رأي

الأزمات منبع للابتكار!

الأعمال التنموية والإبداعية ليست حصرًا على أوقات الرخاء والسلم كما يتصور البعض، بل إن معظم الأفكار البنيوية في العالم ذات البعد الاقتصادي والعسكري الاستراتيجي خرجت من رحم أوقات الشدة التي مرت فيها بعض البلدان (أزمات وحروب) وشكلت لها نقطة انطلاقة جديدة.

يمكن أخذ تجربة الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية كمثال صارخ على تطوير آلياتها العسكرية وتنشيط مختلف صناعاتها رغم ظروف الحرب وقتها وخروجها، بالتالي من حالة الكساد العظيم وتحولها إلى عملاق صناعي عالمي، نتيجة استفادتها من مفهوم أن الحرب (أيا كانت أسبابها) تُعد محفزًا للابتكار والحلول لا مدعاة للتقهقر! كما يمكن أخذ النهضة الاقتصادية لألمانيا واليابان التي أعقبت خسارتهما في الحرب العالمية الثانية مثالاً آخر وليس أخيرًا، فالأمثلة الملهمة في هذا الجانب متعددة.

أحد جوانب التخطيط الاستراتيجي الناجح (استراتيجية الطوارئ) الذي قامت به المملكة العربية السعودية أثناء بداية الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي هو إنشاء خط أنابيب شرق-غرب (Petroline) من أجل نقل النفط من المنطقة الشرقية في المملكة إلى غربها (ميناء ينبع) تحسبًا لإغلاق مضيق هرمز وقتها، أتت ثمار هذا المشروع إيجابًا بعد (40) عامًا، وذلك بتمكن السعودية من نقل صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر (خلال فترة إغلاق مضيق هرمز في الحرب الأخيرة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مارس 2026م).

كما أن استثمار السعودية المستمر في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية وتطويرها وزيادة قدرتها الاستيعابية مكنها من إحداث عملية نقل “مزدوج” للبضائع بين موانئها في الخليج العربي والبحر الأحمر. بل تعداه إلى ربط جزء من هذه الموانئ مع جل دول مجلس التعاون؛ لتتدفق سلع الأخيرة منها وإليها (استيراد وتصدير) عبر خطوط الإمداد السعودية متجاوزة أزمة المضيق (هرمز).

الحرب الدائرة في المنطقة والتي طالت دول مجلس التعاون (عدوان إيراني)، أظهرت أهمية المملكة العربية السعودية كعمق استراتيجي لمحيطها العربي ككل (أمني واقتصادي)، كما أثبتت أن أوقات الرخاء التي مرت وتمر بها المملكة أثمرت عن زيادة الوعي بأهمية الاستعداد المسبق لكل أمر طارئ وسيئ!.

 

وقفات:

  • نجحت السعودية في بناء وتطوير بنيتها التحتية (اقتصاديًا وعسكريًا) خلال السنوات الماضية، وبات الاستمرار في مثل هذه الجهود عملية لا غنى عنها تحت أي ظرف، كما اتضح أن مواصلة عملية الربط والتوسعة للبنى التحتية واللوجستية مع دول “الجوار والمحيط” أنها لا تقل أهمية عن عملية الربط والتوسعة الداخلية.
  • -لأول مرة- تتعرض دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة لاعتداء عسكري آثم، فرُب ضارة نافعة بإحداث تكامل رفيع بين دول مجلس التعاون على كافة الأصعدة فحيثيات ما قبل الاعتداء ليست كما بعده.
  • في وقت “الأزمات الدولية” يُعرف الصديق الحق من العدو من الانتهازي (أصحاب المواقف الرمادية)، وعليـــه يستوجب لاحقًا وضع كلٍّ وقدره.