المياه لاڤندر

مياه المملكة.. من الندرة إلى الثقة!

7.4 مليار دولار حجم سوق معالجة المياه والصرف الصحي بمعدل نمو سنوي %7.1 بحلول 2033م.

المملكة نجحت في تحويل المياه من عائق إلى مُحفز ومن الندرة إلى الفرصة وترسخ مكانتها كنموذج عالمي للاستدامة.

 

“إن الرهان ليس فقط على التكنولوجيا، بل على ثقة مجتمعٍ يؤمن بأن الذكاء الحقيقي هو الذي يحمي موارده بقدر ما يطور عقوله”؛ ومع التقاء مستهدفات الرؤية بوعي المواطن تتحول التكنولوجيا إلى حارسٍ ذكي للطبيعة، وتتحول معها تحديات المياه إلى منصة للريادة العالمية. إنها قصة الثقة التي تتجاوز العقبات، لتصنع من تحديات المياه فرصًا للريادة العالمية.

فقد كشفت “إيكولاب”، الشركة العالمية الرائدة في مجال الاستدامة والمتخصصة في حلول وخدمات المياه، عن تزايد ثقة المستهلكين في المملكة بقدرتها على مواجهة تحديات المياه، مدفوعةً بالاستثمار الوطني والابتكار، والثقة المتنامية في جهود الحكومة والقطاع الخاص، مع تسليط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في رسم ملامح فصل جديد في مجال الاستدامة، وخلق فرص وتحديات للاستخدام المسؤول للموارد الطبيعية الحيوية.

محطة تحلية مياه البحر بتقنية التناضح العكسي في ينبع

الذكاء الاصطناعي وإدارة المياه

وأشارت “إيكولاب”، في دراستها السنوية الثالثة “ووترمارك 2025م”، التي تتناول آراء المواطنين حول العالم تجاه المياه والمناخ والإدارة المسؤولة للموارد، إلى أن المملكة تتبوأ مكانة بارزة في الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي يُعد بمثابة ركيزة أساسية في تحقيق رؤية 2030، إلا أن هذا التحول يُثير تحديات جديدة في مجال الموارد، تتمثل في تزايد الطلب على الطاقة والمياه نتيجةً لتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى اعتماد مراكز البيانات، التي تُعدّ المحرك الرئيس لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، بشكلٍ كبير على المياه للتبريد، مما يُؤكد الحاجة إلى إدارة ذكية للمياه لضمان تقدم التكنولوجيا والاستدامة معًا.

وبينما تُواصل المملكة تطوير استراتيجيتها الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، تستكشف دراسة “إيكولاب” كيفية تطور مواقف الجمهور تجاه التكنولوجيا والاستدامة، حيث يعتقد %70 من المستهلكين أن على الشركات استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة الموارد الطبيعية بمسؤولية، مما يُشير إلى تزايد الثقة في دور التكنولوجيا في تحقيق الاستدامة.

وتشير الدراسة إلى تزايد مستوى الثقة في مواجهة تحديات المياه، حيث يعتقد %78 من المستهلكين أنه يمكن مُعالجة ندرة المياه بفعالية، مما يعكس تفاؤلًا كبيرًا بأن الابتكار والتعاون كفيلان بتأمين مستقبل المياه في البلاد، كما يعرب %37 عن قلقهم بشأن توفر المياه في عام 2025م، بانخفاض عن %48 في عام 2024م و%51 في عام 2023م، مما يعكس تراجع المخاوف العامة مع تقدم تدابير تعزيز القدرة على مواجهة تحديات المياه.

ستيفان أومياستوفسكي

المملكة نموذج عالمي للاستدامة

وأوضحت “إيكولاب”، أنه على مدى العقد الماضي، استثمرت المملكة بشكلٍ كبير في تعزيز القدرة على مواجهة تحديات المياه، لتكون بذلك مثالًا يحتذى به للدول الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة، ومع توقعات الأمم المتحدة بارتفاع الطلب العالمي على المياه بنسبة تصل إلى %30 بحلول عام 2050م، يضع هذا الالتزام المملكة في طليعة الجهود العالمية للاستدامة.

ففي عام 2025م، تعززت ريادة المملكة في مجال استدامة المياه بتحقيق إنجازات بارزة، ومنها على سبيل المثال، اعتراف لجنة الأمم المتحدة للمياه بأن المملكة تُمثل نموذجًا عالميًا للتميز في إدارة المياه وتعزيز الأمن المائي والاستدامة في منطقة تعاني من شح حاد في الموارد المائية.

ويرجع تميز المملكة في إدارة ملف المياه إلى وضعها لاستراتيجيات واضحة ذات أدوار محددة وأهداف قابلة للقياس، إلى جانب استخدامها الفعّال للابتكار والبيانات لتحسين حوكمة قطاع المياه، وإشراكها للقطاع الخاص في تقديم الخدمات، وبناء شراكات دولية قوية.

وأوضح نائب وزير البيئة والمياه والزراعة لشؤون المياه، الدكتور عبدالعزيز الشيباني أن هذه العوامل أسهمت في تحسين الكفاءة والتنسيق وجودة الخدمات، وذلك خلال الفترة من 2017م إلى 2023م، وأشار إلى أن مؤشر الإدارة المتكاملة للموارد المائية في المملكة (IWRM) ارتفع من %57 إلى %83، وهو ما يمثل أحد أسرع معدلات النمو عالميًا في المؤشر 6.5.1 المرتبط بالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة.

د. عبدالعزيز الشيباني

وكما يعكس هذا الاعتراف الجهود المستمرة التي تبذلها المملكة لضمان استدامة الموارد المائية وتعزيز التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، يُسهم كذلك في ترسيخ مكانة المملكة كمرجع عالمي في معالجة تحديات ندرة المياه وتحقيق الأمن المائي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “إيكولاب” في الهند والشرق الأوسط وأفريقيا، “ستيفان أومياستوفسكي”: “في إحدى أكثر المناطق جفافًا على وجه الأرض، تحوّل المملكة المياه من عائق إلى مُحفز للتقدم، هذه القيادة الرائدة تُلهم ثقة متزايدة بإمكانية حل تحديات المياه، وتحويل الندرة إلى فرصة، وترسيخ مكانة المملكة كنموذج عالمي للاستدامة والقدرة على الصمود، إن هذا يكشف عن تجربة المملكة في كيفية تقدم الاستدامة والنمو معًا، لا كهدفين متوازيين، بل كهدف واحد، فمن خلال التعاون القائم على البيانات بين الحكومة والقطاع الخاص، تُحوّل المملكة رؤيتها للاستدامة إلى نتائج ملموسة”.

محطة الشقيق 3 لتحلية المياه في محافظة جيزان

فرصة تنموية للأجيال القادمة

وأشاد تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالإدارة الرشيدة لموارد المياه في المملكة، وأوضح أنها أظهرت قدرةً فائقةً على تحويل ندرة المياه إلى استراتيجية فعّالة، فمن خلال تقليل الاعتماد على المياه الجوفية، وريادتها في تحلية المياه بالطاقة الشمسية، وتوسيع نطاق إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المُعالجة في الزراعة والصناعة، وسنّ سياسات لحماية طبقات المياه الجوفية غير المتجددة، أعادت المملكة تعريف مفهوم الأمن المائي، ليس فقط كضرورة بيئية، بل كفرصة تنموية للأجيال القادمة، ويرتكز هذا التحول على نهج ثلاثي المحاور يشمل الإدارة المتكاملة للموارد المائية، والإصلاحات التنظيمية، والابتكار التكنولوجي، لافتًا إلى استعداد المملكة لاستضافة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه 2027م، فضلًا عن دعم بناء القدرات الإقليمية في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية في الدول العربية والإفريقية.

وثمة توقعات بأن يصل حجم سوق معالجة المياه والصرف الصحي في المملكة إلى 7.4 مليار دولار بحلول عام 2033م، مرتفعًا من 4.03 مليار دولار في عام 2024م، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو %7.1 بين عامي 2025 و2033م، ويُعزى هذا النمو إلى تسارع وتيرة التوسع الحضري، وتنويع القطاعات الصناعية، وبرامج البنية التحتية الطموحة، والتوجهات السياسية نحو الاستخدام الدائري للمياه، بحسب تقرير مجموعة “رينوب” الدولية للأبحاث والاستشارات، التي تتخذ من نيودلهي مقرًا لها.

 

وأضاف التقرير أن تجربة المملكة في مجال المياه تختلف عن معظم دول العالم، فالمناخ الجاف وشح المياه العذبة، والنمو الاقتصادي والصناعي الذي يُعد من بين الأسرع في العالم، جميعها عوامل دفعتها إلى بناء واحدة من أكثر أنظمة معالجة المياه والصرف الصحي تطورًا على مستوى العالم، وما بدأ قبل عقود من الاعتماد الكبير على تحلية المياه، تطور إلى استراتيجية شاملة تدمج المعالجة، وإعادة الاستخدام، والمراقبة الرقمية، ومشاركة القطاع الخاص، وهو نهج بات الآن محورًا أساسيًا في رؤية المملكة 2030.

عوائد استثمارية للشركات

وسلط مدير شركة “آرثر دي ليتل” للاستشارات الدولية، “نيك سترينج”، الضوء على الإنجازات الهائلة التي حققتها المملكة خلال السنوات الماضية وخططها المستقبلية الطموحة والفرص الاستثمارية الناجمة عنها، خاصةً ما يتعلق بتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وقال:”تخطط المملكة لمضاعفة طاقتها الإنتاجية لتحلية المياه إلى أكثر من 20 مليون متر مكعب يوميًا بحلول عام 2030م، ويجري حاليًا إنشاء محطات عملاقة جديدة في مواقع استراتيجية تشمل المنطقة الشرقية ومكة المكرمة وجازان والمدينة المنورة، وبالتوازي مع ذلك، من المخطط توسيع شبكة النقل من حيث الحجم والنطاق لتلبية الطلب المتزايد ومراكز الإنتاج الجديدة”.

وأضاف “سترينج”: “مع ذلك، لا تعتمد المملكة على تحلية المياه وحدها، فإدراكًا منها لأهمية استدامة المياه، تُسرّع المملكة جهودها في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية للمياه المعالجة 7-6 ملايين متر مكعب يوميًا، ويُستغل منها حوالي %30″، مشيرًا إلى أن نهج المملكة يشمل نشر تقنيات متطورة موفرة للطاقة، مثل أنظمة التناضح العكسي، ودمج مصادر الطاقة المتجددة في محطات تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي، وفي الوقت نفسه، تكتسب إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة زخمًا متزايدًا كجزء من مسعى أوسع نحو إدارة مستدامة للموارد، وقد لعبت الشراكات بين القطاعين العام والخاص دورًا محوريًا في دفع هذا التحول، وزيادة ضخ الاستثمارات، وتسريع تطوير البنية التحتية الحيوية.

وأوضح أن جهود تحقيق الأمن المائي تعزز خطط التنويع الاقتصادي وترفع من مكانة الشركات السعودية عالميًأ، قائلًا: “يُتيح ذلك فرصًا هائلة للشركات في مجالات الهندسة والتكنولوجيا النظيفة وتوطين سلاسل التوريد، بينما يُعزز بالنسبة للدولة مرونتها وقدرتها التنافسية العالمية وريادتها في مواجهة أحد أكثر تحديات القرن الحادي والعشرين إلحاحًا: الإدارة المستدامة للمياه”.

مشروع “المليون” يعزز مكانة المنطقة الشرقية كمصدر حيوي للإمداد المائي

تشجيع مشاركة القطاع الخاص

من جانبه، أوضح رئيس قسم الموارد والاستدامة في شركة برايس ووترهاوس كوبرز الشرق الأوسط، “نيكولاس بوخليل”، أنه مع تزايد الثقة في مواجهة تحديات المياه، والطلب العالمي على تحلية المياه وحلول المياه المستدامة، تمتلك المملكة الأدوات والكفاءات والطموح اللازمين لتصبح رائدة عالميًا في تكنولوجيا المياه، مما يخلق مصادر دخل جديدة ويسهم في حل مشكلة عالمية مشتركة، مؤكدًا على الدور المتنامي لقطاع معالجة مياه الصرف الصحي في جذب الاستثمارات الخاصة.

وأشار إلى أن عقود الهندسة والمشتريات والإنشاء، وتوطين التقنيات بما في ذلك تقنيات الأغشية، والتشغيل والصيانة، واتفاقيات شراء المياه المعالجة، لا سيما في المناطق الصناعية والمشاريع الضخمة، بمثابة فرص استثمارية هائلة.

وقدمت المملكة نموذجًا فريدًا للشراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق متطلبات الأمن المائي، يرتكز على إطارٍ منظم يتسم بالوضوح والشفافية، ويضع قواعد مبتكرة لتمويل مشروعات البنية الأساسية واستدامتها، وفقًا للتنفيذي لشركة “ماتيتو للمرافق”، “رامي غندور”.

وأضاف أن المملكة أدركت منذ زمن طويل أن الأمن المائي أساس للتنمية الوطنية، ولتحقيق ذلك، أطلقت الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030م، والتي وضعت إطارًا موحدًا يربط السياسات واللوائح والعمليات في جميع أنحاء القطاع لتعزيز الحوكمة وتحسين الكفاءة وتشجيع مشاركة القطاع الخاص، مع استهداف بناء اقتصاد مائي دائري حقيقي.

وأوضح “غندور” أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص قد لا تحل جميع التحديات، لكنها أداة أساسية لتنفيذ مشاريع معقدة وكثيفة رأس المال، يجب أن تعمل بكفاءة عالية لعقود، مؤكدًا أن طريق تحقيق الأمن المائي هو طريق مشترك، وترسي المملكة، من خلال ريادتها في إنشاء إطار عمل واسع ومشترك قائم على الأداء، معيارًا عالميًا جديدًا للتعاون بين الرؤية العامة والابتكار الخاص، مبينًا أن هذه الشراكات طويلة الأمد وتُسهم في بناء القدرات المؤسسية، وتعزيز الخبرات المحلية، والمساعدة في تحقيق الرؤى الوطنية، وعندما تتضافر جهود الطرفين، تكون النتيجة أكبر من مجموع أجزائها، إذ تُنتج أنظمة مرنة وفعّالة ومُهيأة للمستقبل، تُحافظ على الاقتصادات والمجتمعات والبيئة لأجيال قادمة.