سنستعرض في هذا المقال تحركات البنوك المركزية، وخصوصًا البنك المركزي التركي وبنك الصين الشعبي، فيما يتعلق بشراء وبيع كميات من الذهب، بالإضافة إلى تأثير ارتفاع أسعار النفط على المعدن الأصفر ومنعه من لعب دور الملاذ الآمن.
نشطت البنوك المركزية في الفترة الأخيرة في مجال التداول بالذهب، سواء من خلال البيع أو الشراء أو حتى المقايضة. فمثلاً، شاهدنا البنك المركزي التركي يبيع ويبادل 118 طنًا من الذهب من مخزونه للحصول على الدولار وعملات أجنبية أخرى، بهدف الدفاع عن عملته، بالإضافة إلى السيطرة على ارتفاع معدلات التضخم التي تؤدي الى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين. ولكن في المقابل، يكون الثمن استنزافًا للاحتياطي النقدي الأجنبي بعد تدخلات عديدة في أسواق أسعار الصرف، وقد سُجِّل أكبر انخفاض احتياطي الذهب خلال 7 سنوات.
في المقابل، يؤثر ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير على ميزانيات الدول الناشئة، وخصوصًا مع ارتفاع سعر صرف الدولار، وبالتالي تتلقى هذه الدول ضربة مزدوجة مع ارتفاع سعر النفط والدولار في الوقت نفسه. أولاً من خلال فاتورة النفط، وثانيًا من خلال تدهور عملاتها مقابل الدولار، فتضطر مثلاً دولة ما إلى استنزاف احتياطاتها من الدولار للدفاع عن عملتها المحلية، بالتزامن مع ارتفاعات قياسية في أسعار المواد الأولية والأساسية، ما يؤثر بقوة على المستهلك العادي.
أما على صعيد الدولة نفسها، فيؤدي ذلك إلى تراجع الاحتياطي النقدي، ويُقاس خطورة هذا التراجع بعدد الأشهر التي يستطيع فيها تغطية احتياجات الاستيراد من السلع، الأمر الذي يعزز الاستقرار الاقتصادي ويؤمّن الاستقرار الاجتماعي.
مشتريات الصين من الذهب: هل تغيّر سلوك الشراء؟ في نظرة تاريخية على مشتريات بنك الصين الشعبي من الذهب في السنوات الأخيرة، يجب الانتباه إلى ثلاثة عوامل: أولاً نسبة الذهب من إجمالي الاحتياطيات، ثانيًا متوسط أسعار الذهب، وثالثًا الكميات التي يشتريها البنك.
كانت مشتريات عامي 2022م و2023م، قياسية للصين وللبنوك المركزية، إذ كانت الصين تشتري بسهولة شهريًا 25 إلى 30 طنًا بشكل متكرر، إلى أن أتى عام 2024م، حيث شهدنا فيه هبوطًا كبيرًا في مشتريات الذهب، بالإضافة إلى توقف الشراء لعدة شهور.
أما عام 2025م، فكانت المشتريات “خجولة”، إذ لم تتجاوز 5 أطنان، وفي أشهر كثيرة كانت المشتريات عند 1 أو 2 طن، وبالتالي فإن شهرًا واحدًا من عام 2022م كان يعادل تقريبًا كامل مشتريات عام 2025م. وحتى عندما أعلنت الصين عن مشتريات شهر مارس عن 5 أطنان، كانت هذه أعلى كمية خلال عام، ما يُعطي فكرة عن تراجع مشتريات الصين، رغم تراجع أسعار الذهب في الشهر نفسه بنسبة %12.
بالنسبة للأسعار، فمن الطبيعي أن ترتفع أو تتراجع قيمة احتياطي الذهب مع التقلبات التي تشهدها الأسعار، خصوصًا أن القيمة تأتي من الأسعار والكمية. لطالما كانت نسبة احتياطي الذهب من إجمالي الاحتياطات الصينية عند %2، ولكن مع المشتريات الكبيرة والارتفاعات القوية، رفعت الصين هذه النسبة إلى %10. فمثلاً تستطيع الصين بسهولة أن تشتري كميات كبيرة من الأسواق نظرًا لحجم احتياطها النقدي، ويمكنها في أي وقت رفع نسبة الذهب إلى أي مستوى تريده، مع امتلاكها نحو 3.4 تريليون دولار من الاحتياطيات الأجنبية.
بالتأكيد اخذت الصين في الاعتبار عدم انفلات الأسعار، ولكن رغم ذلك شهدنا ارتفاعات كبيرة في الأسعار خلال عامي 2024م و2025م، رغم التراجع الكبير في مشتريات البنك الشعبي الصيني. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه، رغم مشتريات البنوك المركزية، استطاع الدولار أن يلعب دور الملاذ الآمن الأول أثناء الحرب والتوترات الجيوسياسية، في حين لم تصمد أسعار الذهب، بل تعرضت لتراجعات شهرية بحوالي %12 بسبب ضغوط ناتجة عن الارتفاعات الحادة في أسعار النفط، بالإضافة إلى معدلات التضخم. وكان واضحًا أن أسعار الذهب لا تستطيع التعامل مع صدمة كبيرة في أسعار النفط.
وإذا عدنا إلى العلاقة التاريخية بين سعر برميل النفط وسعر أونصة الذهب، نجد أنه في السنوات الأخيرة، عندما كانت أسعار النفط بين 60 و70 دولارًا، وأسعار الذهب عند 1500 دولار، كانت الأونصة تشتري 21 برميلاً. ولكن عندما ارتفعت أسعار المعدن الأصفر إلى 2500 دولار، لم تتحرك كثيرًا أسعار النفط، مقابل ذلك، أصبحت الأونصة تشتري 38 برميلاً. ومع الوصول إلى مستويات 5000 دولار للأونصة، أصبح المركب بين الأونصة والبرميل عند 71 برميلاً، ثم وصلنا إلى مرحلة حلقت أسعار النفط فوق 100 دولار، وتراجعت أسعار الذهب إلى مستويات قريبة من 4000 دولار، وبالتالي تراجعت القوة الشرائية للأونصة مقابل البرميل من 71 إلى نحو 40. وإذا نظرنا إلى بعض المحطات التاريخية، وقت كورونا مثلاً، وصل المركب إلى 91 بسبب التراجع الحاد على الطلب بالنسبة للنفط، وكانت هذه أكبر كمية تستطيع الأونصة أن تشتري عددًا من البراميل. وإذا توقفنا عند محطة مهمة أخرى في الماضي، وهي قبل انفجار الأزمة العالمية عام 2008م وصلت أسعار النفط إلى مستويات فوق 131 دولارًا، وقتها الأونصة كانت تشتري 6 براميل فقط. إذًا تؤثر الارتفاعات الحادة لأسعار النفط بقوة على تحركات أسعار الذهب، لا بل نرى أن هناك صعوبة كبيرة للأونصة في التماسك لا بل يحصل تراجعات أيضًا.
