اقتصاديات

صندوق الثروة وثلاثية المستقبل: بيانات.. أدوية.. طاقة

لا ينظر الصندوق إلى مجالات البيانات والأدوية والطاقة بوصفها فرصًا استثمارية منفصلة، بل باعتبارها حلقات مترابطة ضمن منظومة اقتصادية جديدة.

استثمارات الصندوق أقرب إلى رهان استراتيجي طويل الأجل على القطاعات التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية عالميًا خلال العقود المقبلة.

 

عندما أقر مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة استراتيجيته الجديدة للفترة من (2026م2030-م)، لم يكن الأمر مجرد تحديث لخطة استثمارية أو إعلان عن أهداف مالية جديدة؛ إذ كان الإعلان أقرب إلى رسم خريطة للاقتصاد الوطني في العقد المقبل، فبعد سنوات ركز خلالها الصندوق على بناء المشاريع الكبرى وتوسيع قاعدة الأصول وتنويع الاستثمارات، جاءت الاستراتيجية الجديدة لتعلن دخول مرحلة مختلفة عنوانها: بناء منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على صناعة القيمة المستدامة وقيادة الاقتصاد نحو المستقبل.

وتبدو في تفاصيل الاستراتيجية الرسالة واضحة؛ بأن العالم يتغير بسرعة، ومراكز القوة الاقتصادية لم تعد تُقاس فقط بحجم الاحتياطات النفطية أو القدرات الصناعية التقليدية، بل بامتلاك التقنيات المتقدمة والقدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في سلاسل القيمة الجديدة، ولهذا السبب ركز الصندوق على الصناعات المتقدمة والابتكار والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي باعتبارها ركائز المرحلة المقبلة.

أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» طارق أمين، أن الشركة تخطط لإنشاء مركز بيانات بقدرة 6 غيغاواط

المسارات الأكثر تعبيرًا عن رؤية المستقبل

ومن بين عشرات القطاعات التي يستثمر فيها الصندوق محليًا وعالميًا، تبرز ثلاث مسارات تبدو الأكثر تعبيرًا عن المستقبل، وهي: البيانات، والأدوية، والطاقة.

وقد لا تكون هذه القطاعات هي الأكبر من حيث حجم الاستثمارات الحالية فحسب، لكنها تمثل في جوهرها المحركات الرئيسة للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة؛ فالعالم يتجه نحو عصر تصبح فيه البيانات المورد الأكثر تأثيرًا في صنع القرار الاقتصادي والتكنولوجي، فيما تتحول الصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية إلى ركيزة أساسية للأمن الصحي والتنمية البشرية، بينما تخوض أسواق الطاقة أكبر عملية تحول في تاريخها مع تسارع التوجه نحو الاستدامة ومصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.

ولا ينظر صندوق الاستثمارات إلى هذه المجالات بوصفها فرصًا استثمارية منفصلة، بل باعتبارها حلقات مترابطة ضمن منظومة اقتصادية جديدة، فالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، يعتمد على بنية ضخمة من البيانات ومراكز الحوسبة المتقدمة، كما أصبح عنصرًا متزايد الأهمية في تطوير الأدوية واكتشاف العلاجات الجديدة.

وفي المقابل، تحتاج الثورة الرقمية والتوسع في التقنيات الحديثة إلى كميات هائلة من الطاقة الموثوقة والنظيفة لتشغيل مراكز البيانات والبنية التحتية التقنية، وهكذا تتداخل هذه القطاعات لتشكل معًا خريطة الاقتصاد القادم.

ومن هذا المنطلق، تبدو استثمارات الصندوق في هذه المجالات أقرب إلى رهان استراتيجي طويل الأجل على القطاعات التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية عالميًا خلال العقود المقبلة، فالهدف لا يقتصر على تحقيق عوائد مالية أو تنويع مصادر الدخل، بل يمتد إلى بناء قدرات وطنية في الصناعات الأكثر تأثيرًا على المستقبل، وتعزيز موقع المملكة ضمن سلاسل القيمة العالمية التي يجري تشكيلها اليوم، ولذلك يمكن اعتبار البيانات والأدوية والطاقة بمثابة “ثلاثية المستقبل” التي تعكس بوضوح التحول الذي يقوده الصندوق من الاستثمار في الاقتصاد القائم إلى الاستثمار في الاقتصاد الذي لم يكتمل تشكله بعد.

وفي الواقع تشكل هذه القطاعات منظومة مترابطة ترسم ملامح الاقتصاد العالمي الجديد؛ فالبيانات هي العقل الذي يدير التكنولوجيا الحديثة، والأدوية تمثل استثمارًا في الإنسان باعتباره المحرك الأساسي للتنمية، بينما تبقى الطاقة القوة التي تشغل الاقتصاد وتحدد موازين التنافس الدولي.

صندوق الاستثمارات العامة و”جوجل كلاود” يطلقان مركزاب متقدماب للذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية

البيانات.. الاستثمار في عقل الاقتصاد الجديد

ربما لم يعد النفط وحده هو المورد الاستراتيجي الأهم في العالم، فاليوم تتنافس الدول والشركات على امتلاك البيانات بالقدر نفسه الذي كانت تتنافس فيه سابقًا على حقول النفط، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تضع استراتيجية الصندوق الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي في قلب أولوياتها المستقبلية.

وجاء إطلاق شركة “هيوماين” خلال عام 2025م، ليعكس هذا التوجه بوضوح؛ فالشركة التي أطلقها صندوق الاستثمارات العامة تستهدف تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة السحابية ومراكز البيانات المتقدمة، بما يجعل المملكة لاعبًا عالميًا في الاقتصاد الرقمي وليس مجرد مستهلك للتكنولوجيا.

هنا الرهان لا يتعلق بالتكنولوجيا فقط، بل بالسيادة الاقتصادية، فامتلاك مراكز البيانات وقدرات المعالجة والحلول الذكية يعني امتلاك جزء من البنية الأساسية للاقتصاد العالمي القادم، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من الصندوق باستثمارات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتقنيات الرقمية.

ولا يقتصر أثر هذه الاستثمارات على بناء قطاع تقني متطور، بل يمتد إلى إعادة تشكيل قطاعات اقتصادية كاملة، فالبيانات أصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في الصناعة والمال والرعاية الصحية والطاقة، فيما بات الذكاء الاصطناعي أداة رئيسة لرفع الإنتاجية وتسريع الابتكار وتحسين جودة الخدمات.

ومن هذا المنطلق، يسعى صندوق الاستثمارات العامة إلى ترسيخ موقع المملكة في قلب الاقتصاد الرقمي العالمي، عبر الاستثمار في البنية التحتية للبيانات والحوسبة المتقدمة والتقنيات الذكية. فالقيمة الاقتصادية في المستقبل ستعتمد بصورة متزايدة على المعرفة والبيانات والملكية الفكرية، وهو ما يجعل هذه الاستثمارات رهانًا طويل الأجل على القطاعات التي ستقود النمو العالمي خلال العقود المقبلة.

وبذلك لا تمثل البيانات قطاعًا مستقلاً فحسب، بل تشكل قاعدة أساسية تدعم تطور بقية القطاعات الاستراتيجية، من الأدوية والتقنيات الحيوية إلى الطاقة الذكية، ما يجعلها أحد أهم رهانات الصندوق على اقتصاد المستقبل.

توقيع عدة اتفاقيات لتوطين صناعة الأدوية في المملكة مع لايفيرا و شركة فايزر

الأدوية.. الأمن الصحي بوصفه استثمارًا استراتيجيًا

وإذا كانت جائحة كوفيد19- قد علمت العالم درسًا واحدًا، فهو أن الأمن الصحي لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي أو الأمن الوطني، ومن هنا يبرز قطاع الأدوية والتقنيات الحيوية باعتباره أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بمفهوم اقتصاد المستقبل.

وقد عكست توجهات الصندوق خلال السنوات الأخيرة إدراكًا متزايدًا لأهمية توطين الصناعات الدوائية ودعم الابتكار الطبي والتقنيات الحيوية، فالهدف لم يعد مجرد توفير الأدوية للسوق المحلية، بل بناء صناعة قادرة على المنافسة الإقليمية والعالمية، والاستفادة من النمو المتسارع في مجالات التكنولوجيا الحيوية والعلاجات المتقدمة.

ويمثل هذا القطاع نقطة التقاء مهمة بين العائد الاقتصادي والأثر الاجتماعي؛ فكل استثمار في الصناعة الدوائية يسهم في رفع جودة الرعاية الصحية، وتقليل الاعتماد على الواردات، وخلق وظائف عالية القيمة، وفي الوقت نفسه يفتح بابًا لصادرات مستقبلية قائمة على المعرفة والابتكار.

وتزداد أهمية هذا التوجه مع التحولات التي يشهدها قطاع الرعاية الصحية عالميًا، حيث تتجه الاستثمارات نحو العلاجات الجينية والطب الدقيق والتقنيات الحيوية المتقدمة، وهي مجالات يتوقع أن تقود النمو في صناعة الدواء خلال السنوات المقبلة. لذلك لا ينظر الصندوق إلى هذا القطاع باعتباره نشاطًا صناعيًا تقليديًا، بل كأحد روافد الاقتصاد المعرفي القادر على توليد قيمة مضافة عالية وتعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للابتكار الصحي.

وبهذا المعنى، فإن الاستثمار في الأدوية والتقنيات الحيوية يتجاوز مفهوم الأمن الصحي إلى بناء صناعة مستقبلية تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا والتصنيع المتقدم، وتدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي التي تسعى المملكة إلى تحقيقها ضمن رؤيتها طويلة المدى.

الطاقة.. من النفط إلى قيادة التحول العالمي

رغم كل الحديث عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا تزال الطاقة هي المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي، لكن ما يتغير اليوم هو شكل الطاقة نفسها، فالعالم يتجه نحو مزيج جديد يجمع بين النفط والغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتقنيات التخزين.

وتعكس استراتيجية الصندوق هذا التحول من خلال التركيز على منظومة “البنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه”، باعتبارها إحدى المنظومات الاقتصادية الست التي ستقود المرحلة المقبلة.

ولا يتعلق الأمر بالتخلي عن النفط، بل بتوسيع مفهوم الريادة في قطاع الطاقة، فالمملكة التي تعد من أكبر منتجي النفط في العالم تسعى أيضًا إلى أن تكون من أبرز المنتجين والمصدرين للطاقة النظيفة مستقبلاً، مستفيدة من مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وقدراتها الاستثمارية الضخمة.

وفي هذا الإطار، يستهدف صندوق الاستثمارات العامة تطوير قدرات المملكة في الطاقة النظيفة ضمن استراتيجيته التي تستهدف رفع أصول الصندوق إلى نحو 4.9 تريليون ريال، والمساهمة التراكمية في الناتج المحلي غير النفطي إلى 1.2 تريليون ريال، مع التركيز على القطاعات الواعدة ومنها الطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بها.

كما يراهن الصندوق على مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر وتقنيات التخزين، بهدف ترسيخ مكانة المملكة كمركز عالمي لإنتاج وتصدير الطاقة بمختلف أشكالها، وبذلك لم تعد الطاقة مجرد مصدر للإيرادات، بل أصبحت منصة للنمو الصناعي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، لتشكل الركيزة الثالثة في ثلاثية المستقبل إلى جانب البيانات والأدوية.

صندوق الاستثمارات العامة يعزز توطين صناعات الطاقة المتجددة في المملكة بإطلاق ثلاثة مشاريع مشتركة جديدة

ثلاثية تصنع اقتصاد 2030م وما بعده

وعند جمع هذه القطاعات الثلاثة معًا تتضح الصورة التي تحاول استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة رسمها. فالبيانات تمنح الاقتصاد الذكاء والكفاءة، والأدوية تستثمر في الإنسان وقدراته، والطاقة توفر البنية الأساسية للنمو والتوسع. إنها ليست مجرد قطاعات استثمارية منفصلة، بل منظومة متكاملة تمثل جوهر الاقتصاد العالمي القادم.

ولهذا يمكن النظر إلى الاستراتيجية الجديدة للصندوق باعتبارها انتقالاً من مرحلة بناء الأصول إلى مرحلة بناء المستقبل نفسه. فبين البيانات التي تعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي، والأدوية التي تعيد تعريف الأمن الصحي، والطاقة التي تقود التحول العالمي نحو الاستدامة، تتشكل ملامح نموذج سعودي جديد يسعى إلى أن يكون حاضرًا في الصناعات التي ستحدد شكل العالم خلال العقود المقبلة.