123 مليون زائر و304 مليارات ريال إنفاقًا سياحيًا يقودان المملكة نحو مستهدف 150 مليون زائر بحلول عام 2030م.
بعد تجاوز مستهدف 100 مليون زائر قبل الموعد، ارتفع سقف الطموحات إلى 150 مليون بحلول عام 2030م، ورفع الإنفاق السياحي لـ 650 مليار ريال.
قبل سنوات قليلة، كان بند السفر في ميزان المدفوعات يُسجل كأحد أكبر منافذ خروج السيولة إلى الخارج، مدفوعًا بإنفاق مرتفع للمواطنين على الرحلات الدولية. أما اليوم، فقد تحولت المعادلة بالكامل؛ إذ أصبحت السياحة واحدة من أهم روافع النمو الاقتصادي غير النفطي، وقصة نجاح تجسد التحولات المتسارعة التي تقودها رؤية المملكة 2030.
وتكشف الأرقام حتى منتصف عام 2026م عن قصة استثنائية؛ إذ لم تعد المملكة تكتفي بجذب ملايين الزوار، بل أعادت صياغة معادلة ميزان المدفوعات التاريخية، محققة فائضًا يقارب 50 مليار ريال في بند السفر، ومدفوعة بإنفاق سياحي وافد تجاوز 159.9 مليار ريال، مقابل 110.4 مليار ريال لإنفاق الرحلات الخارجية للمواطنين، في وقت تتسارع فيه الاستثمارات الفندقية والترفيهية والنقل الجوي بوتيرة غير مسبوقة.

ويعكس هذا التحول نجاح المملكة في بناء وجهات سياحية جاذبة قادرة على استقطاب الزوار من مختلف أنحاء العالم، وفي الوقت نفسه تعزيز بقاء جزء كبير من الإنفاق المحلي داخل الاقتصاد الوطني عبر الفعاليات الكبرى والمشروعات السياحية الجديدة.
ولم يكن هذا التحول الاقتصادي وليد الصدفة، بل جاء مدعومًا بأرقام غير مسبوقة؛ إذ استقبلت المملكة خلال عام 2025م، نحو 123 مليون سائح وزائر، منهم 93.3 مليون سائح محلي و29.7 مليون زائر دولي، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي نحو 304 مليارات ريال.
وأسهمت هذه القفزة في رفع مساهمة القطاع السياحي إلى %7.1 من الناتج المحلي الإجمالي، مع توفير أكثر من 1.2 مليون وظيفة، وتسجيل حضور متنامٍ للمرأة السعودية التي بلغت نسبة مشاركتها في القطاع %47.
واستمر الزخم خلال الربع الأول من عام 2026م؛ حيث استقبلت المملكة 37.2 مليون سائح خلال ثلاثة أشهر فقط، أنفقوا أكثر من 82.7 مليار ريال، في مؤشر واضح على تحول النشاط السياحي إلى محرك اقتصادي مستدام على مدار العام، بعيدًا عن الموسمية التقليدية.

أين يذهب إنفاق السياح؟
استحوذ قطاع السكن والضيافة على الحصة الأكبر من إنفاق الزوار الأجانب، بما يتراوح بين %35 و%40 من إجمالي الإنفاق، مدفوعًا بالنمو المتسارع للفنادق والمنتجعات الفاخرة والمشروعات الساحلية والبيئية الجديدة.
وخلال العامين الماضيين، حققت المملكة حضورًا عالميًا لافتًا في قطاع الضيافة؛ إذ أُدرج منتجع “شيبارة” في البحر الأحمر ضمن قائمة أعظم الأماكن في العالم الصادرة عن مجلة “تايم”، فيما حصدت “العلا” جائزة أفضل مشروع للسياحة الثقافية في الشرق الأوسط.
وجاء قطاع النقل والمواصلات في المرتبة الثانية مستحوذًا على ما بين %20 و%25 من الإنفاق، مدعومًا بالتوسع في الرحلات الجوية وشبكات النقل الحديثة، فيما حل قطاع الأغذية والمشروبات والمطاعم ثالثًا بحصة تراوحت بين %15 و%18.
كما استحوذ قطاع التسوق على نحو %12 إلى %15 من إجمالي الإنفاق، بينما ذهب نحو %10 إلى الترفيه والفعاليات الثقافية والمواسم السياحية، وفي مقدمتها موسم الرياض الذي استقطب أكثر من 17 مليون زائر خلال العام الماضي.

خارطة سياحية جديدة
وتواصل منطقة مكة المكرمة تصدرها للمشهد السياحي السعودي مستحوذة على نحو %27 من إجمالي الحركة السياحية، مدفوعة بالسياحة الدينية والجاذبية المتنامية لمدينة جدة، وتأتي الرياض في المرتبة الثانية بصفتها مركزًا رئيسًا لسياحة الأعمال والمؤتمرات والفعاليات الكبرى، فيما تواصل المنطقة الشرقية تعزيز مكانتها كوجهة مفضلة للسياحة العائلية والخليجية.
أما منطقة عسير، فقد رسخت حضورها كواحدة من أبرز الوجهات الصيفية في المملكة، مع تسجيل نسب إشغال مرتفعة للمنتجعات والفنادق خلال موسم الصيف، بينما حافظت المدينة المنورة والعلا على معدلات تشغيل فندقي تعد من الأعلى على مستوى المملكة..
بالتوازي مع التوسع السياحي، يشهد قطاع الطيران نموًا متسارعًا بعد تسجيل مطارات المملكة أكثر من 140.9 مليون مسافر، وربط المملكة بـ 176 وجهة دولية مباشرة.
كما تتواصل الاستعدادات لتشغيل المراحل الأولى من مطار الملك سلمان الدولي بالرياض، بالتزامن مع توسع الناقلات الوطنية وإطلاق العمليات التجارية لطيران الرياض، بما يعزز قدرة المملكة على استيعاب النمو المتوقع في أعداد الزوار خلال السنوات المقبلة.
بعد تجاوز مستهدف 100 مليون زائر قبل الموعد المحدد، رفعت المملكة سقف طموحاتها إلى 150 مليون زائر سنويًا بحلول عام 2030م، مع استهداف رفع الإنفاق السياحي إلى 650 مليار ريال.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن المملكة لا تعمل فقط على بناء قطاع سياحي متطور، بل تعيد تشكيل خريطة السياحة والضيافة العالمية من قلب الشرق الأوسط، عبر نموذج اقتصادي جديد يجعل السياحة أحد أهم محركات النمو والتنويع والاستدامة في العقود المقبلة.

السياحة أصبحت صناعة استراتيجية
ويرى عضو جمعية الاقتصاد السعودية، الدكتور عبدالله المغلوث، أن القطاع السياحي يعيش مرحلة ازدهار غير مسبوقة نتيجة المشروعات الكبرى التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الاقتصاد» إن تطوير السياحة لم يقتصر على إنشاء الوجهات والمشروعات الجديدة، بل امتد ليشمل البنية التحتية وخدمات الطيران وتأهيل الكوادر الوطنية، ما أسهم في خلق فرص عمل واسعة وتعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية.
وأكد أن السياحة أصبحت صناعة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الاقتصاد والثقافة والاستثمار، وتلعب دورًا محوريًا في تنويع مصادر الدخل ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني، وأشار إلى أن المنطقة الشرقية تمثل نموذجًا لهذا التحول، حيث تسهم الاستثمارات السياحية والترفيهية الجديدة في دعم التنمية الاقتصادية وخلق فرص استثمارية طويلة الأجل.

فرص استثمارية حتى 2030م
وفي موازاة النمو المتسارع، رسمت التقارير الرسمية خارطة طريق للفرص الاستثمارية المتاحة أمام القطاع الخاص حتى عام 2030م، بقيمة تتراوح بين 100 و150 مليار ريال.
وتتركز هذه الفرص في تطوير الفنادق والمنتجعات الفاخرة، وسياحة الشواطئ والمراسي البحرية، والمطاعم الراقية، وسلاسل الإمداد الغذائي، إضافة إلى المشروعات المرتبطة بالوجهات الجديدة في البحر الأحمر ونيوم والعلا، ويؤكد وزير السياحة، أحمد الخطيب، أن القطاع انتقل من مرحلة التركيز على زيادة أعداد الزوار إلى مرحلة تعظيم العوائد الاقتصادية الصافية، بما يعزز مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني ويولد تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي.

ما زلنا في بداية الطريق
ومن جانبه، يؤكد الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، الدكتور عبدالله بن ربيعان، أن قطاع الخدمات أصبح المحرك الرئيس للنمو غير النفطي، وأن اكتمال المشروعات السياحية الكبرى خلال السنوات المقبلة سيدفع القطاع إلى مستويات جديدة، وقال إن مشروعات الرياض وعسير والمنطقة الشرقية، إضافة إلى المشروعات المرتبطة بالطيران والنقل، ستعزز التنوع السياحي وتدعم زيادة الإنفاق المحلي والدولي، وأشار إلى أن إطلاق “طيران الرياض” ومشروعات المطارات الجديدة تمثل عناصر محورية في تعزيز الربط الجوي وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي للسفر والسياحة.
وأضاف أن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على تشييد المباني والمنشآت، بل يرتكز على بناء نموذج تشغيلي مستدام يستفيد من الهوية الثقافية السعودية ويحول المقومات الطبيعية إلى صناعة اقتصادية طويلة الأمد.

طموح يتجاوز الأرقام
وتحظى تجربة المملكة في قطاع السياحة بإشادة متزايدة من المؤسسات الدولية، التي ترى أنها أصبحت واحدة من أسرع أسواق السياحة نمواً على مستوى العالم، مدعومة بإصلاحات تنظيمية متسارعة واستثمارات ضخمة في البنية التحتية عززت قدرتها على استقطاب مزيد من الزوار وجذب الاستثمارات النوعية.
ومع تجاوز مستهدف 100 مليون زائر قبل موعده المحدد، رفعت المملكة سقف طموحاتها إلى 150 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2030م، إلى جانب استهداف رفع الإنفاق السياحي إلى 650 مليار ريال، في خطوة تعكس انتقال القطاع إلى مرحلة أكثر نضجًا واتساعًا.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن المملكة لا تطور قطاعًا سياحيًا تقليديًا فحسب، بل ترسم ملامح نموذج اقتصادي جديد يجعل من السياحة أحد الأعمدة الرئيسة للنمو المستدام، وأحد أبرز محركات التحول الاقتصادي الوطني خلال العقود المقبلة.

ويعزز هذا الاتجاه ما أجمعت عليه التقارير الدولية من أن قطاع السياحة بالمملكة يُعدُّ من أسرع محركات التحول الهيكلي نموًا عالميًا؛ حيث أشاد صندوق النقد الدولي بتحول القطاع إلى مصدر لفائض مالي مستدام أسهم في دعم ميزان المدفوعات وتقليص العجز في الحساب الجاري، مع الإشارة إلى أن استمرار الإصلاحات التنظيمية والتوسع في التأشيرات الإلكترونية وتطوير البنية التحتية سيعزز فرص تحقيق المستهدفات الطموحة.
وفي السياق نفسه، أوضح البنك الدولي أن التمويل الحكومي عبر صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية السياحي أسهم في جذب عدد متزايد من المشاريع السياحية الدولية، مع تركز الفرص في قطاعات الترفيه والضيافة والمطاعم في مناطق مثل العلا والدرعية وعسير، بما يدعم تنويع التنمية خارج المدن الرئيسة.
كما أعلن المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) أن المملكة أصبحت أكبر اقتصاد للسياحة والسفر في منطقة الشرق الأوسط خلال عامي 2025م، ومطلع 2026م، مع مساهمة بلغت 178 مليار دولار ونمو لافت في سياحة الأعمال والمؤتمرات، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن مشاريع نيوم والبحر الأحمر والعلا تُطور وفق معايير الاستدامة البيئية والنمو التحولي، بما يعزز موقع المملكة كنموذج عالمي في السياحة المستدامة.
