تشير التقديرات إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد تستهلك عشرات آلاف الأطنان من النحاس، وقد يصل الطلب إلى ما يعادل إنتاج أكبر أربعة مناجم في العالم.
السيارات الكهربائية قد تحتاج لأكثر من ثلاثة أضعاف كمية النحاس التي تحتاجها نظيراتها التي تعمل بالبنزين أو الديزل.
داخل أحد مراكز البيانات العملاقة، كانت آلاف الخوادم تعمل بلا توقف، تُعالج طلبات بحث وتدير تطبيقات ذكاء اصطناعي، وتُشغّل أنظمة لا يراها المستخدمون لكنها تتحكم في تفاصيل حياتهم اليومية.
خلف هذا المشهد الرقمي المعقد، لم يكن “الذكاء الاصطناعي” وحده هو البطل، بل مادة لامعة صامتة تمتد عبر الكابلات والدوائر واللوحات الإلكترونية، إنها المعدن الأحمر “النحاس”؛ ذلك العنصر الذي لم يعد مجرد مادة صناعية تقليدية، بل تحول إلى شريان خفي يربط بين الثورة التكنولوجية والتحول نحو الطاقة النظيفة، وبين تطور المدن الحديثة وتسارع الذكاء الاصطناعي.
ويُعدّ النحاس عنصرًا حيويًا ومعدنًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد المعاصر، بل وفي مستقبل الطاقة العالمي؛ فقد توسعت استخداماته لتشمل عديدًا من القطاعات مثل الإلكترونيات، وصناعة السيارات، والبناء، وأنابيب المياه، ومكونات الطاقة، وأسلاك الكهرباء، والبنية التحتية للاتصالات وشبكات الجيل الخامس، فبفضل خصائصه الفريدة، وعلى رأسها الكفاءة العالية في توصيل الكهرباء والحرارة، أصبح عنصرًا أساسيًا في صناعات حديثة مثل: مراكز البيانات، والإلكترونيات المتقدمة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبالتالي، فإن التطور الصناعي والتكنولوجي ينعكس مباشرة على ارتفاع الطلب على النحاس، كما أن أي اضطراب في سلاسل إمداده يترك أثرًا واسعًا على مختلف القطاعات الاقتصادية.

محطات تاريخية في الطلب على النحاس
ومع بداية القرن العشرين، شهدت أوروبا والولايات المتحدة توسعًا عمرانيًا وصناعيًا كبيرًا، وأصبح النحاس عنصرًا رئيسًا في شبكات الكهرباء والهاتف والتلغراف، ما جذب استثمارات ضخمة في قطاع التعدين، وخلال فترة الكساد العظيم (1929م–1939م)، تراجع الطلب بشكل حاد وانخفضت الأسعار وأُغلقت العديد من المناجم، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية أعاد الطلب بقوة، خصوصًا في الصناعات العسكرية مثل الذخائر والكابلات والرادارات.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، أسهمت عمليات إعادة إعمار أوروبا واليابان في تعزيز الطلب على النحاس نتيجة التوسع في الإسكان والبنية التحتية، أما في السبعينيات، فقد شهد العالم موجة من تأميم قطاع التعدين في دول مثل تشيلي وبيرو وبوليفيا وزامبيا والكونغو الديمقراطية، وبدأ يُنظر إلى النحاس كأداة تحوط ضد التقلبات الاقتصادية، وفي الثمانينيات والتسعينيات، حدث فائض في المعروض العالمي وضغوط على الأسعار، بالتزامن مع تحرير الأسواق وظهور تداول النحاس في البورصات العالمية، ثم جاءت طفرة الصين (2000م2011-م)، حيث أدى النمو الصناعي والعمراني السريع إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب العالمي، رغم التراجع المؤقت خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008م. ومنذ 2015م، ومع تسارع التحول الطاقي، أصبح النحاس عنصرًا محوريًا في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وشبكات الكهرباء الذكية ومراكز البيانات.
استخدامات النحاس بحسب أنواعه
تتعدد أنواع النحاس، وبالتالي تتعدد الاستخدامات وفقًا لكل نوع، وعلى سبيل المثال، فإن النحاس الأحمر صديق للبيئة وموصل جيد للكهرباء والحرارة ومقاوم للتآكل، ومن السهل إعادة تدويره وإزالة الشوائب منه، ولذلك يتم استخدامه في صناعة أنابيب التبريد والتكييف والوصلات والصناعات الكهربائية والمجالات التقنية والصناعية الدقيقة وغيرها. أما النحاس الأصفر، فجودته أقل في توصيل الكهرباء، لكنه أكثر مقاومة للخدوش، ويُفضل استخدامه في الزخارف والمقابض والأدوات الموسيقية والمحابس والصمامات وخلاطات المياه. كذلك، فإن هناك النحاس البرونز، وهو عبارة عن سبائك صلبة ومقاومة للتآكل، تُستخدم في صناعة التروس، والمحامل، والتطبيقات البحرية.

النحاس والذكاء الاصطناعي
يُنظر إلى النحاس باعتباره “العصب الخفي” للثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات والخوادم العملاقة تحتاج إلى كميات ضخمة من الكابلات وأنظمة التبريد التي تعتمد بشكل أساسي على النحاس. وتشير التقديرات إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد تستهلك عشرات آلاف الأطنان منه، وقد يصل الطلب إلى ما يعادل إنتاج أكبر أربعة مناجم في العالم مجتمعة.
ومن المتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي وحده ملايين الأطنان من الطلب السنوي على النحاس بحلول 2030م، ما قد ينعكس على ارتفاع تكاليف بناء وتشغيل مراكز البيانات، إلى جانب الطلب المتزايد من السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة.
إعادة تدوير النحاس
وتعني إعادة التدوير جمع خردة النحاس من الأسلاك والأجهزة والمخلفات الصناعية والبناء، ثم تنقيتها وصهرها لإعادة استخدامها. ويمتاز النحاس بإمكانية إعادة تدويره بشكل غير محدود دون فقدان خصائصه، كما أن إعادة تدويره تستهلك طاقة أقل بنسبة تتراوح بين %70 و%85 مقارنة بالاستخراج من المناجم.
وتسهم عملية التدوير في تقليل التكاليف، وزيادة المعروض خلال فترات ارتفاع الأسعار، إضافة إلى فوائد بيئية كبيرة مثل تقليل الانبعاثات والتلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية. ويُقدّر أن نحو ثلث النحاس المستخدم عالميًا يأتي من مصادر معاد تدويرها.
تطور أسعار النحاس عالميًا
وقبل عقد من الزمن، كان سعر النحاس منخفضًا نسبيًا بسبب وفرة المعروض وضعف الطلب، حيث بلغ نحو 4700 دولار للطن في عام 2016م، وبين عامي 2017م و2020م، شهدت الأسعار ارتفاعًا تدريجيًا لتصل إلى ما بين 6100 و6500 دولار.
ومع التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، قفز السعر في عام2021م، إلى متوسط 8400 دولار، وبلغ ذروته عند 10747 دولارًا في مايو من العام نفسه، وفي عام 2025م، سجلت الأسعار مستويات قياسية وصلت إلى نحو 11500 دولار للطن نتيجة نقص الإمدادات وارتفاع الطلب في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي، وغالبًا ما تتأثر أسعار النحاس بعدة عوامل، أبرزها الطلب الصناعي، وتكاليف الطاقة، وتقلبات الأسواق، والسياسات التجارية والاقتصادية.
السياسات الحمائية
وأثارت السياسات التجارية الأمريكية في عام 2025م، حالة من القلق في أسواق المعادن، بعد إعلان فرض رسوم جمركية بنسبة %50 على النحاس. وقد أدى ذلك إلى اضطرابات في الأسواق وتسارع عمليات الشحن إلى الولايات المتحدة وارتفاع المخزونات. كما ارتفعت الأسعار في بورصة “ومكس” إلى مستويات قياسية، قبل أن يتم لاحقًا تعديل القرار بحيث تقتصر الرسوم على المنتجات النهائية دون المواد الخام مثل الخامات والخردة.

توقعات الطلب
تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى نمو قوي في الطلب على النحاس خلال السنوات القادمة، مدفوعًا بالتحول نحو الطاقة النظيفة، وتوسع شبكات الكهرباء، وزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
وتحتاج مراكز البيانات وحدها إلى كميات كبيرة من النحاس لكل ميجاوات من الطاقة، ما يجعل الطلب مرشحًا للارتفاع بشكل كبير، كما تتوقع شركات التعدين والمؤسسات البحثية ارتفاع الاستهلاك العالمي بنسبة تتجاوز الثلث خلال العقد المقبل، مع تضاعف الطلب من قطاع السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
عجز متوقع في السوق
كل هذه العوامل، كانت دافعًا لتوقع حدوث عجز بين الطلب والعرض في النحاس، وربما ذلك هو ما دفع شركة الاستشارات “وود ماكنزي” للتأكيد بأن هناك عجزًا في عام 2025م، يصل إلى 300 ألف طن من النحاس المكرر، مشيرة إلى أن هذا العجز سيتزايد عام 2026م.
وتتوقع “بلومبرج” أن تشهد أسواق النحاس عجزًا في المعروض خلال العقد القادم، موضحةً أن ذلك قد يحدث بدايةً من العام الجاري 2026م، أما فيما يتعلق بزيادة استخدام السيارات الكهربائية، فإن “جمعية تطوير النحاس”، وهي جمعية دولية غير ربحية تشير إلى أن السيارات الكهربائية قد تحتاج لأكثر من ثلاثة أضعاف كمية النحاس التي تحتاجها نظيراتها التي تعمل بالبنزين أو الديزل.
ولا تتمثل المشكلة الرئيسة في الطلب المتصاعد فقط، بقدر ما تتمثل في محدودية الإمدادات، فإنتاج المناجم يشهد تباطؤًا واضحًا بفعل تراجع جودة الخام في المناجم الحالية، وارتفاع التكاليف التشغيلية، فضلًا عن هناك تعقيدات بيئية وتنظيمية ومالية تؤخر إطلاق مشاريع تعدين جديدة.
ولذلك، فإن تسارع الطلب الذي يتزامن مع محدودية العرض سيؤدي إلى “عجز بنيوي” قد يصل إلى ملايين الأطنان عام 2035م، وهو ما حذر منه محلل شؤون المعادن في وكالة الطاقة الدولية “شوبهان ذير” خلال المؤتمر السنوي لرابطة المعادن عام 2025م، حين قال إن النحاس قد يكون في أزمة خلال العقد المقبل، وأنه ربما يكون أكثر حلقات سلاسل الإمداد العالمية عرضة للأخطار، ومعتبرًا أن النقص في المعروض من النحاس لن يكون فقط بسبب الزيادة الهائلة في الطلب وإنما أيضاً بسبب معوقات زيادة الإنتاج.
ويبدو أن أهمية النحاس ستواصل الارتفاع في ظل التحولات الكبرى نحو الطاقة النظيفة، والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتوسع السيارات الكهربائية. ورغم التوقعات الإيجابية للطلب، فإن زيادة الإنتاج تواجه تحديات كبيرة مثل ارتفاع تكاليف الاستثمار، وتشديد القوانين البيئية، وتراجع الاستثمارات في قطاع التعدين. ومع ذلك، قد يشكل إعادة تدوير النحاس أحد الحلول الأساسية لتلبية الطلب المستقبلي وتقليل الأثر البيئي، مما يعزز دوره كمعدن استراتيجي لا غنى عنه في الاقتصاد العالمي.
