رأي

الأعمال أثناء وبعد التوترات الجيوسياسية

عندما تتصاعد الأحداث أيًا كان نوعها ومكانها من هذا العالم يتأثر الجميع، نظرًا لترابط العالم بشبكة معقدة من العلاقات المالية والتقنية، فضلاً عن ارتباطاته الاقتصادية والتجارية، وهذا جزء مفهوم ومعروف عن “العولمة”، التي كأي شيء آخر لها إيجابيات يمكن استثمارها، وسلبياتها التي يعمل الحصيف على أن تكون في حدودها الدنيا.

نحن في منطقة متوترة بسبب الموقع، والمطامع، والأفكار، وابتعاد البعض فيها عن أهداف التنمية والرخاء لشعوبهم، وبسبب الثروات، وقائمة طويلة يعرفها غالبية الناس اليوم من كثرة الأحداث والأخبار، ومما حدث في التاريخ الحديث في النصف قرن الأخير.

التوترات الجيوسياسية أعادت صياغة مشهد الأعمال في منطقة الخليج، دافعة دول المنطقة إلى تبني استراتيجيات استباقية تعزز من مرونتها الاقتصادية، ومع تزايد الترابط العالمي، لم تعد بيئة الأعمال تقتصر على النمو التقليدي، بل أصبحت تركز بشكل مكثف على الأمن الاقتصادي، وتسريع مشاريع التنويع، والتحول الرقمي لضمان استمرارية الأعمال في ظل الأزمات، وهذا ما نجحت فيه المملكة التي استعدت بمرونة عالية للصدمات، حسبت حسابها، ووضعت الخطط الاستباقية لها.

لقد أبرزت التحديات الجيوسياسية هشاشة سلاسل الإمداد العالمية المعتمدة على الخارج، وهي في الوقت نفسه أبرزت قوة سلاسل الإمداد في المملكة تحديدًا، ولعل الجميع يستفيد منها ويعمل على تنفيذ التحولات نحو تعزيز سلاسل التوريد المحلية والإقليمية.

مع هذه الأزمة ازداد توجه الحكومات والشركات نحو بناء شبكات لوجستية متطورة وموانئ أكثر تنوعًا لضمان تدفق السلع الاستراتيجية مع وضع الأمن الغذائي والأمن الدوائي على رأس أولوياتها، ما يخلق فرصًا استثمارية هائلة في مجالات التصنيع المحلي والزراعة الذكية.

أيضًا مع تصاعد المخاطر الإقليمية، يزداد الطلب على الحلول الأمنية والدفاعية لحماية البنية التحتية الحيوية، وحماية الازدهار المتحقق الذي لا يمكن أن يستمر بدون أمن وأمان وهنا تبرز أهمية ما حققته رؤية 2030 في توطين وتطوير الصناعات العسكرية وتقنياتها وزيادة المحتوى المحلي فيها، وهي أيضًا تعد فرصًا لزيادة استثمار القطاع الخاص في هذا المجال.

ولأن الحروب والصراعات الحديثة لم تعد فقط عسكرية واقتصادية يبرز الأمن السيبراني كواحدة من محددات القوة والأمان للدول والشركات، وهنا، ومع تصاعد الأحداث تضاعف الشركات استثماراتها لحماية شبكاتها من التهديدات الرقمية المحتملة، مما يجعل قطاع الأمن السيبراني واحدًا من أسرع المجالات نموًا في الاستثمار.

لقد أصبحت التكنولوجيا أكثر أهمية لضمان استمرارية العمليات التجارية عن بعد وتقليل الاعتماد على التدخل البشري في بعض القطاعات الحيوية، لذلك تحولت طموحات الذكاء الاصطناعي في المملكة والمنطقة إلى واقع ملموس لرفع كفاءة الإنتاج وإدارة الموارد إضافة إلى تقوية البنية التحتية الرقمية القوية التي تميزت بها المملكة لاستمرار الأعمال والخدمات المالية الحكومية والخاصة دون انقطاع، بغض النظر عن أي قيود جغرافية أو لوجستية.

لقد نجحت المملكة في امتصاص هذه الصدمة وغيرها من الصدمات لأنها عملت وفق منهجية تقوية المركز المالي، وتنفيذ الإصلاحات والتحولات الهيكلية وتنفيذ مستهدفات الرؤية لتحمي الاقتصاد وقطاعات الأعمال قدر الإمكان، ولعل ما حدث يُسهم في رفع مستويات انتباه بعض الشركات إلى التحديات، والفرص، ومجالات النمو التي تعزز من الصمود وتزيد من المرونة، وإلى أن بعض هذه التحديات تعمل كعامل تسريع (محفز) لكي يتحول نموذج الأعمال من بيئة تعتمد على ردود الفعل إلى منظومة استباقية تعطي الأولوية للابتكار، والاستدامة، والاعتماد على الذات، مما يضعها في موقع أفضل من غيرها إقليميا وعالميًا.