“فوكسكون” الصينية تستغنى عن 60 ألف عاملة لصالح أنظمة روبوتية مع خطط لأتمتة %30 من عملياتها.
“شاومي” تفتتح أكبر مصنع مظلم في العالم بطاقة إنتاجية تصل إلى 10 آلاف هاتف ذكي سنويًأ.
بالقرب من جبل “فوجي”، وخلف واجهات زجاجية معتمة، يمتد فضاء واسع من الصمت، فلا أضواء تنعكس على الأرضيات، ولا ضجيج لأقدام عمال، لكن خلف تلك الجدران، تدور عجلة إنتاج لا تهدأ؛ أذرع روبوتية تتحرك بدقة مذهلة، وخوارزميات ذكاء اصطناعي تدير المشهد بدقة متناهية، هنا انطلقت “المصانع المظلمة”.
ففي ظل تطور قطاع التصنيع السريع، يكتسب مفهوم “المصانع المُظلمة” زخمًا متزايدًا، حيث تسعى الشركات إلى معالجة التحديات التي تواجه أعمالها وقوى العمل لديها وعملياتها التشغيلية، وانطلاقًا من الحاجة إلى تعزيز القدرة التنافسية، وقابلية التوسع، والاستدامة، يستفيد هذا النوع المبتكر من المصانع من تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الإلكترونية لتحسين الإنتاج، ورفع كفاءة الطاقة، وتمكين عمليات تصنيع عالية الكفاءة.

الصين تتصدر المصانع المُظلمة
وعلى الرغم من أن شركة الروبوتات اليابانية العملاقة “فانوك”، هي أول من أنشأت مصنع مُظلم في العالم بالقرب من جبل “فوجي” في جزيرة هونشو عام 2001م، إلا أن الصين تتصدر حاليًا قطاع التصنيع الآلي، حيث تنتشر فيها المصانع المُظلمة بشكلٍ ملحوظ، وسط توقعات بأن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق مكاسب في قطاع التصنيع بقيمة 3.8 تريليون دولار بحلول عام 2035م، خاصةً في قطاعات الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية، حيث استبدلت العديد من الشركات الصينية الطواقم البشرية بأذرع روبوتية تعمل على مدار الساعة دون الحاجة إلى إجازات أو استراحات.
وقامت “فوكسكون”، الشركة الرائدة في المنتجات الإلكترونية، بتركيب أنظمة روبوتية في مصعنها بمدينة كونشان بمقاطعة جيانغسو، واستغنت عن 60 ألف عامل، مع إعلانها خطط عن أتمتة أكثر من %30 من كافة عملياتها خلال الفترة المقبلة، وكذا أعلنت شركة صناعة السيارات “بي واي دي”، عن تركيب أنظمة آلية في كافة خطوط إنتاج البطاريات وهياكل السيارات الكهربائية، وبفضل الروبوتات تمكن مصنع “جيتور أوتو” لصناعة السيارات في إنتاج سيارة كاملة في غضون 100 ثانية فقط، وأسهمت منصة “العقل الذكي” في خفض وقت التوقف عن الإنتاج بنسبة لا تقل عن %60.
وفي حي “تشانغبينغ” بالعاصمة بكين، افتتحت شركة “شاومي”، الرائدة في صناعة الإلكترونيات، ما يُمكن اعتباره أحد أكثر مرافق الإنتاج تطورًا في التصنيع الحديث، يمتد المصنع الجديد على مساحة 81 ألف متر مربع (أي ما يُعادل مساحة 11 ملعب كرة قدم تقريبًا)، ويتسم بالنشاط على مدار الساعة، دون وجود أي عنصر بشري في موقع العمل، حيث “لا أضواء.. لا فترات راحة.. لا تغييرات في الورديات”، فقط آلات تعمل بسلاسة في بيئة مؤتمتة بالكامل، لديها طاقة إنتاجية تصل إلى 10 ملايين جهاز سنويًا.

المهندسون زملاء “الروبوتات”
ومن الصين إلى الهند، وتحديدًا في المنطقة الاقتصادية بولاية “تاميل نادو”، لا صوت يعلو فوق صوت الأذرع الروبوتية وأدوات التنبيه الإلكترونية التي تعمل ليل نهار في مصنع شركة “بوليماتيك” للموصلات الإلكترونية، الذي يعد المصنع المُظلم الوحيد في البلاد، والذي تم إنشاؤه عام 2018م، ليضع الصناعة الهندية على أعتاب ثورة جديدة، حيث يشتمل على منظومة أتمتة فائقة ومبتكرة بشكل جذري، ويُنتج جيش من الآلات سلعًا بسرعة أكبر وبتكلفة زهيدة، دون المساس بالجودة.
وقال مدير شركة “بوليماتيك”، “فيشال ناندام”: “أريد أن يجلس المهندسون خارج أرضية المصنع، لا أريدهم أن يعملوا، فالآلات فقط هي التي يجب أن تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، مع استراحة لمدة 30 دقيقة مرة واحدة في السنة، أما المهندسون، فلا يلتزمون بنوبات عمل ثابتة”.
وذكر أحد مهندسي الشركة ويُدعى “دينيش إس”، 25 عامًا: “هذه تجربتي الأولى في العمل مع هذه الروبوتات، إنه أمر فريد ومختلف للغاية، لا يعمل المهندسون في المصنع طوال اليوم، ولا يبدأون دوامهم في الثامنة صباحًا على وقع صفارات الإنذار، بل يأتون لبضع ساعات، ويراقبون أي أعطال، لكنهم في الغالب يتركون الروبوتات وشأنها”، وقال إنه يعتبر هذه الروبوتات “زملاء”، حتى وإن لم يتناولوا الطعام معًا في غرفة الاستراحة أو يتبادلوا النكات عند مبرد المياه، لكن فيما بينهم، كل ومضة إشارة، وكل صفير مذكرة مكتبية.

التصنيع المدعوم بالذكاء الاصطناعي
ويؤكد مختصون أن المصانع المُظلمة يمكن اعتبارها جزءًا من زخم عالمي مُتزايد نحو التصنيع المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مع الأنظمة ذاتية التشغيل بالكامل، حيث تهدف الشركات إلى تحقيق ليس فقط الكفاءة التشغيلية، بل أيضًا معايير أعلى من الدقة والاتساق والقدرة على التكيف، فبينما يتطور الإنتاج الآلي منذ عقود، فإن أحدث التطورات تدمج رؤية الآلة والتحليلات التنبؤية والعمليات ذاتية التحسين على نطاق واسع.
وأوضح الشريك الإداري في شركة “إتش تيك” الأمريكية الرائدة في خدمات هندسة الذكاء الاصطناعي، “كريج ميلروز”، أن المصانع المُظلمة بدأت في الانتشار بشكلٍ كبير في مختلف دول العالم، ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، ما تقوم به شركة “فيليبس” في مصنعها لإنتاج شفرات الحلاقة في هولندا، حيث يُشغل أكثر من 120 روبوتًا المصنع بالكامل ولا يتطلب سوى أقل من 10 عمال لضمان الجودة، لافتًا إلى أن المصانع الأمريكية بدأت في تجربة الأتمتة بصورة متزايدة في السنوات الأخيرة، حيث أدى “كوفيد 19” إلى زيادة الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ومع ذلك، فإن التبني أبطأ، ولا يوجد مصنع مؤتمت بالكامل حتى الآن، وأقصى ما وصلت إليه في هذا الإطار، هو شركة “تسلا” التي أعلنت عن أتمتة %90 من عمليات مصنعها في ولاية نيفادا.

حجم سوق المصانع المُظلمة
وثمة توقعات بأن يصل حجم سوق المصانع المُظلمة إلى حوالي 104 مليارات دولار بحلول عام 2034م، صعودًا من 58.7 مليار دولار عام 2024م، بمعدل نمو سنوي مركب في حــــدود %7.7 خلال الفترة (2034-2025م)، مدفوعًا بمجموعة من العوامل، على رأسها تزايد الطلب العالمي على الأدوية والأجهزة الطبية، التي تتطلب بيئات إنتاج معقمة ومُحكمة ومؤتمتة للغاية، لافتة إلى أنه في ظل المنافسة الشديدة في قطاع التصنيع الحديث، يُعد تقديم منتجات متسقة وعالية الجودة أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على سمعة العلامة التجارية، ورضا العملاء، والامتثال للوائح التنظيمية، وعلى الرغم من مرونة المصانع التقليدية التي يديرها البشر، إلا أنها غالبًا ما تكون عرضة لتغيرات في الإنتاج نتيجة الإرهاق، أو الخطأ البشري، أو عدم اتساق ممارسات العمل، وبالتالي تقدم المصانع المُظلمة حلًا فعالًا لهذا التحدي.
وذكر الخبير الأمريكي المتخصص في الخدمات اللوجستية، “كيث بيوندو”، أن المصانع المُظلمة هي الهدف الأسمى للأتمتة الصناعية، مصنع مؤتمت بالكامل لدرجة أنه لا يتطلب وجودًا بشريًا يُذكر، فالبشر يحتاجون إلى الإضاءة، بينما لا تحتاجها الآلات، لافتًا إلى أنها تكتسب زخمًا متزايدًا بفضل عدة عوامل رئيسة، أبرزها نقص العمالة العالمي، وارتفاع تكاليف الموارد البشرية، وانخفاض تكاليف الأتمتة المتقدمة، وتأثير الذكاء الاصطناعي في تحسين تدفقات سلاسل التوريد.

تحديات تتعلق بشبكات الاتصال
وأوضح كبير الاقتصاديين في وكالة “موديز” للتصنيفات الائتمانية وخدمات المستثمرين، “ستيفن كوكرين”، أنه مع تسابق المصنّعين لتبني الأتمتة، غالبًا ما يهيمن الحديث على إمكانات الذكاء الاصطناعي، إلا أن البنية التحتية الحيوية للاتصال اللازمة لدعمه غالبًا ما يتم إهمالها، فبدون شبكات اتصال موثوقة تعمل على مدار الساعة، لا يمكن للمصانع المُظلمة أن تعمل، وتظل الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت درجة تطورها، تعتمد على نقل البيانات بسلاسة والمراقبة الآنية لتجنب توقف الإنتاج والأخطاء وحتى الأعطال التشغيلية.
وأضاف أنه مع استمرار تبني الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، يجب على المصنعين أن يدركوا أن الآلات الذكية لا يمكنها العمل بمعزل عن غيرها، سواءً كان ذلك للصيانة التنبؤية، أو تحليل الأداء، أو مراقبة الجودة، إذ يضمن الاتصال أن تتحدث الآلات لغةً واحدة عبر خطوط الإنتاج بأكملها، فبدونه، حتى أذكى الروبوتات تصبح عاجزة، مبينًا أنه مع دخولنا عصر التصنيع القائم على الذكاء الاصطناعي، يجب على المختصين النظر إلى الاتصال ليس كدور ثانوي، بل كركيزة أساسية للنجاح، حيث يُعيد الذكاء الاصطناعي والأتمتة تعريف مستقبل العمل، ولكن لكي تنجح هذه الفرص وغيرها من فرص الأتمتة في الصناعة، يجب إدراك أن الاتصال هو الرابط الحاسم الذي سيضمن مواكبة آلات المستقبل لرؤيتنا المستقبلية.
وبحسب مختصين، يُعد الاستثمار الأولي الباهظ اللازم لإنشاء بيئة تصنيع مؤتمتة بالكامل أحد أبرز عوائق تبنّي المصانع المُظلمة، إذ يتطلب تطبيق الروبوتات المتقدمة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الرؤية الآلية، وشبكات إنترنت الأشياء، وبنية تحتية للاتصال عالي السرعة، استثمارات كبيرة في البداية، وقد تكون هذه التكلفة باهظة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يُثنيها عن التحوّل من المصانع التقليدية التي يقوم بتشغيلها العنصر البشري، حتى بالنسبة للشركات الكبيرة، قد يستغرق عائد الاستثمار سنواتٍ ليتحقق، مما يُشكّل مخاطرة مالية، لا سيما في ظلّ ظروف السوق المتقلبة.

مشهد تصنيعي هجين
وحول مستقبل المصانع المُظلمة، ذكر الأستاذ في جامعة العلوم التطبيقية والفنون في سويسرا، “سوريش سورينثيران”، أن مسار تطور هذه المصانع يشير إلى ظهور مشهد تصنيعي هجين خلال العقد القادم، فبينما سيتجه الإنتاج الضخم بشكل متزايد نحو الأتمتة الكاملة، قد تحافظ القطاعات التي تتطلب حرفية متخصصة، أو حلولاً إبداعية للمشكلات أو مرونة عالية على مشاركة بشرية كبيرة، لافتًا إلى وجود توقعات بأن تصبح المصانع “هواتف ذكية مزودة بأذرع آلية”، تتميز بتكامل سلس بين الأجهزة والبرامج، واتخاذ قرارات قائمة على البيانات في جميع العمليات.
وأضاف أن ديناميكيات المنافسة في مجال الأتمتة الصناعية ستتأثر بشكل كبير بظهور شركات الحوسبة السحابية العملاقة كمشاركين بارزين في التحول الرقمي للتصنيع، وتشير توقعات نمو السوق إلى أن تطبيقات التوأم الرقمي قد تتجاوز معدلات النمو السنوية المركبة %40 حتى عام 2030م، بينما قد تنمو أسواق الجيل الخامس الصناعي بنسبة تتراوح بين %40 إلى %50 سنويًا، لافتًا إلى أن النجاح في هذا التحول يتطلب جهودًا منسقة بين الجهات المعنية في الصناعة، والحكومات، والمؤسسات التعليمية لتلبية احتياجات تنمية القوى العاملة، ووضع أطر تنظيمية مناسبة، وضمان توزيع فوائد الأتمتة بشكل عادل في جميع أنحاء المجتمع، مؤكدًا أن مستقبل التصنيع لن يعتمد فقط على القدرات التكنولوجية، بل أيضاً على مدى فعالية إدارة المؤسسات ذات الصلة للآثار الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية لهذا التحول الصناعي العميق.

