اقتصاديات الصناعات البحرية

الاقتصاد الأزرق.. عبور إلى المستقبل

من المتوقع أن يسهم قطاع الصناعات البحرية في تقليل الواردات بنحو 12 مليار دولار سنويًا، ورفع الناتج المحلي الإجمالي بما يقارب 17 مليار دولار.

تدشين أولى السفن التجارية المصنّعة محليًا يعكس انتقال المملكة من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التصنيع المحلي المتكامل.

 

في قلب التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبرز المملكة اليوم كلاعب جديد يعيد رسم خريطة القوة البحرية عالميًا، ليس فقط عبر الموانئ والتجارة، بل من خلال صناعة متكاملة من بناء السفن إلى تصنيع المحركات وتطوير منصات الحفر، وحتى إنتاج السفن العسكرية المتقدمة. فما يحدث في المملكة اليوم لا يمكن اعتباره مجرد توسع صناعي تقليدي، بل انتقال استراتيجي نحو اقتصاد “أزرق” يجعل من البحر امتدادًا مباشرًا للقوة الاقتصادية والتقنية والعسكرية.

وتتجه المملكة اليوم إلى ترسيخ مكانتها كواحدة من أكبر القوى البحرية التجارية والصناعية عالميًا، عبر تطوير قطاع متكامل للصناعات البحرية يشمل بناء السفن وصيانتها، وتصنيع منصات الحفر، إلى جانب تعزيز القدرات البحرية العسكرية، ويأتي هذا التوجه ضمن مستهدفات رؤية 2030 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي يربط بين ثلاث قارات.

مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية في منطقة رأس الخير

أكبر المجمعات البحرية في العالم

ويرتكز هذا الطموح على تطوير المنطقة الاقتصادية الخاصة في رأس الخير، حيث يجري تنفيذ مشروع ضخم يتمثل في مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية في منطقة رأس الخير، الذي يُعد حجر الزاوية في هذا التحول، وقد تم تخصيص استثمارات تتجاوز 26 مليار ريال لتطوير المجمع، الذي يمتد على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة، ويضم 15 حوضًا جافًا، ما يجعله من أكبر المجمعات البحرية في العالم.

ويستفيد المشروع من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة في قلب أهم ممرات الشحن العالمية، ما يعزز قدرته على جذب الاستثمارات وتوطين الصناعات البحرية المتقدمة، ويهدف إلى بناء السفن وصيانتها وإصلاحها، إضافة إلى تصنيع منصات الحفر البحرية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الاكتفاء الصناعي المحلي.

د. عبدالله الفارس

وقد شهد المشروع تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تم توقيع اتفاقيات في نوفمبر 2025م، لبناء منصات حفر بحرية جديدة بالتعاون مع شركة ARO Drilling كما من المتوقع أن يبدأ مصنع “مكين”، وهو مشروع مشترك بين أرامكو السعودية وشركة هيونداي للصناعات الثقيلة، الإنتاج في النصف الأول من عام 2026م، ليكون أول مصنع في المنطقة لإنتاج محركات السفن ثنائية وثلاثية الأشواط.

توقيع اتفاقيات لبناء منصات حفر بحرية جديدة بالتعاون مع شركة ARO Drilling

تحالفات استراتيجية بين شركات وطنية وعالمية

هذا وبدأ المجمع فعليًا في تسليم أولى السفن التجارية لشركة “البحري” (الشركة الوطنية للنقل البحري)، والتي تشمل ناقلات بضائع سائبة تم تصنيعها وفق معايير محلية. ويعد هذا التطور نقطة تحول مهمة في مسار توطين صناعة السفن داخل المملكة.

وتشير التقديرات إلى أن المجمع سيصل إلى قدرة إنتاجية سنوية تشمل تصنيع 4 منصات حفر بحرية وأكثر من 40 سفينة، من بينها 3 ناقلات نفط عملاقة، ومن المتوقع أن يسهم هذا القطاع في تقليل الواردات بنحو 12 مليار دولار سنويًا، ورفع الناتج المحلي الإجمالي بما يقارب 17 مليار دولار.

د. عبدالله المغلوث

ويقود تطوير هذا القطاع تحالفات استراتيجية بين شركات وطنية وعالمية، أبرزها أرامكو السعودية، وشركة هيونداي للصناعات الثقيلة، وشركة لامبريل، إضافة إلى الشركة العالمية للصناعات البحرية (IMI) ويشمل نطاق العمل بناء ناقلات النفط والغاز، وإصلاح السفن، وتصنيع منصات الحفر، إلى جانب تطوير البنية التحتية للأحواض الجافة.

كما تم تدشين أولى السفن التجارية المصنّعة محليًا في أكتوبر 2025م، بالتعاون بين شركة “البحري” و(IMI)، في خطوة تعكس انتقال المملكة من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التصنيع المحلي المتكامل.

ضمن مشروع “طويق” تم تدشين سفينة “جلالة الملك سعود”

“طويق” أهم المشاريع لتطوير القوات البحرية

وفي القطاع العسكري، يمثل مشروع “طويق” أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لتطوير القوات البحرية، حيث يهدف إلى بناء سفن قتالية متعددة المهام، تشمل الفرقاطات وسفن الدوريات، عبر شراكات تقنية متقدمة، أبرزها التعاون مع شركة SAMI وشركة نافانتيا الإسبانية، وقد تم تدشين سفينة “جلالة الملك سعود” كأول سفينة ضمن هذا المشروع، كما يشمل المشروع تطوير قاعدة الملك عبدالعزيز البحرية في الجبيل، وإنشاء مرافق تدريب وصيانة متقدمة، بما يعزز جاهزية القوات البحرية ويدعم الاستقلالية التقنية في الصناعات الدفاعية البحرية.

وفي هذا الإطار أكد الخبير الاستراتيجي والمتخصص في صناعة المعدات الثقيلة، الدكتور عبدالله بن عثمان الفارس، أن استهداف التصنيع العسكري، يتجاوز الأهداف الاقتصادية، لأهداف استراتيجية، أوسع، مشددًا على أن هناك أهدافًا أكثر من الأهداف الاقتصادية في هذه الخطط، مضيفًا بقوله إنه من المهم التركيز على الفرقاطات والغواصات التكتيكية، فحتى ولو كبر حجم المنافسين فإن التمويل الباهظ يغطيه الاكتفاء الذاتي، أي اصنع ما تحتاجه ولو بالغت في تكلفته سيكون مجديًا اقتصاديًا بشكل أكبر، لأنهم يبيعونه بأسعار مضاعفة، وتابع: إذا بسطنا الأمر وقلنا إن الكيلو غرامًا للفرقاطة يكلف 100 ريال وهم يبيعونه إذا طلبته بـ 1000 ريال، فأنت رابح ليس ماليًا فقط، ولكن استراتيجيًا مع الفرق في توطين المعرفة.

أولى السفن التجارية لشركة “البحري”

80 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة

وعلى صعيد الموارد البشرية، تستهدف الخطة خلق نحو 80 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مع رفع نسبة التوطين إلى %70، ويجري تدريب الكوادر الوطنية عبر مؤسسات تعليمية متخصصة مثل الأكاديمية الوطنية البحرية (NMA) في الجبيل، التي تهدف إلى إعداد آلاف المتخصصين سنويًا في مجالات الملاحة والهندسة البحرية وصيانة السفن، واقتصاديًا، يعكس قطاع الصناعات البحرية في السعودية نموًا متسارعًا، حيث سجل الأسطول البحري نموًا بنسبة %32 بنهاية 2025م، ليكون من أسرع الأساطيل نموًا عالميًا ضمن دول مجموعة العشرين، كما سجل قطاع النقل البحري نموًا يقارب %34، مما يعزز مكانة المملكة كمركز بحري صاعد.

وأكد عضو جمعية الاقتصاد السعودية، الدكتور عبدالله المغلوث، أن صناعة بناء السفن في المملكة تعيش نموًا غير مسبوق مدفوعًا بالتكنولوجيا والاستدامة، مشيرًا إلى أن “مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية” في رأس الخير يعد الركيزة الأساسية لهذا النمو، حيث تأسس بالشراكة بين أرامكو، البحري، هيونداي، ولامبريل، ليكون الأكبر في المنطقة لتقديم خدمات بناء وصيانة السفن والحفارات ومنصات النفط، علاوةً على الجهود الأخرى التي تبرز من أجل تعزيز المحتوى المحلي، مثل تعاون شركة “فُلك” (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) مع شركة “البحري” لتطوير الأسطول والخدمات اللوجستية، وإطلاق شركة “الزامل” خط إنتاج لبناء القوارب الصلبة في الدمام، ورغم هذا النمو، شدد المغلوث على تحدي الاستدامة البيئية، خاصة وأن قطاع الشحن يسهم بـ %3 من الانبعاثات العالمية (وقد تصل لـ %13 بحلول 2050م)، مما يجعل الاستثمار في التكنولوجيا البحرية الصديقة للبيئة ضرورة استراتيجية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وتوطين الصناعة.

تعاون شركة “فُُلك” مع شركة “البحري” لتطوير الأسطول والخدمات اللوجستية

تحول استراتيجي يخدم رؤية 2030

ويتفق الرئيس التنفيذي لشركة ريادة المالية، المحلل الاقتصادي فيصل الشماس، مع الدكتور المغلوث في أن دخول المملكة لقطاع صناعة السفن يمثل تحولاً استراتيجيًا يخدم مستهدفات رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وتوطين الصناعة، ويرى أن الموقع الجغرافي للمملكة على ممرات بحرية حيوية يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا رائدًا في هذا المجال.

وأوضح أن هذا التوجه يتجاوز البعد الصناعي ليحقق مكاسب اقتصادية شاملة؛ تشمل خلق وظائف نوعية، ونقل التقنيات المتقدمة، وبناء كفاءات وطنية في الهندسة والتصنيع، كما أشار إلى دور هذه الصناعة في دعم سلاسل الإمداد المحلية كقطاع الحديد والأنظمة الميكانيكية، مؤكدًا أن الاستثمار في هذا القطاع يعزز الأمن البحري، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، مما يرفع تنافسية الاقتصاد السعودي كمركز لوجستي عالمي.

فيصل الشماس

هذا وتتوسع المملكة في مشاريع بحرية نوعية لتعزيز ريادتها العالمية؛ ففي نيوم، ومدينة أوكساجون التي تبرز كنموذج للصناعة النظيفة، وجزيرة “سندالة” للسياحة الفاخرة، وأيضًا مشروع “مكين”، الذي يمثل قفزة بتصنيع محركات السفن محليًا، بينما يقود مشروع “سفن طويق” توطين الصناعات الدفاعية البحرية.

وعلى صعيد البنية التحتية، تعمل المملكة على تحويل موانئها الكبرى مثل: ميناء جدة الإسلامي والملك عبدالعزيز إلى موانئ ذكية تعتمد الأتمتة، لدعم %12 من التجارة العالمية المارة عبر البحر الأحمر. واستثماريًا، يزخر القطاع بفرص تصنيع المعدات والمواد الخام، مدعوماً بحوافز مغرية تشمل إعفاءات ضريبية لـ 20 عامًا وتمويلات تصل لـ %50 من تكلفة المشاريع.

ويتجاوز هذا التوجه البعد الصناعي ليكون تحولاً استراتيجيًا يستهدف بناء القدرات الوطنية، ونقل المعرفة، وتحقيق الاستقلال التقني والأمن البحري. وبذلك، تكتمل منظومة بحرية سعودية تجمع بين الدفاع، السياحة، واللوجستيات، لتصبح ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني وفق رؤية 2030.

إطلاق شركة “الزامل” خط إنتاج لبناء القوارب الصلبة في الدمام