رأي

الاقتصاد العالمي في اختبار أمن الطاقة

لم تقتصر التداعيات الاقتصادية للأزمة الإيرانية على ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب أسواق النفط والغاز، بل امتدت آثارها لتطال سياسات الطاقة والاقتصاد الكلي العالمي. فقد وجدت الدول نفسها أمام اختبار حقيقي، دفعها إلى تبني إجراءات طارئة وسياسات وقائية تهدف إلى حماية مجتمعاتها من الانزلاق نحو أزمات اجتماعية قد تتطور إلى اضطرابات واسعة، تُفضي بدورها إلى تعثر اقتصادي يصعب احتواؤه.

في هذا السياق، برزت نماذج متعددة في كيفية التعامل مع الأزمة، التي تمثل في جوهرها صدمة هيكلية في معروض الطاقة. ومثل هذه الصدمات، إذا ما طال أمدها، قادرة على دفع الاقتصاد العالمي نحو انكماش حاد، نتيجة اهتزاز نماذج أمن الطاقة، وربما تقود إلى ركود عالمي عميق.

من بين هذه النماذج، يبرز النموذج الصيني، حيث لجأت الصين إلى حظر تصدير المشتقات النفطية المكررة خشية نقص الإمدادات المحلية من الوقود والمنتجات الحيوية. وقد تبعت هذا النهج دول في شرق آسيا مثل: “كوريا الجنوبية وتايلاند”، عبر اتخاذ إجراءات مشابهة لحماية أسواقها الداخلية.

أما في أوروبا، فقد جاءت الأزمة الإيرانية لتفاقم وضع هش أصلاً بسبب تداعيات النزاع الروسي – الأوكراني، الذي أدى إلى اختناقات في الإمدادات. واعتمدت الدول الأوروبية بشكل متزايد على المخزونات الاستراتيجية، في ظل محدودية خيارات تنويع مصادر الطاقة على المدى القصير.

وفي الدول النامية والناشئة، برزت سياسات أكثر حدة، تمثلت في ترشيد استهلاك الطاقة وفرض إجراءات تقشفية، مثل: تقليص ساعات العمل وتشجيع العمل عن بُعد، وذلك نتيجة عدم قدرتها على تحمل التكاليف المتصاعدة للطاقة، التي بلغت مستويات غير مسبوقة.

أما الحالة الأكثر لفتًا للانتباه، فكانت في الهند، التي تُعد من أكبر دول العالم في طاقة التكرير. فقد كشفت الأزمة عن درجة عالية من الانكشاف في نموذج أمن الطاقة لديها، ما دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوة استثنائية تمثلت في تعليق القيود على استيراد النفط الروسي لفترة مؤقتة، بهدف تخفيف الضغوط. إلا أن التذبذب في هذا القرار، والعودة السريعة إلى السماح بالاستيراد بعد إعلان الحظر مجددًا، يعكس حجم التعقيد الذي تواجهه سياسات الطاقة حتى لدى أكبر القوى الاقتصادية.

وتُبرز هذه الأزمة ركيزتين أساسيتين للحفاظ على أمن الطاقة العالمي، أولاهما: أن العالم لا يزال بعيدًا عن الاستغناء عن النفط والغاز كمصادر رئيسية للطاقة، ما يستدعي استمرار—بل وزيادة—الاستثمارات في هذا القطاع لضمان استقرار الإمدادات، أما الركيزة الثانية: فهي الحاجة الملحة إلى تعزيز دبلوماسية الطاقة، ضمن أطر استراتيجية كبرى تتماشى مع مصالح الدول، بعيدًا عن الطروحات الأيديولوجية التي قد لا تعكس واقع الأسواق وتعقيداتها.