المملكة الأسرع نموًا في الشرق الأوسط وفي طريقها لتصبح مركزًا عالميًا للابتكار والتكنولوجيا.
تشهد المملكة توسعًا في قدرات الحوسبة الفائقة، بامتلاكها 10 حواسيب فائقة، منها 8 حواسيب مُصنفة ضمن أفضل 500 حاسوب عالميًا.
الرعاية الصحية والطاقة والتعليم والتمويل والخدمات الحكومية أبرز الفرص الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي.
في خطوة رائدة تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كدولة رائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، ودفع عجلة التقدم في نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، قام صندوق الاستثمارات العامة بتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع “جوجل كلاود”، لإنشاء مركز جديد للذكاء الاصطناعي في المملكة، يتخذ من الدمام مقرًا له، ويضم أحدث تقنيات البنية التحتية من “جوجل كلاود”، بما في ذلك وحدات معالجة الموتر، ووحدات معالجة الرسومات.
وتعكس هذه الخطوة الأهمية المتزايدة للمملكة في المشهد التكنولوجي العالمي، خاصةً في مجال تشغيل مراكز البيانات، التي تعد الركيزة الأساسية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يجعل المملكة أكثر جاذبية لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل “جوجل” و”مايكروسوفت” و”إنفيديا” و”أمازون”.
وذكر مدير برنامج التقنيات الاستراتيجية والأمن السيبراني في معهد الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، “محمد سليمان” أن هذه الخطوة تشير بوضوح إلى التزام المملكة نحو تبني التكنولوجيا كمحرك للتنويع الاقتصادي، ويتمثل جوهر هذه الشراكة في مركز بيانات موسع ممول من صندوق الاستثمارات العامة، والذي سيدعم جهود “جوجل” لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وأضاف أن هذه الشراكة تتكون من ثلاثة مكونات رئيسية، أولاً، تمويل صندوق الاستثمارات العامة مركز البيانات الذي تديره “جوجل” لتعزيز سعة البنية التحتية وجعل المملكة مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، ثانيًا، تعاون “جوجل” وصندوق الاستثمارات العامة في تسويق منتجات “جوجل” في مجال الذكاء الاصطناعي للعملاء الإقليميين والدوليين، مما يضع المملكة في موقع محوري في الاقتصاد الرقمي، ثالثًا، تُركز الشراكة على تطوير مهارات القوى العاملة المحلية، مما يُلبي الحاجة إلى المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في المملكة، مشيرًا إلى أن هذه الشراكة تمثل فرصةً مهمةً لتعزيز مشاركة المرأة في القوى العاملة، التي تشهد بالفعل طفرة ملحوظة نتيجة لجهود المملكة في التنويع الاقتصادي، ومن خلال المبادرات التعليمية وبرامج التدريب، إذ يهدف الجانبان إلى بناء قاعدة مستدامة من المواهب لدعم النمو طويل الأمد في قطاع الذكاء الاصطناعي.

الاستثمار بكثافة
ويمكن القول إن الشراكة بين صندوق الاستثمارات العامة و”جوجل” ليست هي الخطوة الوحيدة لتعزيز الدور الرائد للمملكة في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، في مايو الماضي، شركة “هيوماين”، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، بهدف تطوير حلول وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
واعتبر الخبير الأمريكي في مجال التكنولوجيا، “كريس ماكاي”، أن إطلاق “هيوماين”، يُمثل خطوة مهمة في تحقيق رؤية المملكة 2030 لتنويع اقتصادها، وهي بمثابة خطوة استراتيجية لترسيخ مكانة المملكة في طليعة تطوير الذكاء الاصطناعي، حيث تُخطط الشركة الجديدة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أحد أقوى نماذج اللغات العربية الكبيرة في العالم، وبناء مراكز بيانات من الجيل التالي، مشيرًا إلى أن المملكة من خلال الاستثمار بكثافة في الذكاء الاصطناعي وتعزيز الشراكات مع شركات التكنولوجيا الرائدة، تهدف إلى أن تُصبح مركزًا عالميًا للابتكار والتكنولوجيا، لافتًا إلى أن شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة تشهد إقبالاً متزايدًا على الاستثمار في المملكة خلال السنوات الأخيرة.

أسرع الأسواق نموًا
وأمام ما تتطلبه تطبيقات الذكاء الاصطناعي من تقنيات حوسبة عالية، وهذا يعني مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، تقوم المملكة ببناء هذه المراكز على نطاق واسع، مقارنةً بغيرها من دول المنطقة، ما يؤهلها بما لديها من موارد أن تصبح منافسًا قويًا في مجال التكنولوجيا، والتي توفر فرصًا استثمارية واعدة في توفير مصادر الطاقة وتعزيز القدرات والمواهب وبناء منظومة ابتكارية متكاملة؛ ففي عام 2023م كان لدى المملكة 22 مركز بيانات مشترك، و40 مركزًا قيد التطوير، مما يجعلها ثاني أكبر دولة في الشرق الأوسط في هذا المجال، وفي مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي 2024م، تصدرت مؤشر الاستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي، حيث احتلت المرتبة الأولى عربيًا والرابعة عشرة عالميًا.
وتشير تقارير دولية عدة، إلى أن المملكة تعد أسرع الأسواق نموًا في الشرق الأوسط، حيث بلغ حجم سوق مراكز البيانات 345.3 ميجاوات في عام 2024م، ومن المتوقع أن يصل إلى 854.8 ميجاوات بحلول عام 2029م بمعدل نمو سنوي مركب حوالي %20، لافتةً إلى أن إيرادات خدمات الاستضافة المشتركة سجلت 5.3 مليار دولار في عام 2024م، ومن المتوقع أن تصل إلى 13.6 مليار دولار بحلول عام 2029م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %20.7.
وقد كشف تقرير حديث صادر عن شركة الأبحاث العالمية “ريسيرتش ماركيت”، أن سوق مراكز البيانات في المنطقة قد يتضاعف حجمه خلال السنوات الأربع المقبلة، متوقعًا أن تسجل السوق في المملكة 2.2 مليار دولار بحلول عام 2028م، بمعدل نمو متوسط مركب قدره %13.5.
وتناول تقرير شركة الاستشارات العالمية “نايت فرانك”، تطور صناعة مراكز البيانات في المملكة، مشيرًا إلى أنه ظهر أول نمو كبير لقطاع مراكز البيانات في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث خدمت مراكز البيانات المبكرة بشكل أساسي قطاعي الاتصالات والخدمات المالية، كما شهدت السنوات اللاحقة توسعًا في السوق بفضل الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مما أدى إلى إنشاء مراكز بيانات معتمدة، لافتًا إلى أن سوق مراكز البيانات مقسمة بين ثلاثة مراكز رئيسية هي الرياض وجدة والدمام، والتي تستضيف %80 من إمدادات تكنولوجيا المعلومات المباشرة، أو 40 ميجاوات و29 ميجاوات و19 ميجاوات لكل منها على التوالي.

البنية التحتية الرقمية
وتشهد البنية التحتية الرقمية في المملكة تطورًا سريعًا، فقد أطلقت شركتا “جي كور”، المزود العالمي لحلول الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، و”إزديتيك”، الرائدة في مجال خدمات مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، مشروعًا مشتركًا يركز على توفير بنية تحتية عالية الأداء للذكاء الاصطناعي في المملكة، كما أعلنت شركة “أرامكو ديجيتال”، عن شراكة استراتيجية مع “جروك”، وهي شركة متخصصة في استدلال الذكاء الاصطناعي، لإنشاء أحد أكبر مراكز بيانات استدلالية في العالم في المملكة.
يأتي ذلك في الوقت، الذي كشفت فيه شركة “داتا فولت” عن خطط لبناء وتشغيل مراكز بيانات بقدرة 300 ميجاوات في المملكة بحلول عام 2030م، مدعومة باستثمار قدره 5 مليارات دولار في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وأشار مختصون إلى تزايد النمو الاقتصادي والتطور الرقمي في المملكة بصورة ملحوظة في السنوات الماضية، بفضل ظهور عديد من التقنيات المتطورة، ومع تزايد عدد القطاعات التي تتبنى هذه التقنيات الجديدة، بما في ذلك قطاعات البناء وتطوير البنية التحتية والتصنيع وتجارة التجزئة وغيرها، فإن هناك طفرة في كمية البيانات المُولدة والمُحللة، مما يزيد بدوره الطلب على الخدمات السحابية ومراكز البيانات بشكلٍ كبير.

فرص ومجالات الاستثمار
ويبدو أن الاستثمارات الضخمة التي تضخها المملكة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، تدفع بقوة عجلة تطوير الاقتصاد الرقمي في المملكة، وخلق فرص استثمارية واعدة، فبين عامي 2019م و2023م، حقق الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، معدل نمو سنوي مركب بلغ %27، وفي عام 2024م وحده، تم تخصيص 10 مليارات دولار، للبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما شهدت الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي ارتفاعًا كبيرًا؛ ففي عام 2023م جمعت الشركات المختصة تمويلاً تجاوز 1.7 مليار دولار، مما يعكس ثقة المستثمرين بإمكانات هذا القطاع، الذي تحفز استثماراته على الابتكار في مجالات عديدة، أبرزها الرعاية الصحية والتمويل والتعليم، بما يُسهم في ترسيخ مكانة المملكة كدولة رائدة في تبني وتطوير الذكاء الاصطناعي.
وتشهد المملكة كذلك توسعًا في قدرات الحوسبة الفائقة، إذ تمتلك 10 حواسيب فائقة، منها 8 حواسيب مُصنفة ضمن أفضل 500 حاسوب عالميًا، وتُستخدم هذه الأجهزة في مجالات مُختلفة، بما في ذلك البحث العلمي وإدارة الطاقة، مما يُبرز التزام المملكة بأن تُصبح رائدة في الابتكار المُدعّم بالذكاء الاصطناعي.

وأوضح الخبير الأمريكي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، “كلايد مورغان”، أن المملكة تسرع خطواتها بشكلٍ لافت حتى تصبح قوة تكنولوجية، حيث تُعيد استثماراتها الاستراتيجية في الذكاء الاصطناعي تشكيل ديناميكيات التكنولوجيا العالمية نفسها، مشيرًا إلى أن الشراكة مع الولايات المتحدة البالغة 600 مليار دولار، وصندوق الاستثمار الجرئ للذكاء الاصطناعي بقيمة 10 مليارات دولار، علاوةً على علاقاتها المتنامية مع شركات التكنولوجيا الأمريكية والهندية، تؤكد ما يمكن وصفه بـ”الرؤية الجريئة” لدى المملكة، في أن تصبح مركزًا للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط.
وأضاف أن مساعي المملكة نحو قيادة الذكاء الاصطناعي في المنطقة، توفر كمًا هائلًا من الفرص الاستثمارية الواعدة، تتمثل في قطاعات البنية التحتية السحابية وإنترنت الأشياء والتعلم الآلي، وشبكات الأقمار الصناعية، وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي للمؤسسات، وأشباه الموصلات، فضلًا عن استفادة الجهات المعنية بتطوير وتعزيز القدرات وتنمية المواهب من هذه التطورات، حيث تستهدف المملكة تدريب 20 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030م.
وفي السياق نفسه، أوضح الخبير في شركة “إنفستنج فوكس” للاستشارات المالية الدولية، “ديفيد ماتولاي”، أن المملكة لديها القدرة على إنشاء منظومة قوية جديدة للذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فبالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية المباشرة، يُمكن لمراكز الذكاء الاصطناعي الجديدة أن تُحفّز ظهور الشركات الناشئة المحلية، ومعاهد التكنولوجيا، والتطوير الإقليمي لتطبيقات مُصمّمة خصيصًا، تستفيد منها قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والخدمات الحكومية الرقمية، مما يتيح آفاقًا جديدة لشركات الذكاء الاصطناعي للتوسع خارج الأسواق الغربية “المُشبعة”.
