أسواق البيانات

مراكز البيانات.. النفط الجديد

9 مليـــارات دولار استثمــــــارات “أمــــــازون” و”مايكروســــــوفت” و”أوراكــــل” في قطــــاع البيانات السحابية.

3.2 مليار دولار حجم سوق مراكز البيانات في المملكة بحلول 2029م بمعدل نمو يزيد على %10.

 

لا شك في أن مراكز البيانات تعد عصب التحول الرقمي في المملكة، وركيزة أساسية لقفزتها التكنولوجية الهائلة، فهي بمثابة البنية التحتية الحيوية التي تدعم مختلف القطاعات، وتُتيح تخزين البيانات الحساسة والبرامج الضرورية لتشغيل الخدمات الحكومية والشركات، وثمة توقعات بأن تتفوق المملكة على غيرها من دول المنطقة في قيادة نمو هذا القطاع الحيوي، والذي بات يحتل أولوية كبرى تدركها المملكة جيدًا، خاصة مع توجهها إلى التوسع في إنشاء المدن الذكية وضخ استثمارات ضخمة فيها.

 

وتمضي المملكة قدمًا في تطوير صناعة البيانات والخدمات السحابية بشكلٍ ملحوظ، تحدوها الرغبة في أن تكون لها بصمة قوية في هذا القطاع الذي يشهد نموًا متزايدًا، إدراكًا منها بأهمية البيانات، التي أطلق عليها عالم الرياضيات البريطاني “كليف هامبي” عام 2006م، مصطلح “النفط الجديد”، واعتبر أنها الدافع الأساسي للنمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة..

مركز إقليمي للبيانات

وشهدت المملكة خلال الفترة الأخيرة تطورات مذهلة في إطار مساعيها لتكون مركزًا إقليميًا لمراكز البيانات، فقد كشفت شركة “أمازون ويب سيرفيز” (AWS)، عن خطتها لاستثمار أكثر من 5.3 مليار دولار في إنشاء منطقة سحابية فائقة السعة في المملكة، مشيرةً إلى أن هذه المنطقة المزمع إنشاؤها بحلول 2026م، ستمنح مطوري التكنولوجيا والشركات القائمة والشركات الناشئة ورجال الأعمال بنية تحتية شاملة لمراكز البيانات داخل المملكة لتشغيل حلولهم التقنية القائمة على السحابة.

وقال مدير خدمات البنية التحتية في الشركة، براساد كاليانارامان، إنه “سوف تمكن المنطقة السحابية الجديدة المؤسسات من إطلاق العنان للإمكانات الكاملة للسحابة والبناء باستخدام تقنيات AWS مثل الحوسبة والتخزين وقواعد البيانات والتحليلات والذكاء الاصطناعي، مما سيُغير الطريقة التي تخدم بها الشركات والمؤسسات عملائها”..

وتعد المملكة رائدة عالميًا في مجال التقنيات الرقمية، وأن شركة أمازون ستنضم إلى قائمة الشركات العالمية المتنافسة في السوق السعودية، إلى أن “مايكروسوفت”، أعلنت عن استثمار 2.1 مليار دولار لإنشاء سحابة عالمية فائقة التوسع، في حين ستستثمر “أوراكل” 1.5 مليار دولار لإطلاق مناطق سحابية جديدة، كما استثمرت شركة “هواوي” الصينية 400 مليون دولار في البنية التحتية السحابية لخدماتها في المملكة، وهو ما يعكس رغبة الشركات الكبرى في الحصول على موطئ قدم في المنطقة، لذا يتعين عليهم بناء مراكز بيانات خاصة بهم، بسبب ثقافة التكنولوجيا التي باتت أوسع انتشارًا في المنطقة بأسرها..

كما وقعت شركة الاتصالات السعودية، مذكرة تفاهم مع مجموعة شنغهاي لوماوتونغ وتشاينا موبايل إنترناشيونال الصينيتين، لإنشاء مراكز بيانات بقدرة 100 ميجاوات في جميع أنحاء المملكة.

وأعلنت شركة “زوهو كورب” الهندية، عن افتتاح مركزين للبيانات في المملكة، في مدينتي الرياض وجدة، ليصل إجمالي مراكز البيانات التابعة للشركة 18 في العالم، كما كشفت عن عزمها استثمار 133 مليون دولار في تطوير البنية التحتية الرقمية والشراكات الاستراتيجية مع الجهات الحكومية المحلية، مشيرةً إلى أنها أبرمت بالفعل شراكة مع الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت”، بهدف تسريع التحول الرقمي للشركات الصغيرة والمتوسطة، واعتماد الحلول التكنولوجية الحديثة.

من جانبها، كشفت شركة “داتا فولت”، عن استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار لتطوير مراكز بيانات مستدامة ومبتكرة تعمل بالطاقة المتجددة، بقدرة مُخططة تزيد على 300 ميجاوات، وإلى جانب الرياض، هناك عدة مواقع تعتزم الشركة العمل فيها، منها الدمام وجدة ونيوم.

وجاء الإعلان عن تدشين منطقة “جوجل كلاود” بمثابة تطور إيجابي كبير في قطاع الاقتصاد الرقمي في المملكة، حيث تقدم المنطقة خدمات سحابية مبتكرة ومتنوعة، ومن المتوقع أن توفر حوالي 150 ألف فرصة عمل وتضيف 109 مليارات دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي حتى 2030م.

وأشار نائب رئيس أبحاث البنية التحتية السحابية في شركة “جارتنر” الأمريكية للأبحاث التقنية، فيل داوسون، إلى أن كل هذه الاستثمارات تعمل على تعزيز استراتيجيات السحابة ليس فقط في المملكة، ولكن في المنطقة بأكملها، وقال “إذا عدت ثلاث سنوات إلى الوراء، فستجد أن اعتماد السحابة كان محدودًا في الدول العربية، الآن تتحسن الأمور بشكل كبير… وأرى مشاريع متطورة أكثر نضجًا بسبب الاستثمار المحلي من قبل موفري الخدمات السحابية”..

وتعد المملكة مركزًا لنشاط الذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، ويرجع ذلك إلى مواردها من الطاقة وقدرتها التمويلية، وفقًا لتصريحات محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، الذي أكد أن المملكة لديها أيضًا الإرادة السياسية لتنفيذ مشاريع ذكاء اصطناعي ولديها أموال وفيرة يمكن تخصيصها لتعزيز تطوير التكنولوجيا.

نمو قياسي في سوق البيانات

وفي السياق نفسه، أوضح المدير الإقليمي في “مانج إنجن”، الشركة مختصة بإدارة تقنية المعلومات المؤسسية، براسانا فينكاتيش سرينيفاسان، أن المملكة تقف عند مفترق طرق التحول الرقمي، حيث تسعى رؤيتها الطموحة 2030م، إلى بناء دولة عصرية جديدة، قائمة على التنوع الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، وقد تبنت الحكومة التحول الرقمي كاستراتيجية متكاملة وعملية تتماشى مع هذه الرؤية، ويهدف هذا التحول إلى تمكين وتسريع كفاءة المؤسسات الحكومية وزيادة فعاليتها، ودفع الشركات إلى السوق العالمية من خلال الاستفادة من التكنولوجيا..

وأضاف أن التحول الرقمي يعمل على زيادة الطلب على الحلول السحابية في المملكة، حيث تدرك  المؤسسات فعالية التكلفة والأمن والسرعة والمرونة التي توفرها الحلول السحابية، لافتًا إلى أن المملكة، مثلها مثل الدول الأخرى، تواجه عديدًا من التهديدات السيبرانية، مثل البرامج الضارة وانتهاكات البيانات والتجسس الرقمي، لكن مع تحول الشركات والبنية التحتية الحكومية إلى التكنولوجيا الرقمية، تصبح حماية البنية التحتية الحيوية والأنظمة المالية والبيانات الشخصية ذات أهمية قصوى، حيث يتعاون القطاع الخاص والجهات الحكومية لتحصين دفاعاتهم الرقمية، إذ يعتمد الأمن الوطني واستمرارية الأعمال على تحصين القلاع الرقمية مثل مراكز البيانات، مشيرًا إلى أن اعتماد التكنولوجيا الجديدة، بكل فوائدها، يطرح العديد من التحديات التي يجب معالجتها للاستفادة من هذه التطورات بشكل كامل، وأبرزها المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن السيبراني وأمن البيانات وإمكانية الوصول وسيادة البيانات والاستدامة، مؤكدًا أن المملكة أدركت هذه التحديات، ولهذا الغرض، قامت بإصدار قانون حماية البيانات الشخصية لتعزيز أمن البيانات..

وثمة تقديرات تشير إلى أن الإنفاق السحابي في المملكة بلغ 950 مليون دولار نهاية 2022م، بمعدل سنوي مركب قدره %24 بحلول 2025م، كما بلغ حجم سوق مراكز البيانات 1.8 مليار دولار عام 2023م، ومن المتوقع أن يصل إلى 3.2 مليار دولار بحلول عام 2029م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %10.13 خلال هذه الفترة، حيث يوجد حاليًا 24 مركزًا للبيانات بقدرة 123 ميجاوات..

وتخطط المملكة لتعزيز قدرة مراكز البيانات الخاصة بها بمقدار 467 ميجاوات إضافية خلال السنوات المقبلة، مع إمدادات مستقبلية تفوق قدرة مراكز البيانات المُخطط لها في دولة الإمارات العربية المتحدة البالغة 343 ميجاوات.

وتعد هذه الخطوات المتسارعة بمثابة شهادة على التزام المملكة بالمضي قدمًا في طريق التقدم التكنولوجي، حيث يلعب الدعم الحكومي دورًا محوريًا في هذه الطفرة، لافتة إلى أن الطلب على زيادة قدرات الحوسبة والتخزين والذكاء الاصطناعي واضح للعيان، حيث تهدف الشركات المحلية إلى الحفاظ على قدراتها التنافسية في الاقتصاد الرقمي المتزايد، علاوةً على ذلك، يستعد قطاع إنترنت الأشياء لتحقيق نمو غير مسبوق، والذي تسارع بشكل أكبر من خلال النشر السريع لشبكات الجيل الخامس في جميع أنحاء البلاد..

مركز قوة جديد

وتُقدم المملكة مجموعة من الحوافز لدعم مقدمي الخدمات السحابية، كما أنها تدرس تسريع خطوات الحصول على التراخيص للشركات الأجنبية المهتمة بتطوير البنية التحتية الرقمية المحلية، ما يؤشر بأن يكون للمملكة النصيب الأكبر من النمو المتوقع في سوق مراكز البيانات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والمدفوع بزيادة الوصول إلى الإنترنت والاعتماد الهائل على الخدمات والحلول الرقمية، خاصة أن لديها سوقًا يعد الأكثر نموًا في المنطقة.

وفي هذا السياق، أشاد الخبير والكاتب الأمريكي “آدم ساتاريانو”، بالخطوات التي تتخذها المملكة لبناء صناعة تكنولوجية محلية، مشيرًا إلى أنها لديها القدرة على أن تصبح مركز قوة جديد في صناعة التكنولوجيا العالمية، لافتًا إلى إنشاء صندوق بقيمة 100 مليار دولار للاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي، ومشاركة مئات من كبريات الشركات التقنية في العالم في مؤتمر “ليب LEAP””، التقني، والذي استضافته الرياض مارس 2024م.

ويمكن التأكيد على أن التنافس بين كبرى الشركات العالمية على إنشاء مراكز بيانات في المملكة، يأتي كترجمة فعلية على ما تقوم به من خطط واستراتيجيات مدروسة وطموحة وأيضًا داعمة للتحول الرقمي والتكنولوجي المُذهل، وما يوفره ذلك من فرص استثمارية هائلة ومستقبل واعد، فضلًا عن توفير ملايين فرص العمل ودفع النمو الاقتصادي بمعدلات قوية خلال السنوات المقبلة.