمو السوق في المدى القريب، وأن ألمانيا قد تهيمن على السوق وتشهد أسرع معدل نمو سنوي، في استخدام الغاز الاصطناعي في صناعات الأمونيا والأسمدة بشكل رئيس.
ويعمل مشروع “سبوت لايت” الأوروبي على التوسع في استخدام الغاز الاصطناعي لخفض الانبعاثات الكربونية وتوليد الطاقة والصناعة، من خلال تطوير جهاز ضوئي لتحويل غاز ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين الأخضر، إلى غاز اصطناعي باستخدام الطاقة الشمسية، وذلك لاستخدامه كمادة أولية لإنتاج وقود الميثانول، حيث سيمكن هذا المشروع دول الاتحاد الأوروبي من تقليل اعتمادها على الدول والمناطق غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في إمدادات الطاقة.
وفي بلجيكا، تقوم شركة “إيمرز” الرائدة في إنتاج الكربون الأسود (المكون الأساسي لتصنيع بطاريات الليثيوم أيون)، بإنتاج كميات هائلة من الحرارة، من خلال إنتاج الغاز الاصطناعي، اعتمادًا على تقنية ذكية ُتعرف باسم “استعادة الطاقة”، وتوليد طاقة كهربائية مخطط لها تزويد نحو 40 ألف منزل بالطاقة، إذ يتم إنتاج الغاز الاصطناعي خلال عملية تصنيع الكربون الأسود، ثم تحويله إلى بخار لتوليد الكهرباء.

مشروع “تغويز الفحم” الهندي
وتعمل الحكومة الهندية على مشروع “تغويز الفحم”، ضمن خططها لتحقيق الاستدامة والانتقال العادل إلى الاقتصاد الأخضر، من خلال تقديم حزمة حوافز أكبر بكثير من الخطة الحالية البالغة 85 مليار روبية (حوالي 937 مليون دولار)، في إطار تحقيق هدفها المتمثل في إنتاج 100 مليون طن من الغاز الاصطناعي بحلول عام 2030م، باعتباره وسيلة لتعزيز أمن الطاقة من خلال تقليل واردات الغاز الطبيعي والنفط الخام والأسمدة، فضلًا عن إنشاء سلاسل قيمة صناعية جديدة في المناطق الغنية بالفحم، كما يُنظر إليه كمسار انتقالي يدعم فرص العمل في قطاع الفحم ويُمكّن من التحول التدريجي نحو تقنيات أقل انبعاثًا.
ويتم احتجاز الكربون وتخزينه وتقديمه كأحد أهم حلول أزمة المناخ، إلا أن هذه التقنية تعد مكلفة وكثيفة الاستهلاك للطاقة، إذ تتراوح تكلفتها بين 125 و335 دولارًا للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون، وللمقارنة، تُصدر الولايات المتحدة وحدها ما يقارب 13 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون يوميًا، إضافةً إلى ذلك، لا يزال تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض لفترات طويلة أمرًا مثيرًا للجدل، نظرًا لعدم وضوح آثاره على المدى البعيد، ومن هذا المنطلق، نجح باحثون في جامعة كامبريدج البريطانية، في ابتكار تقنية لتحويل ثاني أكسيد الكربون المُستخرج إلى غاز اصطناعي، يُمكن استخدامه لإنتاج وقود اصطناعي.
وقال رئيس الفريق البحثي، البروفيسور “إروين رايزنر”: “بغض النظر عن التكلفة وكثافة استهلاك الطاقة، تُوفّر تقنية احتجاز الكربون وتخزينه ذريعةً لمواصلة حرق الوقود التقليدي، وهو ما تسبب في أزمة المناخ في المقام الأول، كما أن هذه التقنية عملية غير دائرية، إذ يُخزّن ثاني أكسيد الكربون المضغوط، في أحسن الأحوال، تحت الأرض إلى أجل غير مسمى، حيث لا يُفيد أحدًا”، حيث تشبه هذه التقنية عملية التمثيل الضوئي.

مستقبل الغاز الاصطناعي
وذكر مؤسس شركة “زد إم آي سينس” المتخصصة في أبحاث الطاقة المتجددة، “ميهاي أندريه”، أن معظم الجهود المناخية تركز على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ورغم وجود تقنيات لالتقاطه مباشرةً من الهواء، إلا أنها مُكلفة ويصعب تطبيقها على نطاق واسع، وفي المقابل، هناك تقنيات حديثة تعمل بالطاقة الشمسية قادرة على تحويله إلى غاز اصطناعي مُتجدد، مشيرًا إلى أن هذه التقنيات ستشكل مستقبل الطاقة النظيفة في العالم، ومن المتوقع أن تعتمد عليها معظم الدول في المستقبل القريب لتحقيق الحياد الكربوني.
وأوضح المدير التجاري في شركة “دبليو تي إنجيزي” لحلول الطاقة في إسبانيا، “خوان سيلفا سارزو”، أن الغاز الاصطناعي يعد بمثابة مفتاح لإزالة الكربون من مختلف الأنشطة الصناعية وفي خفض تكاليف الحصول على الطاقة، مشيرًا إلى أن التقنيات المتطورة نجحت في تحويل الغاز الاصطناعي إلى حرارة وطاقة، إذ يمكن استخدام الحرارة الصناعية في توليد البخار أو الهواء الساخن مباشرةً، مما يجعلها مناسبة للعمليات كثيفة الحرارة في قطاعات مثل الأغذية والورق والكيماويات، كما يُمكن استخدامه في أفران صناعة الأسمنت، ليحل محل فحم الكوك في الأفران ذات درجات الحرارة العالية، مما يُقلل بشكل كبير من البصمة الكربونية، فضلًا عن استخدامه في تشغيل المحركات أو التوربينات لتوليد الطاقة، أو في أنظمة التوليد المشترك مع استعادة الحرارة، مما يُحقق كفاءة إجمالية عالية.
وأشار “سارزو” إلى إمكانية تحويل الغاز الاصطناعي إلى منتجات أخرى، فمن خلال عمليات تقنية مبتكرة، يُمكن أن يكون مصدرًا للهيدروجين، كما يمهد تحويله إلى منتجات مثل: الميثانول والأمونيا ووقود الطيران المستدام الطريق لصناعة كيميائية مستدامة تعتمد على النفايات والكتلة الحيوية.

