4.4 مليار دولار حجم متوقع لسوق الذكاء الاصطناعي في المملكة بحلول 2034م، بمعدل نمو %15.
18.2 مليار ريال إجمالي الاستثمارات في قطاع التقنية بالشرقية بحصة %24 من سعات مراكز البيانات المحلية.
لم تعد المنطقة الشرقية مجرد نقطة على خارطة الاقتصاد والطاقة، بل تحوَّلت بهدوء وثبات إلى لاعب ذكي في سباق التقنيات العالمية، فمن داخل مراكز بيانات عملاقة وغرف ابتكار لا تنام، تُصاغ اليوم قصص جديدة عن الذكاء الاصطناعي بلغة الشراكات الدولية والطموح المحلي، حيث شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات العالمية واستثمارات نوعية في التحول الذكي، وجوائز دولية تحصدها تطبيقات مبتكرة؛ التي تمثل جميعها شواهد على قفزة نوعية تعيد تعريف دور المنطقة الشرقية في المستقبل الرقمي.

توظيف الذكاء الاصطناعي
حصدت أمانة المنطقة الشرقية الجائزة الفضية لأفضل استخدام لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ضمن جوائز الخليج للاستدامة 2025م، وأشاد رئيس الأمانة “فهد الجبير”، بجهود وكالة التحول الرقمي، لاسيما منظومة الرصد الذكي، التي تدمج إنترنت الأشياء، والطائرات المُسيرة، وأنظمة المراقبة الذكية عالية الدقة، ونظم المعلومات الجغرافية، بالإضافة إلى منصة ذكاء اصطناعي متطورة تعتمد على أفضل ممارسات عمليات التعلم الآلي، في إطار الجهود المبذولة لدعم اتخاذ القرار وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمستفيدين.
وبشكل عام بلغ حجم سوق الذكاء الاصطناعي في المملكة 1.2 مليار دولار في عام 2025م، وثمة توقعات بأن يصل إلى 4.4 مليار دولار بحلول عام 2034م، مسجلًا معدل نمو سنويًا مركبًا قدره %15.01 خلال الفترة (2026م2034-م)، ووفقًا لتقرير مجموعة “إيمارك” العالمية لأبحاث السوق، فإن حصة سوق الذكاء الاصطناعي في المملكة تشهد نموًا متزايدًا، مدفوعًا بالانتشار المتزايد لمنصات الحوسبة السحابية التي توفر البنية التحتية اللازمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في مختلف القطاعات، بالإضافة إلى زيادة الاستثمارات في التعليم لتأهيل الكوادر القادرة على قيادة الابتكار والتحول الرقمي.
وأضاف التقرير أن المنطقة الشرقية نجحت في توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي في قطاعي الطاقة والصناعة، كما تقوم بتشجيع الشركات على تبني الذكاء الاصطناعي في الصيانة التنبؤية، ورفع كفاءة العمليات، وتعزيز السلامة، بالإضافة إلى ذلك، تُراهن الجهات الحكومية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرصد البيئي ومشاريع الطاقة المتجددة، مشيرًا إلى تعاون شركات التكنولوجيا الكبرى مع الشركات المحلية والجهات الحكومية لتوفير حلول الذكاء الاصطناعي في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والمدن الذكية.
وتراهن الشركات الناشئة على تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات المحلية، مثل معالجة اللغة العربية، وتركز المؤسسات التعليمية أيضًا على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتنمية المواهب، علاوةً على ذلك، تدعم المبادرات الحكومية التمويل والشراكات، مما يخلق بيئة حاضنة قوية لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيقه فعلى سبيل المثال، في نوفمبر 2024م، تعاون صندوق الاستثمارات العامة مع “جوجل كلاود” لإنشاء مركز متقدم للذكاء الاصطناعي بالقرب من الدمام، كما أعلنت شركة “هيوماين” عن بدء تشغيل مراكز البيانات التابعة لها في الرياض والدمام خلال الربع الأول من 2026م، ضمن خططها لإنشاء مراكز بيانات بقدرة 1.9 جيجاوات بحلول عام 2030م.
مركز عالمي في الدمام
وأوضح الخبير في شركة “ماكلارتي أسوشيتس” الأمريكية للاستشارات، محمد سليمان، أن إنشاء مركز عالمي جديد في الدمام يأتي ضمن خطوات المملكة لترسيخ مكانتها كدولة رائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، ودفع عجلة التقدم في نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، وخلق آلاف الوظائف في قطاع التكنولوجيا، مشيرًا إلى أن الشراكة بين جوجل والمملكة تؤكد على “الترابط المتنامي” بين الذكاء الاصطناعي والطاقة، حيث تستخدم المملكة فائضها من الطاقة لتشغيل مراكز البيانات، وهي ركيزة أساسية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، هذه الميزة في مجال الطاقة تجعلها منطقة جذابة بشكلٍ متزايد لعمالقة التكنولوجيا مثل جوجل ومايكروسوفت وإنفيديا وأمازون.
وبلغت قيمة سوق مراكز البيانات فائقة التوسع في المملكة حوالي 1.7 مليار دولار عام 2025م، ومن المتوقع أن تصل إلى حوالي 5 مليارات دولار بحلول عام 2031م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %20.3 خلال الفترة نفسها، وأشار تقرير شركة “موردور إنتليجنس” للأبحاث الدولية، إلى أن زيادة كثافة أحمال عمل الذكاء الاصطناعي، وأولويات التحول الرقمي في إطار رؤية المملكة 2030، ومتطلبات الحوسبة السحابية السيادية، تسهم في الارتفاع الملحوظ في استثمارات مراكز البيانات المُتطورة المزودة بوحدات معالجة رسومية.

الأسرع نموًا في سوق مراكز البيانات
وأضاف التقرير أن العاصمة الرياض تعد مركزًا محوريًا لسوق مراكز البيانات فائقة التوسع في المملكة، بقدرة استيعابية تبلغ نحو 273 ميجاواط، بسبب تزايد اعتماد الجهات الحكومية والبنوك على حلول الحوسبة السحابية السيادية، مشيرًا إلى أن المنطقة الشرقية تعد الأسرع نموًا في المملكة، حيث يمتلك مركز الاستدلال التابع لشركة “جروك” الأمريكية، 19 ألف وحدة معالجة لغوية، بالإضافة إلى الطلب على الحوسبة السحابية الصناعية المدعومة من “أرامكو”، بقدرة تشغيلية 123 ميجاواط، لتلبية احتياجات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتخصصة وتحليلات البيانات الضخمة.
وبلغ إجمالي الاستثمارات في قطاع التقنية بالمنطقة الشرقية 18.2 مليار ريال منها 12.6 مليار ريال استثمارات أجنبية عام 2025م، كما تستضيف عديد من المقرات الإقليمية للشركات العالمية، إذ تعد مركزًا عالميًا جديدًا في خريطة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث تستحوذ على %24 من سعات المراكز في المملكة.
ويدعم النمو المتوقع للتوسع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، استثمارات هائلة من شركات التقنية العالمية، لتلبية الطلب المتزايد جراء التحول الرقمي الصناعي، والأتمتة، وزيادة استخدام التحليلات في عمليات النفط والغاز، فمراكز البيانات تلبي غالبًا احتياجات الحوسبة السحابية الخاصة، والتعافي من الكوارث، فمع تبني الشركات الصناعية لأدوات رقمية متقدمة، وتزايد التركيز التنظيمي على مكانة البيانات، من المتوقع أن تحافظ المنطقة الشرقية على ريادتها في هذا المجال، وأن يواصَل الطلب على نماذج الذكاء الاصطناعي النمو على المدى الطويل.
طفرة تنموية يقودها الذكاء الاصطناعي
وتشهد المنطقة الشرقية طفرة عمرانية متعددة القطاعات، وتزداد أهميتها الاستراتيجية بفضل استثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة والصناعة والسياحة والعقارات والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، وتسهم المشاريع الرائدة في المنطقة، بما في ذلك محطة الطاقة الشمسية العابرة للحدود، وأحد أكبر مراكز احتجاز الكربون في العالم، ومشاريع تطوير متعددة الاستخدامات، ودورها كمركز للاستثمار التقني، في ترسيخ مكانتها في تحقيق أهداف رؤية 2030.
ووقعت أمانة المنطقة الشرقية 14 اتفاقية استثمارية وتنموية، من بينها مذكرات تفاهم بقيمة تتجاوز 5 مليارات ريال، وذلك خلال مشاركتها في معرض سيتي سكيب غلوبال 2025م، الذي أقيم في الرياض، ومن بين هذه الاتفاقيات إنشاء مراكز بيانات رقمية لدعم التحول الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية للمدن الذكية.
وكشفت بيانات وزارة التجارة عن نمو القطاعات ذات الصلة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المملكة بشكل ملحوظ خلال الربع الرابع من عام 2025م، مشيرةً إلى أن قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سجل زيادة بنسبة %34 في عدد السجلات القائمة، ليصل إلى 19,042 سجلًا بنهاية عام 2025م، مقارنةً بـ 14,163 سجلًا في الفترة المماثلة من عام 2024م، وجاءت المنطقة الشرقية في المركز الثالث بنسبة %10.3 من إجمالي السجلات، بعد الرياض بنسبة %62 ومكة المكرمة بنسبة %19، ثم المدينة المنورة والقصيم.
وسجل قطاع الأمن السيبراني نموًا بنسبة %27، ليصل إجمالي السجلات إلى 9,766 سجلًا في الربع الرابع من عام 2025م، مقارنةً بـ 7,689 سجلًا في الربع المناظر من عام 2024م، وجاءت المنطقة الشرقية أيضًا في المركز الثالث بنسبة %11 من إجمالي السجلات، بعد مكة المكرمة والرياض، كما جاءت المدينة المنورة والقصيم في المركز الرابع والخامس على التوالي.

عيادة تعمل بالذكاء الاصطناعي
ومن أبرز إنجازات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، ما شهدته مدينة الأحساء في أبريل 2024م، من افتتاح أول عيادة طبية تعمل بالذكاء الاصطناعي في المملكة وفي العالم، وهي ثمرة تعاونٍ بين مجموعة الموسى الصحية وشركة “سيني إيه آي” للتكنولوجيا الطبية، ومقرها شنغهاي، وفيها يتم تواصل المرضى مع “الدكتور هوا” الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي، والذي يُجري استشارات رقمية عبر جهاز لوحي، وبعد وصف الأعراض، يتابع “الدكتور هوا” مع المريض بأسئلة لها علاقة بالأعراض، ثم يقوم بتحليل البيانات التي يقوم بجمعها فريق طبي مساعد، وبناءً على هذه المعلومات، يُعدّ “الدكتور هوا” روشتة علاجية، يراجعها ويوافق عليها طبيب بشري، دون الحاجة إلى فحص المريض شخصيًا، وفي الوقت نفسه، يتواجد أطباء بشريون على أهبة الاستعداد للتدخل عند الضرورة، لا سيما في حالات الطوارئ أو الحالات المعقدة التي تتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية.
الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات
فالاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي يسهم بشكلٍ ملحوظ في تحفيز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتطويرها في كافة مناطق المملكة وخاصة المنطقة الشرقية، التي برزت كلاعب رئيس في مشهد التحول الرقمي فائق السرعة في المملكة، حيث المدن الذكية ومراكز البيانات والشراكات الدولية والمحلية، مما جعلها وجهة جاذبة للاستثمارات التقنية..وذكر مدير العمليات في منصة “إكسا” للبنية التحتية، “كيران ديلاني”، أن الإنفاق على مراكز البيانات مستمر في النمو في جميع أنحاء المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن الحوسبة القائمة على الذكاء الاصطناعي لا تعد ذات قيمة إلا إذا أمكن نقلها بسرعة وأمان وعلى نطاق واسع إلى أي مكان تُطلب فيه، وبالتالي فإن تطوير البنية التحتية للاتصالات يمثل فرصة استثمارية ذهبية في مختلف القطاعات وخاصةً الصناعـــة والطاقة والصحة والتعليم، لمواكبة الطلب الهائل على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتمكين بيئة الأعمال الرقمية.
