البتكوين ثروات

البتكوين.. هل ينفد المخزون؟

ثمة اعتقاد بأن مخزون البتكوين سينفد بحلول عام 2040م، على الرغم من توفر معدات تعدين أكثر قوة.

مخزون البتكوين محدود ولديه حد أقصى للمعروض، وقد تم الوصول إلى حوالي %89 منه في أبريل 2021م.

 

بعد ما يزيد على 16 عامًا من إطلاقه عام 2009م، هل يقترب البتكوين (Bitcoin) من نهاية مسيرته في إصدار عملات جديدة؟ هل اقترب توقَّف المستثمرين عن التحديق في عدّادات المكافآت؟ وذلك في ظل تصميمه الذي يحدد سقفًا نهائيًا لا يتجاوز الـ 21 مليون قطعة، ولا يمكن تعديله إلا بتوافق جماعي كبير في الشبكة، وهو أمر غير مرجح في الواقع العملي؛ إذ يعتمد البروتوكول على آليتي التعدين (Mining) للتحقق من المعاملات وإضافة الكتل الجديدة، والتنصيف (Halving)، حيث يقل عدد العملات الممنوحة للمعدَّنين كل أربع سنوات بهدف تعزيز الندرة ومكافحة التضخم.

وحتى أواخر عام 2025م، الذي اقترب فيه البتكوين إلى الـ 126 ألف دولار قبل أن ينخفض بنهاية العام إلى مستويات أدنى بكثير، تم تعدين ما بين (19.9 و19.95) مليون من البتكوين، أي أكثر من %95 من إجمالي المعروض الكلي، والبقية سوف يتم توزيعها ببطء شديد نتيجة لآلية تقليل المكافآت إلى النصف كل أربع سنوات، بما يعني أن آخر البتكوينات لن تُستخرج إلا بحلول عام 2140م، وليس عام 2040م، لأن سلسلة عمليات التنصيف تجعل إصدار العملات يتباطأ بمعدل أسّي حتى تصبح قريبًا من الصفر.

ومع ذلك، بدأ الكثيرون في المجتمع الاقتصادي والإعلامي ومن بينهم بعض المستثمرين يتحدثون عن نفاد السيولة المتاحة للتداول قبل أن ينفد المعروض الكلي الحقيقي، وذلك لأن تركيز الملكية وعمليات التخزين الطويل للبتكوين تقلل بشكل فعلي من عدد العملات المتداولة في السوق.

وكان الخبير الأمريكي ومؤلف كتاب “الأب الغني والأب الفقير”، “روبرت كيوساكي”، قد حذر من احتمال انفجار فقاعة العملات المُشفرة، وقال إن الفقاعات على وشك الانفجار، وعندما تنفجر هذه الفقاعات، فمن المرجح أن ينفجر الذهب والفضة والبتكوين أيضًا، وعلى عكس العملات الورقية كالدولار الأمريكي، حيث يُمكن لمجلس الاحتياطي الفيدرالي طباعة المزيد من الأوراق النقدية، فإن مخزون البتكوين محدود ولديه حد أقصى للمعروض، وقد تم الوصول إلى حوالي %89 منه في أبريل 2021م.

وثمة اعتقاد عند البعض بأن هذا المخزون سينفد بحلول عام 2040م، على الرغم من توفر معدات تعدين أكثر قوة، وهو ما يمكن إرجاعه إلى أن التعدين يصبح أكثر صعوبة واستهلاكًا للطاقة بشكل كبير كل أربع سنوات، وهو جزء من التصميم الأصلي للبتكوين، ولهذا السبب، قد تُعادل معاملة تعدين بتكوين استهلاك دولة صغيرة للطاقة.

 

أثر نفاد البتكوين على السوق

ولكن فإن تصميم البتكوين يجعل النقص أمرًا متوقعًا، فمع الوقت تزداد عمليات التخزين والاحتفاظ، بينما تقل العملات المعروضة في التداول، وتشير تقديرات تحليل السلاسل إلى أن جزءًا كبيرًا من البتكوين قد يكون مفقودًا نهائيًا لأن أصحابه فقدوا الوصول إليه، مما يجعل العرض الفعال أقل من الرقم الاسمي للموجود في السلسلة، ما يقلل بدوره المعروض ويعزز من فرضيات بعض المحللين الذين يرون أن ارتفاع الأسعار على المدى الطويل قد يستمر إذا ظل الطلب قويًا، إلا أن بطء إصدار العملات يجعل الاحتياطي لدى المستثمرين بخاصة من المؤسسين وأصحاب المحافظ الكبيرة يحتلون مكانة مهمة في تحديد السيولة، فعلى سبيل المثال، صناديق الاستثمار المتداولة (ETEs) المرتبطة بالبتكوين تمتلك حاليًا أكثر من 1.3 مليون عملة، وهو ما يعادل نحو %60 من المعروض المعدَّن، ما يزيلها بالتابعية من التداول المفتوح ويزيد من الندرة المعروضة.

تقلبات الأسعار في الفترة الأخيرة

وعلى الرغم من أن ندرة المعروض يُفترض أن تدعم قيمة الأصول، فإن البتكوين يواجه تقلبات سعرية شديدة؛ إذ تُعد التقلبات هي السمة الأبرز في السوق الرقمية بشكل عام، ففي عام 2021م، حدثت ارتفاعات تاريخية في أسعار العملات المُشفرة، خاصة في مارس من العام نفسه، حين أعلنت شركة “تسلا” الأمريكية عن استحواذها على ما قيمته 1.5 مليار دولار من هذه العملات، بالإضافة إلى الطرح العام الأولي لأكبر بورصة عملات رقمية في الولايات المتحدة، وقد أدي ذلك إلى زيادة الاهتمام بها بشكل كبير. ومع ذلك، اختلفت السوق بشكل ملحوظ بحلول نهاية عام 2022م، بعد أن أعلنت بورصة أخرى للعملات الرقمية وهي (إف تي إكس) إفلاسها.

وتاريخيًا، يُعد أكتوبر شهرًا رائعًا لأهم عملة مُشفرة في العالم، فقد حققت بتكوين مكاسب بنسبة %20 في المتوسط خلال ذلك الشهر من عام 2013م، إلى عام 2024م، ولهذا السبب، أصبح متداولو بيتكوين يُطلقون على هذا الشهر اسم “أبتوبر”.

أما عام 2025م، فكان مختلفًا تمامًا فبين 6 أكتوبر و6 نوفمبر، انخفض سعر بيتكوين من 124 ألف دولار إلى 101 ألف دولار، متراجعًا عن العتبة النفسية البالغة 100 ألف دولار مرتين في أسبوع واحد، بخسائر في قيمتها السوقية بلغت 370 مليار دولار.

وفي عام 2026م، واجه سعر البتكوين تراجعًا ملحوظًا مقارنة بقيمه القياسية السابقة، حيث انخفض السعر إلى مستويات أدنى خلال بداية 2026م، إذ تداول عند نحو 90-75 ألف دولار في فترات متعددة، وهو مستوى يعتبر انخفاضًا بنحو %20 إلى %30 أو أكثر عن ذروته السابقة.

 

موجة البيع القوي والتطورات الاقتصادية

ويبدو أن هذه التقلبات السعرية مدفوعة بعوامل عديدة، لعل أبرزها موجة البيع القوية التي حصلت مع بدايات 2026م، فقد شهدت الأسواق موجة كبيرة من البيع أدت إلى تصفية ما يقارب الـ2.56 مليار دولار من مراكز البتكوين، وذلك نتيجة أحداث سوقية أوسع شملت هبوط الأسهم والمعادن النفيسة، وأيضًا حساسية التطورات الاقتصادية العالمية؛ فقد كان التقلب الأخير متشابكًا مع توقعات السياسة النقدية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أثارت ترشيحات قيادة البنك المركزي الفيدرالي المخاوف من السياسة النقدية الأشد صرامة، وهو ما أثر سلبًا على الأصول عالية المخاطر كالعملات المشفرة، وهذا الارتباط مع الأسواق المالية التقليدية أسس لأحد أبرز الجدالات بأن البتكوين هل بات أقل ارتباطًا بسردية التقني والندرة وأصبح أكثر ارتباطًا بتقييمات الأسواق الكلية؟

وإلى جانب موجة البيع القوي وحساسية التطورات الاقتصادية العالمية، هناك بعض التحليلات السوقية الأخيرة تشير إلى أن البتكوين والعديد من العملات الرقمية الأخرى لا يزالون في بيئة تقلبات مرتفعة، مع مستويات تقلب سنوية تجاوزت %40 في بداية 2026م، واضطرابات من تدفقات صناديق الاستثمار، وتوترات اقتصادية عالمية تشكّل تحديًا للمستثمرين، مرجعين ذلك إلى العوامل الاقتصادية الكلية، كسياسات البنك المركزي وتحركات الدولار الأمريكي والعوائد الأمريكية ومعدلات التضخم وبيانات العمالة التي تخلق تغيرات اتجاهية في الأسواق، تؤثر على معنويات المستثمرين، وأيضًا إلى هيكل السوق وأدوات التداول، كتصفية المراكز الكبرى التي غالبًا ما تؤدي إلى موجات بيع عنيف عند كسر مستويات دعم تقنية معينة، وتدفقات صناديق البتكوين، فدخول الأموال مؤخرًا عبر صناديق الاستثمار جذب الطلب، ولكن تدفقات خارجة أدّت إلى ضغط على السيولة، إضافة إلى المشكلات التنظيمية المستمرة، كتباطؤ تشريع تنظيمي في الولايات المتحدة الذي بلا شك يزيد من عدم اليقين وتسهم في التذبذبات السعرية.

إعادة تقييم للبتكوين في الأصول المالية العالمية

وبالعودة إلى البروتوكول الذي لا يتوقع استخراج البتكوينات قبل عام 2140م، فقد يشهد السوق فعليًا ما يسمى “نفاد المعروض المتداول” قبل ذلك بكثير، إذ يقل عدد العملات المتاحة للتداول بسرعة بسبب تمسك بعض المستثمرين بالبتكوين على المدى الطويل واعتبار جزء كبير من العملات مفقودًا أو بعيدًا عن التداول.

وفي حالة استمر الطلب في الارتفاع بينما ينخفض المعروض المتداول، قد تنشأ ضغوط سعرية بالصعود القوي، بخاصة عند مستويات سيولة منخفضة جدًا، وفيما يخص توقعات السوق، تتباين آراء الخبراء بين من يرى أن البتكوين قد يستعيد أو يتجاوز أعلى مستوياته مع عودة الطلب المؤسسي، ومن يحذر من أن الظروف الاقتصادية الكلية قد تؤدي إلى تصحيح أطول أو سوق صامتة قبل أي ارتفاع جديد.

ويمثّل التقدم نحو نهاية إصدار البتكوين مرحلة مهمة في تاريخ العملة الرقمية الأولى من نوعها، وبالرغم من أن السيناريو الحقيقي لا يشير إلى نفاد المعروض الكامل قبل 2140م، فإن المعروض المتداول يقل بسرعة، مما قد يجعل السوق يشهد ندرة فعلية قبل العقد القادم.

في المقابل، تُبرز فترة هذه أحد أبرز الأمثلة على تقلبات العملات المشفرة، تأثرًا بالعوامل الاقتصادية الكلية، هياكل السوق، والانفعالات التداولية، ومع بقاء عدد كبير من العملات خارج التداول الفعلي، واحتفاظ مؤسسات ومستثمرين كبار بكميات ضخمة من المعروض، فإن النظرة المستقبلية تظل مزيجًا من الاندفاع الصعودي والقلق المستمر حول المخاطر.

وهذه الحقائق تدفع السوق، المستثمرين، وصناع السياسات إلى إعادة تقييم مكانة البتكوين في منظومة الأصول المالية العالمية، ليس فقط كعملة رقمية، بل كأصل متقلب للغاية يعكس ديناميكيات اليوم ويثير تساؤلات حول الغد.