رأي

ما وراء اللافتات التحذيرية: لماذا كفاءة معايير السلامة لا تكتمل دون تطبيق فعلي؟

في مختلف القطاعات، تتصدر عبارة “السلامة أولاً” واجهات مواقع العمل، وتُطبع على الملصقات وتُعرض في العروض التقديمية، لكن انعكاسها على السلوك اليومي لا يكون دائمًا بالمستوى نفسه.

نعيش اليوم في عالم أصبحت فيه التحذيرات جزءًا من التفاصيل الصغيرة: أكواب القهوة تحمل عبارة مثل: “احذر: المشروب ساخن”، والسلالم تذكّر المستخدمين بعدم الوقوف في أعلى الدرج، وحتى أدوات الحفر تُرفق بتحذيرات واضحة مثل: “عدم استخدامها بالقرب من أي جزء من الجسم”.

قد تبدو هذه التحذيرات مبالغًا فيها، لكنها كشفت واقعًا أعمق: الاهتمام بالسلامة موجود، إلا أن الاعتياد والتراخي التدريجي قد يجعلان المخاطر الواضحة أقل حضورًا في الوعي، حتى فقدت البديهيات أثرها مع الوقت.

وفقًا لمنظمة العمل الدولية، يتوفى أكثر من 2.9 مليون شخص سنويًا، بينما يتعرض ما يزيد على 390 مليونًا لإصابات خطيرة نتيجة الحوادث المرتبطة بالعمل.

وفي دول مجلس التعاون الخليجي تشير التقارير الحديثة إلى ارتفاع مستويات الالتزام والوعي بإجراءات السلامة. أما في المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، فقد شهدت جهود تحسين بيئة العمل تقدمًا ملحوظًا. وتُظهر البيانات الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية (2024م) تحسنًا كبيرًا في مستويات السلامة في أماكن العمل خلال السنوات الست الماضية.

تعكس هذه التحسينات ما يمكن تحقيقه عندما تتحول السلامة إلى أولوية وطنية. غير أن اتساع المشاريع من حيث الحجم والطموح ينقل التحدي إلى مستوى جديد؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على تطبيق القواعد داخل جهة واحدة، بل أصبح يتطلب تطبيق معايير السلامة عبر منظومات كاملة من الجهات والشركات.

وقد وضعت رؤية 2030 تركيزًا كبيرًا على التنمية الصناعية ومشاريع البنية التحتية العملاقة، بدءًا من نيوم والبحر الأحمر، وصولًا إلى الدرعية..وتضم هذه المشاريع مئات الجهات المختلفة، لكل منها أنظمتها وثقافتها وأساليب عملها الخاصة. وفي ظل هذا التشعب، لم تصبح معايير السلامة وضمان تطبيقها عبر الشبكات الواسعة مجرد مسألة امتثال للأنظمة، بل اختبارًا فعلياً للتنسيق، والفهم المشترك، وتعزيز المسؤولية.

إخفاقات السلامة عواقبها لا تؤدي فقط إلى خسائر بشرية، بل تترك أيضًا آثارًا مالية وتلحق ضررًا بسمعة الجهات المعنية على امتداد سلسلة العمل. ورغم أن قوائم التحقق والإجراءات ضرورية، لكنها لا تستطيع توقع كل موقف أو منع كل خطر محتمل.

فالسلامة الفعلية تعتمد على وعي الأشخاص وخبرتهم، وعلى قدرتهم على ملاحظة الخلل والتصرف بسرعة قبل وقوع الحادث.

كما أن نجاح قوائم التحقق يبقى مرهونًا بالتزام الأفراد بتطبيقها. وإذا كان الحفاظ على معايير ثابتة داخل منظمة واحدة يمثل تحديًا بحد ذاته، فإن ضمان الاتساق عبر عشرات المقاولين والموردين والفرق الدولية يصبح أكثر تعقيدًا بكثير.

قد تبدو المعايير مثالية على الورق، لكن بمجرد بدء التنفيذ، قد تتفاوت مستويات التطبيق، وتظهر فجوات صغيرة تتسع داخل العمليات المعقدة.

فشل الإجراءات غالبًا عندما تتوزع المسؤولية بين أطراف متعددة على سبيل المثال ففي عام 2012م، تحطمت رحلة UTair Flight 120 في مدينة تيومين بعد وقت قصير من الإقلاع، مما أسفر عن وقوع عدة وفيات، وإصابة عدد من الركاب بجروح خطيرة.

وأظهرت نتائج التحقيق الرسمي أن الطائرة خضعت للفحص من مستوى الأرض، إلا أن الأسطح العلوية للأجنحة والذيل لم يتم التحقق منها بدقة للتأكد من خلوها من الجليد. ومن المعروف أن هذه المناطق لا يمكن تقييمها بدقة من الأرض دون استخدام سلم.

كما أشار التحقيق إلى وجود فجوات في التدريب إضافة إلى ضعف التواصل بين فرق الخدمات الأرضية وطاقم الطيران. فقد افترضت كل مجموعة أن الأخرى قد استكملت بالفعل إجراءات الفحص المطلوبة، وهو ما يوضح كيف يمكن للافتراضات أن تتسرب داخل الأنظمة المعقدة تتحول إلى ثغرات خطيرة.

وتُظهر التجارب الدولية كذلك كيف يمكن للتواصل الفعّال وتعزيز المسؤوليات المشتركة أن يمنعا تكرار مثل هذه الأخطاء. ففي شركة تويوتا على سبيل المثال، يمتلك أي عامل الحق في إيقاف خط الإنتاج فور شعوره بوجود خطر محتمل. هذا المبدأ يرسّخ ثقافة المسؤولية الجماعية ويجعل السلامة التزامًا مشتركًا لا يقتصر على شخص واحد.

وفي قطاع النفط والغاز في النرويج، تتبادل الشركات بيانات الحوادث والملاحظات التشغيلية عبر الشركاء، بحيث تتحول إخفاقات أي جهة إلى درس تتعلم منه جميع الأطراف، مما يعزز الوقاية ويحد من تكرار المخاطر.

وتسير المملكة العربية السعودية بالفعل في اتجاه تعزيز هذا النهج ، من خلال تبنّي أنظمة رقمية حديثة للرصد والمتابعة، ورفع كفاءة الرقابة وتطبيق الأنظمة، إلى جانب تنامي الاستثمارات في التدريب وبناء القدرات.

لكن التحسن المستدام لا يعتمد فقط على الإجراءات والتقنيات، بل يرتكز على بناء ثقافة تصبح فيها الممارسات الآمنة سلوكًا طبيعيًا وتلقائيًا، لا مجرد خطوة تنفذ لأن قائمة التحقق تطلب ذلك.

وفي قطاع الطاقة، أجرت شركة أرامكو السعودية دراسات تناولت تأثير سياسات السلامة، وبرامج التدريب، وفاعلية التواصل، وأنظمة الحوافز، والتزام القيادات، على مستوى المسؤولية لدى العاملين في الخطوط الأمامية.

وتشير النتائج إلى أنه عندما تكون إجراءات السلامة متكاملة وواضحة في رسائلها، يصبح العاملون أكثر استعدادًا لتبنّي المسؤولية بشكل داخلي والتصرف بصورة استباقية، بدلًا من انتظار تدخل الآخرين.

يُعدّ تحويل معايير السلامة من إطار تنظيمي إلى ممارسة يومية تحديًا عالميًا، لا سيما داخل الأنظمة المعقدة التي تضم شركاء متعددين. وفي المملكة العربية السعودية، حيث تضع رؤية 2030 تركيزًا واضحًا على تطوير القدرات، وتكامل الأنظمة، والاستدامة طويلة المدى، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة.

فالمبادرات الكبرى تجمع بين مؤسسات متنوعة، وتقنيات مختلفة، وأساليب عمل متباينة، ما يجعل بناء الفهم المشترك وتعزيز التنسيق عنصرًا أساسيًا لضمان سلامة متسقة عبر جميع الأطراف.

إن التميز المستدام في السلامة يتحقق عندما يكون الأفراد مستعدين للتفكير النقدي، والتواصل بوضوح، والتصرف بوعي داخل بيئات ديناميكية ومتغيرة. وهذه القدرات لا تتشكل فقط عند لحظة التنفيذ، بل تُبنى في مراحل أبكر بكثير، حين يتعلم الناس كيفية رصد المخاطر، ومراجعة الافتراضات، والاستجابة لمواقف قد تبدو روتينية أو بديهية.

وهنا يبرز الدور المحوري للأنظمة التعليمية، والجامعات، ومراكز التدريب، في تمكين الأفراد من إدراك أن ما يبدو “بديهياً” قد يتطلب في الواقع قدرًا كبيرًا من الانتباه، والحكم السليم، والحرص المستمر.

بهذا المعنى، فإن عبارة “السلامة أولاً” لا تتعلق باللافتات أو السياسات بقدر ما تتعلق بالإنسان نفسه. إنها ترتبط ببناء عادات من الوعي والمسؤولية تتحول إلى سلوك طبيعي ومتأصل. فعندما تصبح السلامة جزءًا من طريقة تفكير الناس وتعلمهم وتعاونهم في العمل، فإنها لا تعود بحاجة إلى التكرار المستمر كي تكون فعّالة.

وقلّة من الدول اليوم تستثمر بالحجم والوتيرة التي تستثمر بها المملكة، خصوصًا في منظومات الخدمات والبنية التحتية الكبرى والمترابطة. ويعكس هذا المستوى من الاستثمار أهمية ما يمنح لتطوير القدرات على المدى الطويل، وتعزيز أساليب العمل المتكاملة، إضافة إلى إعداد الأفراد مبكرًا للعمل بأمان داخل بيئات معقدة لا يمكن فيها الركون إلى الافتراضات أو التساهل مع المخاطر..

ومن خلال هذا الأساس، يصبح التميز في السلامة أكثر استمرارية عندما يترجم العاملون هذه القدرات إلى ممارسات فعلية تظهر في قراراتهم اليومية وسلوكهم أثناء أداء المهام.