2.1 تريليون دولار حجم اقتصاد المبدعين العالمي بمعدل نمو سنوي مركب %23.6 عام 2034م.
1.4 مليار دولار إيرادات متوقعة لصناعة المحتوى في المملكة بمعدل نمو سنوي %13.6 عام 2030م.
لم يعد تحويل الهواية إلى مصدر دخل مستدام مجرد فكرة طموحة، بل واقعًا يعيشه آلاف المبدعين حول العالم؛ فلقد غيّر الإنترنت قواعد اللعبة؛ إذ ليس امتلاك شركة أو منصة ضخمة شرطًا لصناعة التأثير وتحقيق العائد، بل أصبح المحتوى نفسه أصلاً اقتصاديًا تتنافس عليه المنصات والعلامات التجارية والمبدعون حول العالم، ومن هنا برز “اقتصاد المبدعين” كواحد من أكثر التحولات إثارة في عالم الأعمال، حيث تحولت المواهب الفردية والمجتمعات الرقمية إلى منظومات تجارية قائمة بذاتها.
ومع تسارع نمو منصات المحتوى، وانتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، وتنوع قنوات تحقيق الربح بين الإعلانات والاشتراكات والتجارة الإلكترونية والتسويق بالعمولة، لم يعد المبدعون مجرد منتجي محتوى، بل أصبحوا رواد أعمال رقميين يقودون سوقًا عالميًا يتوسع بوتيرة غير مسبوقة، ليصل حجم اقتصادهم إلى مئات المليارات من الدولارات، ويفتح الباب أمام عصر جديد تُقاس فيه قيمة الفكرة بقدرتها على الوصول والتأثير.

منظومة أعمال رقمية
وتشهد سوق صُناع المحتوى تطورًا ملحوظًا، لتتحول إلى منظومة أعمال رقمية منظمة، مدفوعة بتزايد المبدعين المستقلين والمؤثرين ومنتجي البودكاست، ومقدمي البث المباشر والمجتمعات الإلكترونية، بدعم من انتشار الهواتف الذكية، وتزايد استهلاك المحتوى الرقمي، وفرص تحقيق الربح السريعة من خلال الاشتراكات، والإعلانات، وبرامج التسويق بالعمولة، والتجارة الإلكترونية المباشرة، حيث يعتمد أكثر من %68 من المبدعين المحترفين حاليًا على قنوات ربح متعددة لتحقيق استقرار دخلهم وتعزيز قاعدة جمهورهم.
وفي عام 2025م، بلغ حجم اقتصاد المبدعين العالمي حوالي 314 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 388 مليار دولار بنهاية العام الجاري، ثم إلى 2.1 تريليون دولار بحلول عام 2034م، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره %23.6 خلال الفترة (2026م – 2034م).

وتشير اتجاهات سوق اقتصاد المبدعين إلى طلب قوي على أدوات التحرير المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنصات الفيديو القصيرة، علاوةً على تزايد شراكات الأعمال بين الشركات والمبدعين، حيث يدمج ما يقرب من %59 من الشركات التعاون مع المؤثرين في حملات التسويق الرقمي لزيادة تفاعل العملاء وتعزيز حضورها على الإنترنت.
ولا يزال اقتصاد المبدعين في الولايات المتحدة المساهم الأكبر في الطلب العالمي، إذ يستحوذ على ما يقارب %38 من حصة السوق، وذلك بفضل البنية التحتية الرقمية المتطورة، والانتشار الواسع للتجارة الإلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتفاعل أكثر من %64 من المستهلكين الأمريكيين بنشاط مع المحتوى الذي ينشئه المبدعون عبر منصات البث المباشر، والتدوين، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتخصص العلامات التجارية الأمريكية %41 من ميزانيات الإعلانات الرقمية لشراكات المبدعين والحملات التي يقودها المؤثرون.

على المستثمرين الانتباه
وأوضح الخبير الأمريكي في التكنولوجيا، “شون جرانت”، أن أهم ما يميز اقتصاد صُناع المحتوى عن وسائل الإعلام التقليدية، هو غياب الجهات الرقابية والمتحكمة، حيث لا يحتاج المبدع إلى شركة إنتاج موسيقي، أو ناشر، أو شبكة للوصول إلى ملايين الأشخاص، لافتًا إلى التطور المذهل في البنية التحتية الداعمة للمبدعين، فقبل خمس سنوات، كانت الأدوات المتاحة للمبدع المستقل محدودة نسبيًا، أما اليوم، فهناك برامج متكاملة مصممة خصيصًا لمساعدة المبدعين على بناء أعمالهم وإدارتها وتوسيع نطاقها، وأضاف أن التكنولوجيا أصبحت العمود الفقري لعمل صانع المحتوى العصري، فبرامج التحرير التي كانت تتطلب في السابق أجهزة باهظة الثمن وتدريبًا احترافيًا، أصبحت متاحة الآن على الهواتف الذكية، وتتعامل منصات التوزيع مع نطاق وصول واسع لا يمكن لأي فرد إدارته يدويًا، وتوفر لوحات تحليل البيانات لصانعي المحتوى بيانات كانت حكرًا على شركات الإعلام الكبرى.

كما أوضح الرئيس التنفيذي لشركة “موفيمنتس”، وهي شركة أوروبية ناشئة متخصصة في البرمجيات، “فرانسيسكو بولو”، أن اقتصاد المبدعين يدخل حاليًا مرحلة جديدة، ففي وقت سابق من هذا العام، شكّل “مستر بيست”، وهو يوتيوبر ورجل أعمال أمريكي، فريقًا متخصصًا لبناء بنية تحتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي للمبدعين، بدلًا من مجرد توسيع أعماله الإعلامية، وهذه إشارة مهمة تدل على نضوج اقتصاد المبدعين، ومع تحوّل المبدعين إلى شركات، تزداد قيمة البنية التحتية.
وأضاف أن اقتصاد المبدعين لم يصبح سوقًا بمليارات الدولارات لمجرد ظهور المبدعين، بل بفضل بعض المنصات التي وسّعت بشكلٍ كبير آفاق إبداعهم، فمن خلال تذليل العقبات وتوفير بنية تحتية مُصممة خصيصًا، مكّنت هذه المنصات عددًا أكبر بكثير من الأشخاص من أن يصبحوا مبدعين ناجحين ورجال أعمال ناجحين، مشيرًا إلى أنه على المستثمرين الانتباه، فنادرًا ما تنشأ أكبر فرص البرمجيات نتيجة ابتكار تقنية جديدة، بل تنشأ نتيجة تغيير التكنولوجيا لسلوك البشر، فعلى سبيل المثال، فقد أوجد الإنترنت جيلاً جديدًا من التجار، وأوجدت الهواتف الذكية جيلًا جديدًا من المطورين، ويُبشر الذكاء الاصطناعي اليوم بعصر جديد من صانعي التأثير.
وأوضح “بولو”، أنه قد لا يُحدد اقتصاد المبدعين القادم بمن يستحوذ على أكبر قدر من الاهتمام، بل بمن يحلون مشاكل أكثر تعقيدًا من خلال الجمع بين الناس، ليس لأن الناس أصبحوا فجأة أكثر اهتمامًا بحل المشاكل، بل لأن الذكاء الاصطناعي يُزيل الحواجز التي منعتهم في السابق من أن يصبحوا مبدعين، وإذا كان للتاريخ عبرة، فهي أن المجتمعات تتغير عندما تتنظم حول هدف مشترك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزيد بشكل كبير عدد الأشخاص القادرين على تحقيق ذلك، وتابع أنه لهذا السبب، ينبغي على المستثمرين الاهتمام بصورة أكبر، إذ ستصبح الشركات التي تبني البنية التحتية التي تعتمد عليها هذه المجتمعات من بين أكثر الشركات الناشئة قيمة.
وترى الخبيرة في ممارسة الأعمال، “أورفا بهاتي”، أن اقتصاد صُناع المحتوى يعد نموذجًا يربط بين اقتصادات المعرفة والابتكار والإبداع، حيث يشكل إنتاج واستهلاك السلع والخدمات الإبداعية أساس النشاط الاقتصادي، ويشمل هذا قطاعات مثل النشر، والبحث والتطوير، والبرمجيات، وألعاب الكمبيوتر، والنشر الإلكتروني، والهندسة المعمارية، والفنون والحرف اليدوية، والتصميم، والأزياء، والسينما، والفيديو، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والفنون الأدائية، والأزياء، مشيرةً إلى أن الاقتصاد الإبداعي المزدهر قادر على جذب الكفاءات والشركات، وتوفير فرص عمل مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد ككل.

عوائد استثمارية كبيرة
وتسهم الصُناعات الإبداعية بأكثر من %3.1 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتُوظف أكثر من 30 مليون شخص حول العالم، وتصل إيرادات الاقتصاد الإبداعي العالمي حاليًا إلى أكثر من 2.3 تريليون دولار سنويًا، وإلى جانب العوائد المالية المباشرة، توفر هذه الصُناعات تأثيرًا مضاعفًا قويًا، حيث يُقدر أن كل دولار يتم إنفاقه يخلق 2.5 دولارًا من الثروة الإجمالية من خلال النشاط غير المباشر، وفقًا لتقرير شركة “مانجمنت بارتنرز” للاستشارات.
وبذلك، يُمثل الاقتصاد الإبداعي فرصةً فريدةً للعالم العربي للاستفادة من تراثه الغني وشبابه لبناء مستقبل مُستدام قائم على المعرفة، ففي المملكة، يتم الاستفادة بشكل كبير من الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية العالمية، مثل موسم الرياض وموسم جدة واليوم الوطني، التي أصبحت الآن مراكز جذب للتسوق والمبيعات وصُناع المحتوى.

مرحلة جديدة للمبدعين
ووفقًا للشريك والمسؤول عن قطاع الإعلام والترفيه والرياضة والثقافة في شركة الاستشارات العالمية “آرثر دي ليتل”، “شاهد خان”، فقد تجاوز اقتصاد المبدعين في المملكة مرحلة “المؤثرين” ويدخل الآن مرحلة جديدة من التوسع والتنظيم المؤسسي، مدعومًا بطلب استهلاكي ناضج، وجانب عرض يتسم بالاحترافية السريعة، وبيئة سياسية داعمة بشكلٍ متزايد، وقال:” من حيث أساسيات جانب الطلب، يتمتع اقتصاد المبدعين في المملكة باتصال شبه شامل وانتشار اجتماعي واسع، مع تزايد سلوكيات المستهلكين المدفوعة بالتجارة، أما من جانب العرض، فيشهد اقتصاد المبدعين احترافية سريعة، مع نمو في عدد الاستوديوهات والوكالات وإدارة المواهب والتدريب والشراكات مع العلامات التجارية”، مؤكدًا أن مبادرات مثل “ترخيص موثوق” و”المدينة الإعلامية”، ومشروعات مثل “الحي الإبداعي” في الرياض تُسهم في بناء منظومة متكاملة أوسع نطاقًا، تشمل الإنتاج، والشراكات مع العلامات التجارية، فضلًا عن تقنيات الإعلان، والتدريب، والتوزيع، وتحقيق الربح.
وفيما يتعلق بإعادة العلامات التجارية النظر في إنفاقها الإعلامي والتسويقي تجاه صُناع المحتوى، أوضحت رئيسة قسم المحتوى في شركة “بوبليسيس جروب الشرق الأوسط” المتخصصة في مجال التجارة الإلكترونية، “ديالا بدران”، أن العلامات التجارية في المملكة لم تعد تتعامل مع صُناع المحتوى كإضافات هامشية للعلامة التجارية، وقالت: “نشهد تحولًا واضحًا نحو اعتبار صُناع المحتوى حلولًا إعلامية متكاملة، تجمع بين المحتوى والتجارة والأداء، ويُدمج صُناع المحتوى بشكل متزايد في المزيج التسويقي الأساسي، حيث يدعمون كل شيء بدءًا من توليد الطلب وصولًا إلى تحويله إلى مبيعات، ونتيجة لذلك، فإن نماذج تحقيق الدخل القائمة على النتائج هي الأكثر نمواً واستدامة في المملكة”.
مركز إقليمي لصُناع المحتوى
وثمة توقعات بأن تصل إيرادات صناعة المحتوى في المملكة إلى 1.4 مليار دولار بحلول عام 2030م، مقارنةً مع إيرادات بلغت 579.5 مليون دولار عام 2023م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %13.6، حيث تسهم مبادرات تعزيز اقتصاد المعرفة، في دفع عجلة إنتاج المحتوى الرقمي، كما تركز رؤية 2030 بشكلٍ كبير على تطوير الصُناعات الرقمية والإبداعية في المملكة، مما يحفز الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، ومراكز حاضنات الأعمال، والبرامج التعليمية لرعاية المواهب المحلية وتعزيز قدرات صُناعة المحتوى الرقمي.
علاوةً على ذلك، تساهم التركيبة السكانية الشابة والديناميكية في المملكة في نمو صناعة المحتوى الرقمي، إذ تضم المملكة شريحة واسعة من جيل الألفية الملمّ بالتكنولوجيا والمتفاعل رقميًا، والذي يستهلك المحتوى الرقمي ويشاركه بنشاط، وقد وفر هذا التحول الديموغرافي بيئة خصبة لمنشئي المحتوى لتلبية تفضيلات واهتمامات هذا الجيل.
وبإمكان المملكة أن تصبح مركزًا إقليميًا موثوقًا، باعتبارها أكبر سوق ضمن منظومة صُناع المحتوى في دول مجلس التعاون الخليجي سريعة النمو، مستخدمةً جمهورها المحلي كأرضية اختبار قبل التوسع الإقليمي.
وتبرز هنا أهمية بناء القدرات المحلية، حيث تلعب برامج مثل أكاديمية الإعلام دورًا محوريًا في هذا الإطار، نظرًا للوظائف التي تدعمها في مختلف مراحل سلسلة توريد اقتصاد المبدعين، الذين لديهم القدرة على أن يصبحوا مصدرًا هامًا لنشاط الشركات الصغيرة والمتوسطة وفرص العمل، لاسيما في الاقتصاد الرقمي، وتتركز قيمتهم الاقتصادية في أربع مجالات رئيسية: التجارة القائمة على جذب الانتباه، وتمكين التجارة، وإنتاج الملكية الفكرية، وتنمية رأس المال البشري.
