الاسمنت تقرير

خوارزميات الإسمنت!

%76 من شركات الإنشاءات قامت بزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي بنسبة %9 عام 2025م.

8 مليارات دولار حجم متوقع لسوق روبوتات البناء بحلول عام 2033م بمعدل نمو سنوي مُركب %19.1.

 

لطالما ظنَّ الكثيرون أن قطاع الإنشاءات هو الحصن الأخير الذي لن تطاله يد التكنولوجيا المعقدة، فالبناء في نظرهم لا يحتاج إلا لجهد العضلات وخلطات الإسمنت التقليدية، لكن الحقيقة بدأت تتكشف في قلب المواقع الإنشائية الحديثة، حيث لم يعد “الذكاء الاصطناعي” مجرد سطور برمجية في أجهزة الحاسوب، بل صار “العقل المدبر” الذي يوجه كل حجر يوضع وكل عمود يُرفع، فتحول الإسمنت الجامد إلى مادة “ذكية” تُدار بعقل الخوارزمية، لترسم مستقبلاً تكون فيه المباني أكثر استدامة والشركات أكثر إنتاجية، معلنةً بذلك أن ثورة الذكاء قد وضعت حجر الأساس في عالم البناء بالفعل.

في هذا المشهد المتطور، لا يتحرك العمال عبثًا؛ فقبل أن تلمس المعاول الأرض، تكون “الخوارزميات” قد رسمت مسار المشروع بدقة متناهية، متنبئةً بالعقبات قبل وقوعها وموفرةً في التكاليف والوقت بشكل مذهل.

نيوم و سامسونج سي آند تي تشكلان أكبر تحالف عالمي لتطوير تقنيات البناء

تسارع ملحوظ في أتمتة الإنشاءات

وبحسب تقرير شركة “أوتوديسك” عن حالة التصميم والتصنيع 2025م، وهي شركة برمجيات أمريكية متخصصة في الهندسة المعمارية، فإن أكثر من %76 من قادة الشركات قاموا بزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي بنسبة %9 مقارنةً بعام 2024م.

ومع تزايد التطور الرقمي في قطاع الإنشاءات وسعيه لحل مشكلاته، وأبرزها ارتفاع التكاليف ونقص العمالة، يبرز دور التشييد الرقمي كعنصر أساسي في هذا التحول، من خلال التأثير على كافة المراحل تقريبا، من التصميم والتخطيط إلى السلامة والصيانة، حيث شهد بالفعل تسارعًا ملحوظًا في الأتمتة واستخدام التقنيات التكنولوجية المبتكرة.

وأشارت الخبيرة الأمريكية في تكنولوجيا البناء، “غريس إليس”، إلى الاعتماد المتزايد من قبل عديد من الشركات الكبرى على الروبوتات، خاصةً في أداء المهام اليومية المتكررة واليدوية، علاوةً على القيام بأعمال البناء واللحام والهدم، وتنظيف مواقع العمل، ومراقبة سير العمل، ووضع قوائم بالمخاطر المحتملة، بما يعزز السلامة المهنية في هذه المواقع، وخفض معدلات الحوادث.

وأوضح مدير إدارة المنتجات بشركة “أوتوديسك”، “بات كيني”، أن الذكاء الاصطناعي ساعد في توفير قدرات خارقة للمتخصصين في قطاع الإنشاءات، لافتًا إلى أن السنوات المقبلة سيكون مفيدًا بشكل أكبر في تعزيز كفاءة عمل الأفراد وتحسين أدائهم.

تطوير المنطقة الثالثة من الحي الأول في “بانبو جونغ أنغ”، في حي سوتشو، بالعاصمة سيول

نقلة نوعية في إدارة المشاريع

وتقود “سامسونج سي آند تي”، الشركة الرائدة في مجال الإنشاءات في كوريا الجنوبية، ثورة رقمية في القطاع، من خلال التوسع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في مواقع البناء، حيث تستخدم الشركة الروبوتات في القيام بعديد من المهام، منها على سبيل المثال، شد البراغي الفولاذية والرافعات الشوكية ذاتية القيادة، وروبوتات نقل المواد، وطائرات رش المياه بدون طيار، وذلك في مشروعها الجاري تنفيذه حاليًا لإعادة تطوير المنطقة الثالثة من الحي الأول في “بانبو جونغ أنغ”، في حي سوتشو، بالعاصمة سيول.

وفي الولايات المتحدة، لا يزال يعاني قطاع الإنشاءات (تبلغ قيمته أكثر من 13 تريليون دولار) من أوجه القصور ومخاطر العمالة ونقصها، حيث يُطرح نظام “فيلد إيه آي”، كحل تقني لإحداث نقلة نوعية في إدارة المشاريع، حيث يُعد تطبيقه من قبل شركة “دي بي آر” للإنشاءات نموذجًا رائدًا في كيفية مساهمة الروبوتات ذاتية التشغيل، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في تحسين الوقت، وتقليل الأخطاء، وتعزيز سلامة مواقع العمل.

ففي المشاريع المعقدة كالمستشفيات ومراكز البيانات وناطحات السحاب، غالبًا ما يتطلب توثيق سير العمل ساعات من التجوال، والتقاط الصور، وتحميل المعلومات يدويًا، لكن مع نظام “فيلد إيه آي”، تُنجز الروبوتات هذه المهام ذاتيًا، مما يوفر لفرق الهندسة مصدرًا للمعلومات المحدثة في الوقت الفعلي، حيث ساعد هذا النظام شركة “دي بي آر” في التقاط أكثر من 45 ألف صورة، والتنقل لمسافة تزيد على 100 ميل داخل الموقع، ومسح 500 ألف قدم مربع من المساحات الداخلية، و125 ألف قدم مربع من الأسقف، بالإضافة إلى تحسين عمليات التوثيق، حيث تعالج الروبوتات المخاطر الجسيمة، ففي الولايات المتحدة، يشهد قطاع البناء أكثر من 1000 حالة وفاة سنويًا لأسباب من السهل تجنبها، حيث يستطيع النظام اكتشاف الظروف الخطرة، مثل غياب حواجز الحماية على السلالم والشرفات أو انسكاب السوائل، وإصدار إنذارات مبكرة تُنقذ الأرواح، كما نجح النظام باستخدام الروبوتات في تعويض نقص العمالة الماهرة في قطاع الإنشاءات المتوقع أن يصل إلى 500 ألف عامل خلال السنوات المقبلة.

وفي وقتٍ سابق من العام الماضي، اجتاحت حرائق غابات مدمرة جنوب كاليفورنيا، مُلحقةً أضرارًا بالغة بنحو 9700 منزل، وتتعاون حاليًأ شركة “إيه بي بي” للروبوتات مع شركة “كوزميك” لإعادة البناء، لإنشاء مصنع صغير يستخدم الذكاء الاصطناعي في حي “باسيفيك باليسيدز” الراقي، لبناء هياكل معيارية (وحدات ثلاثية الأبعاد) في الموقع، وذكر رئيس قسم الروبوتات في “إيه بي بي”، “”مارك سيغورا”: معًا نعيد صياغة قواعد البناء والتعافي من الكوارث، فمن خلال دمج تقنيات الروبوتات والتوائم الرقمية، نُتيح أتمتة دقيقة وفورية، مثالية للمواقع النائية والمتضررة من الكوارث، وفي ظل نقص العمالة وارتفاع التكاليف، يُظهر هذا كيف يُمكن للأتمتة أن تُحدث نقلة نوعية في قطاع البناء، من خلال بناء أسرع وأكثر أمانًا وذكاءً”.

نمو هائل واستخدامات متعددة

وثمة توقعات بأن يشهد حجم سوق روبوتات البناء نموًا كبيرًا، مسجلًا 8 مليارات دولار بحلول عام 2033م، مقارنةً مع 2 مليار دولار في عام 2025م، بمعدل نمو سنوي مذهل بنسبة %19.1. ويُعزى هذا النمو الهائل إلى الطلب المتزايد على الأتمتة لتبسيط العمليات، وخفض تكاليف العمالة، وتعزيز سلامة العمال، حيث تتميز بالسرعة والدقة والقدرة على التعامل مع المهام الخطرة، مما يجعلها أصولًا لا غنى عنها في قطاع البناء الحديث، وبفضل تقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، تُضفي هذه الروبوتات دقة وكفاءة عاليتين على المشاريع المعقدة.

وأوضح تقرير شركة “إل إل سي” الأمريكية، أن قطاع البناء السكني تصدر قائمة القطاعات الأكثر استخدامًا للروبوتات، مع تزايد استخدامها في مهام مثل البناء بالطوب والطلاء، مشيرًا إلى أن التوسع الحضري يُعد محركًا رئيسًا للنمو، إذ يعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن، مما يعزز الطلب على البناء الفعال والمستدام المدعوم بالروبوتات، متوقعًا استخدام أكثر من %60 من شركات الإنشاءات أنظمة الروبوتات في مهام مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، وصبّ الخرسانة، وتركيب حديد التسليح، و%65 منها في أنشطة مثل اللحام والقطع والتشطيب السطحي، واعتماد %50 من مواقع الإنشاءات الكبرى أنظمة الروبوتات في عمليات تشمل بناء الطوب، وتركيب البلاط، ومناولة المواد، ونمو %25 في استخدام الأنظمة الروبوتية المُخصصة لفحص وصيانة البنية التحتية، بما في ذلك أعمال الجسور والأنفاق، ونمو استخدام الأنظمة الروبوتية في مراقبة مواقع البناء، ومسحها، وتتبع سير العمل فيها بنسبة %35 سنويًا، وذلك بحلول عام 2033م.

ومن أهم مجالات استخدام الروبوتات في قطاع الإنشاءات، البناء الآلي بالطوب والحجر، إذ تسهم الروبوتات المُجهزة بقدرة وضع الطوب وأعمال البناء في تحسين سرعة وكفاءة بناء المباني، فهي قادرة على العمل بلا كلل، مما يُقلل من الوقت وتكاليف العمالة المرتبطة بهذه المهام، فضلًا عن أعمال توزيع الخرسانة بدقة عالية، مما يضمن اتساقًا وجودة عالية في الأساسات والمكونات الإنشائية، ويُعد هذا الاستخدام ذا قيمة خاصة في المشاريع التي تتطلب أشكالًا وتصاميم معقدة، وكذا التفتيش والصيانة عن بُعد، حيث تُستخدم الطائرات المُسيرة وغيرها من الأنظمة الروبوتية بشكل متزايد لتفتيش المناطق التي يصعب الوصول إليها في مواقع البناء والمنشآت، فهي توفر بيانات وصورًا فورية، مما يُتيح الصيانة في الوقت المناسب.

فرصة للمستثمرين في التشييد الرقمي

وأوضح الخبير في شركة “فيتا فاي” الأمريكية للاستشارات، “زينو ميرسر”، أن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل سلسلة القيمة في قطاع العقارات والإنشاءات بشكلٍ جذري، بدءاً من التصميم والبناء وصولًا إلى التشغيل وأنماط الاستخدام، حيث يُمثل هذا التحول فرصةً للمستثمرين الراغبين في الاستفادة من تكامل التكنولوجيا والأصول المادية، مشيرًا إلى أنه يُحدث ثورة في التصميم المعماري، واستغلال المساحات، وكفاءة الطاقة، ومحاكاة علوم المواد وتحسينها، والتخطيط الحضري من خلال إمكانات محاكاة متقدمة، كما يستخدم المخططون الحضريون والمهندسون المعماريون حول العالم المحاكاة القائمة على الذكاء الاصطناعي لإنشاء “توائم رقمية” للمدن، ويتيح لهم ذلك اختبار كيفية تأثير خيارات التصميم على حركة المرور، وأشعة الشمس، والرياح، واستهلاك الطاقة قبل البدء في أي بناء.

وأضاف أنه في مواقع البناء نفسها، وبالاندماج مع تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد، بدأ الذكاء الاصطناعي والروبوتات يُحدثان تحولاً جذريًا في عمليات البناء التي تتطلب عمالة كثيفة وتنطوي على مخاطر، حيث نشهد ظهور آلات شبه ذاتية التشغيل وآلات ذاتية التشغيل قادرة على دعم أو حتى استبدال بعض الأنشطة في الموقع، وتقوم الطائرات المُسيرة والروبوتات الأرضية الرشيقة المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي بمهام، مثل: المسح ومعاينة الموقع ومراقبة سير العمل، وإضافةً إلى المعاينة، تُنفذ الروبوتات مهام البناء مباشرةً، حيث تُعد المعدات الثقيلة ذاتية التشغيل أو شبه ذاتية التشغيل واقعًا سريع التطور، ويتم تجهيز الجرافات والحفارات والرافعات بأنظمة توجيه تعمل بالذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمال الحفر بأقل قدر من التدخل البشري.

وتابع ميرسر بقوله إنه بعد اكتمال البناء، يستمر الذكاء الاصطناعي في إضافة قيمة طوال العمر التشغيلي الافتراضي للمبنى، وتُدمج أنظمة إدارة المباني الحديثة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحويل المنشآت العادية إلى “مبانٍ ذكية”، حيث يمكن لأجهزة الاستشعار وأجهزة إنترنت الأشياء المُدمجة في جميع أنحاء المبنى تغذية منصات الذكاء الاصطناعي السحابية ببيانات فورية حول الإشغال، ودرجة الحرارة، وجودة الهواء، ومستويات الإضاءة، وحالة المعدات، وغيرها.