جهــــاز يخفــــض تكلفــــة إنتــاج الهيدروجين الأخضر إلى دولار واحد للكيلوجرام.
هيدروجين مياه البحر قفزة هائلة في مشهد الطاقة العالمي ويسرع خطط الوصول إلى الحياد الكربوني.
هل آن الأوان للبشرية التوقف عن النظر تحت أقدامها بحثًا عن الوقود في باطن الأرض؟ ففي مختبرات أستراليا، يقف العلماء أمام معدن سائل يلمع كالفضة يُدعى “الغاليوم”، فهو ليس عنصر كيميائي فحسب، بل المفتاح الذي يفتح الأبواب نحو وقود من نوع آخر؛ فبلمسة من ضوء الشمس يبدأ “الغاليوم” بالاندماج مع جزيئات الماء ليستخلص منها الهيدروجين النقي، محولاً مياه البحار المالحة والعذبة إلى وقودٍ أخضر يتدفق كشريان حياة جديد.
فما كان بالأمس خيالاً علميًا يسكن صفحات الروايات، بات اليوم حقيقة تُبنى على الشواطئ، فأصبحت الطاقة تأتي من اتحاد الشمس والماء، لترسم طريقًا نحو عالمٍ محايد كربونيًا، حيث الكفاءة العالية والتكلفة الزهيدة، والكنز الحقيقي الذي يولد من قلب الطبيعة.

الضوء ينتج الهيدروجين
ويُوصف الهيدروجين عادةً بأنه وقود المستقبل لقدرته على تخزين الطاقة المتجددة، ولأنه لا يُنتج سوى الماء عند احتراقه، ويُنتَج معظم الهيدروجين الأخضر اليوم عن طريق تحليل الماء المُنقّى باستخدام الكهرباء المُستمدة من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، وهو ما يستهلك كميات كبيرة من الطاقة ومياه عالية الجودة التي تفتقر إليها العديد من الدول، ويتجاوز النهج الجديد الذي طورته جامعة “سيدني” هاتين المشكلتين، إذ يسمح لأشعة الشمس بتسخين وتنشيط قطرات “الغاليوم” السائل مباشرةً في الماء العادي، بدلًا من الاعتماد على محطات التحليل الكهربائي الضخمة ومحطات تحلية المياه المُنفصلة.
ويقول المؤلف الرئيس للدراسة، الباحث “لويس كامبوس”، “إن الفريق يمتلك الآن طريقة لاستخلاص الهيدروجين المُستدام باستخدام مياه البحر، المتوفرة بسهولة، مع الاعتماد كليًا على الضوء لإنتاج الهيدروجين الأخضر”.
ويبقى استهلاك كميات كبيرة من الكهرباء والمياه النقية للغاية هما العقبتان الرئيستان اللتان تواجهان محطات التحليل الكهربائي المنتجة للهيدروحين الأخضر، حيث يصعب تنفيذها في المناطق الجافة، حيث يتنافس كل لتر من المياه العذبة مع موارد الشرب والزراعة.

جهاز مبتكر يخفض التكلفة
وفي السياق نفسه، حقق فريق بحثي بقيادة جامعة “كورنيل” الأمريكية، إنجازًا بارزًا في مجال تكنولوجيا الاستدامة، حيث نجح في ابتكار طريقة منخفضة التكلفة لإنتاج هيدروجين أخضر، باستخدام تقنية التحليل الكهربائي لمياه البحر باستخدام الطاقة الشمسية، فضلًا عن توفير مياه صالحة للشرب جراء هذه العملية.
وينتج جهاز التقطير الشمسي الهجين مع التحليل الكهربائي للماء حاليًا 200 ملليلتر من الهيدروجين في الساعة بكفاءة طاقة تبلغ %12.6 مباشرةً من مياه البحر تحت ضوء الشمس الطبيعي، ويُقدّر الباحثون أنه في غضون 15 عامًا، يُمكن لهذه التقنية خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر إلى دولار واحد للكيلوجرام (تبلغ حاليًا 10 دولارات للكيلوجرام)، وهي خطوة أساسية نحو تحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050م.
وذكر قائد الفريق البحثي، استاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة “كورنيل”، “لينان تشانغ”، أن “الماء والطاقة كلاهما ضروريان للغاية لحياتنا اليومية، ولكن عادةً، إذا أردنا إنتاج مزيد من الطاقة، علينا استهلاك مزيد من الماء، من جهة أخرى، نحن بحاجة إلى مياه الشرب، لأن ثلثي سكان العالم يعانون من ندرة المياه، لذا، ثمة عائق رئيس أمام إنتاج الهيدروجين الأخضر، وينعكس ذلك على تكلفته”. وأضاف: يُنتج الهيدروجين الأخضر عن طريق تحليل جزيئات الماء “عالي النقاء”، إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام التحليل الكهربائي، وتعود التكلفة المرتفعة إلى الكميات الهائلة من المياه النظيفة التي تتطلبها هذه العملية؛ إذ قد تصل تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر إلى عشرة أضعاف تكلفة إنتاج الهيدروجين العادي، لهذا السبب ابتكرنا هذه التقنية. فكرنا: ما هي أكثر الموارد وفرة على وجه الأرض؟ الطاقة الشمسية ومياه البحر موارد لا تنضب، بل هي موارد مجانية أيضًا، وتابع: “نريد تجنب انبعاثات الكربون والتلوث، وفي الوقت نفسه، نهتم بالتكلفة، فكلما انخفضت التكلفة، زادت إمكانية التوسع في السوق واعتماد هذه التقنية على نطاق واسع، ونعتقد أن هناك إمكانات هائلة لتطبيقها مستقبلًا”.

إنتاج الهيدروجين البحري
وفي بريطانيا وتحديدًا في جامعة “برونيل” في العاصمة لندن، وبالتعاون مع شركة “جينوا إتش 2″، تم إطلاق مشروع تجريبي لتحويل مياه البحر إلى هيدروجين وتخزينه بأمان على متن السفن والقوارب، ثم حرقه لتشغيل المحركات التي لا تُصدر سوى البخار.
ويعد هذا المشروع، أول نموذج تجريبي بحري مُتكامل للهيدروجين في بريطانيا، إذ يتم فصل الهيدروجين مباشرةً من مياه البحر، ثم يُخزن بأمان في درجة حرارة وضغط الغرفة، دون الحاجة إلى خزانات مضغوطة أو أنظمة تبريد فائقة البرودة كما هو معتاد، وذكرت البروفيسورة بجامعة برونيل، “شينيان وانغ”: “سيتم تحويل الماء إلى طاقة، سنأخذ مياه البحر، ونفصلها باستخدام الكهرباء المتجددة لإنتاج غاز الهيدروجين، ونخزنه على متن السفينة على شكل مادة صلبة جزيئية، ثم نحرقه في المحرك بدلًا من الديزل، دون انبعاث أي ثاني أكسيد الكربون”.
وقد أسفر هذا المشروع عن نظام جديد لمحركات الهيدروجين يعتمد على ابتكارين ذكيين، الأول هو استخدام أقطاب كهربائية قادرة على فصل الهيدروجين مباشرةً من مياه البحر، مما يُغني عن الحاجة إلى عمليات التحلية المكلفة، أما الثاني فهو استخدام “غشاء نانوي”، يحفظ الهيدروجين بأمان في صورة صلبة غير مضغوطة عند درجة حرارة الغرفة، دون الحاجة إلى تجميده عند درجة حرارة (-250 درجة مئوية) في خزانات ضخمة مضغوطة.

نقلة نوعية في الطاقة النظيفة
ومن بريطانيا إلى الصين، وعلى الضفة الغربية لمصب نهر اللؤلؤ في مدينة تشوهاي جنوب البلاد، يستخدم الباحثون الطاقة المتجددة ومياه البحر لخفض البصمة الكربونية لصناعة البتروكيماويات، عبر إنتاج الهيدروجين الأخضر، حيث يعمل علماء من جامعة بكين للتكنولوجيا الكيميائية والمؤسسة الوطنية الصينية للنفط البحري، على إنشاء محطة تجريبية لتحليل مياه البحر مباشرةً إلى أكسجين وهيدروجين.
ولطالما واجه اقتصاد الهيدروجين مفارقة جوهرية، فالوقود الأنظف على وجه الأرض يتطلب كميات هائلة من أثمن موارد الكوكب، ألا وهو المياه العذبة، لكن قد يكون إنشاء محطة لتحلية مياه البحر وإنتاج الهيدروجين في مقاطعة “شاندونغ” الصينية قد حلّ هذه المشكلة، ومن شأن ذلك أن يُسرع من وتيرة التحول العالمي نحو الهيدروجين واعتماد الطاقة المتجددة لسنوات.
ويمكن القول إن المحطة الصينية الجديدة في مدينة “ريتشاو” الساحلية ليست مجرد منشأة لإنتاج الهيدروجين، بل هي نقلة نوعية في استخدام الموارد وإنتاج الطاقة النظيفة، إذ تُحقق ما يُسميه الخبراء “اقتصادًا دائريًا ذا مدخل واحد وثلاثة مخرجات”، حيث تُنتج مياه عذبة فائقة النقاء بتكلفة 0.28 دولار للمتر المكعب (أرخص من تكلفة مياه الشرب في العاصمة بكين)، وهيدروجينًا أخضر بتكلفة 4.2 كيلوواط/ ساعة فقط للمتر المكعب من طاقة الإنتاج، ومحلولًا ملحيًا غنيًا بالمعادن لإنتاج المواد الكيميائية الصناعية، هذا ليس مجرد تحسين تدريجي في تكنولوجيا الهيدروجين، بل هو إنجازٌ ثوري يُغيّر أسس السوق لقطاع الطاقة النظيفة بأكمله، وفقًا لمختصين.

فرص استثمارية للشركات الناشئة
وأعلنت شركة “إكواتيك” الناشئة في مجال تكنولوجيا المناخ، التي تتخذ من ولاية كاليفورنيا الأمريكية مقرًا لها، عن جمعها 11.6 مليون دولار في جولة تمويل، تهدف إلى توسيع نطاق تقنية التحليل الكهربائي لمياه البحر التي تُمكّن من إزالة الكربون وإنتاج الهيدروجين الأخضر.
ونجحت الشركة التي تأسست عام 2021م، في تطوير عملية تحليل كهربائي لإزالة الكربون من الغلاف الجوي، مما يُسرّع قدرة المحيط على امتصاص وتخزين كميات هائلة من الكربون بشكلٍ دائم، مع إنتاج الهيدروجين كمنتج ثانوي ذي بصمة كربونية سالبة، حيث تعتمد على ضخ مياه البحر إلى محطة برية، واستخدام الطاقة المتجددة لفصلها إلى أربع تيارات: الهيدروجين، والأكسجين، والحمض، والقاعدة.
وبحسب الشركة، يُمكن استخدام الهيدروجين المُنتَج عبر تمرير تيار كهربائي في مياه البحر لاستبدال %40 من الطاقة المُستخدَمة في إزالة ثاني أكسيد الكربون، أو بيعه لاستخدامه في خفض انبعاثات الكربون في الصناعات التي يصعب تحقيق ذلك فيها، وتم تطبيق هذه التقنية في محطتين تجريبيتين في لوس أنجلوس وسنغافورة، كما أعلنت عن اعتزامها توسيع عملياتها وإنشاء محطة تجارية جديدة في كندا.
وأشار الباحث في جامعة “إكستر” البريطانية، “جوليان غريغوري”، إلى أنه في المستقبل وحين تنجح الدول في تحقيق الحياد الكربوني، سيتم الاعتماد على المصدرين الرئيسين للطاقة، وهما الهيدروجين الأخضر والكهرباء الخضراء، لكن تقلبات الطاقة المتجددة تعني ضرورة بناء قدرات فائضة لضمان الإمداد، ما يؤدي إلى فائض في الكهرباء عند تحسن الأحوال الجوية، ونظرًا لتكلفة تخزين الكهرباء على نطاق واسع، يُفضّل استخدام الطاقة الفائضة لإنتاج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي، مشيرًا إلى أن التحديات العلمية والاقتصادية الكبيرة التي تواجه أي جهة تسعى لإنتاج الهيدروجين الأخضر مباشرةً من مياه البحر، تتضمن ارتفاع التكلفة والحاجة إلى المعالجة المسبقة للمياه، بسبب التلف السريع للمعدات، لذا فإن هذه التقنية البديلة تدفع البعض للتساؤل عما إذا كان التحليل الكهربائي المباشر لمياه البحر “حلًا يبحث عن مشكلة”.
قفزة في مشهد الطاقة العالمي
وأكدت الخبيرة الألمانية في أسواق الطاقة “روزماري بوتر”، أن التجارب الأولية والأبحاث المتعلقة بتحويل مياه البحار والمحيطات إلى هيدروجين أخضر، تمثل قفزة هائلة في مشهد الطاقة العالمي، حيث إن الهيدروجين عنصر أساسي في عديد من خطط الوصول إلى الحياد الكربوني، ويُرسّخ ذلك مكانة مياه البحر كمصدر واعد لإنتاج الهيدروجين النظيف، ومن خلال جعل التحليل الكهربائي لمياه البحر مجديًا اقتصاديًا وتقنيًا، يُمكن لهذه الابتكارات تسريع الانتقال إلى مستقبل طاقة مستدام، من خلال تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وأضافت أنه في ظل سعي العالم الحثيث نحو التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، تُقدم هذه الابتكارات بصيص أمل لمستقبل أنظف وأكثر استدامة، مشددةً على أن إمكانية تسخير مورد مياه البحر الهائل لإنتاج الهيدروجين من شأنها أن تُغير مشهد الطاقة وتُسهم بشكل كبير في جهود إزالة الكربون العالمية.
ويؤكد مختصون أن القدرة على استخلاص الهيدروجين مباشرةً من مياه البحر باستخدام ضوء الشمس ومعادن قابلة لإعادة التدوير من شأنها أن تُخفّض التكاليف، وتفتح المجال أمام مزيد من الدول للانضمام إلى سوق الهيدروجين العالمي، وأشاروا إلى أن تخزين ونقل الهيدروجين من المسائل المعقدة، لذا فإن الموانئ والمراكز الساحلية المشمسة تعد مناسبة بشكل أكبر من محطات الطاقة في المناطق الداخلية، ففي الوقت الراهن لا تزال هذه الاستخدامات قيد التطوير، إلا أن هذه النتائج والتجارب العملية المتواصلة تساعد في توضيح الشكل الذي قد يبدو عليه نظام الطاقة منخفض الكربون في المستقبل.
