تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي غير النفطي لنحو 130 مليار بحلول عام 2040م.
كل ريال يُستثمر في التصنيع الطبي يولَّد أثرًا مضاعفًا في قطاعات النقل، التخزين المبرد، والمقاولات المتخصصة، ويُقدر هذا الأثر بنمو سنوي قدره %5 في الأنشطة المرتبطة.
في سباقٍ يُقاس بحجم التأثير على حياة الملايين، تمضي المملكة بخطى متسارعة نحو إعادة رسم خريطة الصناعات الطبية في المنطقة. فلم يعد الدواء مجرد منتج يُستورد لتلبية الحاجة، بل تحوّل إلى مشروع سيادي تُبنى عليه استراتيجيات الأمن الصحي، وتُحاك حوله شراكات عالمية، وتُضخ فيه استثمارات بمليارات الريالات. فمن خطوط إنتاج الأنسولين إلى مصانع اللقاحات، ومن المختبرات البحثية إلى الموانئ الذكية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: “صُنع في السعودية”… لا كشعار، بل حقيقة اقتصادية وصحية تتبلور على أرض الواقع.
تخوض المملكة سباقًا متسارعًا لترسيخ موقعها كقوة رائدة في منظومة التصنيع الطبي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستهدفة الانتقال من نموذج يعتمد على الاستيراد إلى منظومة قائمة على التوطين والابتكار.
وفي إطار مستهدفات رؤية 2030 لم يعد قطاع تصنيع الأدوية والأجهزة الطبية مجرد رافد لتنويع مصادر الدخل، بل أصبح ركيزة استراتيجية لتعزيز الأمن الصحي الوطني وضمان استدامة الإمدادات الحيوية.

نمو سوق الدواء السعودي
وتعتمد المملكة على دمج التقنيات الحيويـــــة المتقدمــــــــة مع استقطــــــاب الاستثمارات الضخمة لإنتاج حلول علاجية تحمل شعار “صُنع في السعودية”، وقد انعكس ذلك في نمو سوق الدواء السعودي، الذي تجاوزت مبيعاته في عام 2025م نحو 16.7 مليار دولار، ليصبح الأكبر في المنطقة. كما برزت قوة هذا القطاع من خلال القيم السوقية للشركات القيادية، التي تجاوزت قيمتها السوقية المليارات؛ حيث تبلغ القيمة السوقية لشركة “جمجوم فارما” نحو 10.54مليار ريال، بينما تتجاوز قيمة “سبيماكو الدوائية” حاجز المليار دولار، في حين تهيمن مجموعة “سليمان الحبيب” (التي تجمع بين تقديم الرعاية الصحية والتصنيع) بقيمة سوقية تصل إلى 89.18 مليار ريال.
ويسهم هذا القطاع بشكل مباشر في دعم الناتج المحلي، عبر صادرات سنوية تتجاوز 1.5 مليار ريال، واستثمارات رأسمالية في البنية التحتية والمصانع تخطت 10 مليارات ريال. ومن المتوقع أن يعزز “ملتقى الصحة العالمي” هذا الزخم عبر استقطاب استثمارات قد تتجاوز 124 مليار ريال خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تتحرك الدولة عبر ذراعها الاستثماري “لايفيرا” التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، لتأسيس شراكات استراتيجية تستهدف نقل المعرفة وتوطين الصناعات المعقدة، خاصة في مجالات الأنسولين والعلاجات الحيوية. وتُعد الشراكة مع “نوفو نوردسك” نموذجًا بارزًا، حيث تهدف إلى توطين إنتاج سبعة أنواع من الأنسولين لتغطية نحو %80 من الطلب المحلي بحلول عام 2027م، كما وقّعت الشركة اتفاقيات مع شركات عالمية مثل “فايزر” و”سانوفي” و”GSK” لإنشاء منصات تصنيع تعاقدي تجعل من المملكة مركزًا تصديريًا للأسواق الآسيوية والأفريقية، كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي غير النفطي لنحو 130 مليار بحلول عام 2040م.

124 مليار ريال حجم الاستثمارات في القطاع
ولا تقتصر آثار هذا التوجه على القطاع الصحي فحسب، بل تمتد إلى قطاعات متعددة، في مقدمتها الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، حيث يولد كل ريال يُستثمر في التصنيع الطبي أثرًا اقتصاديًا مضاعفًا، مع نمو سنوي يُقدّر بنحو %5 في الأنشطة المرتبطة. كما يسهم في تعزيز البحث العلمي من خلال ربط الجامعات بالمصانع، وتحويل الابتكار إلى منتجات تجارية، إضافة إلى خلق وظائف نوعية تدعم الاقتصاد المعرفي.
ومع وصول حجم الاستثمارات في قطاع الصحة إلى أكثر من 124 مليار ريال بحسب ملتقى الصحة الأخير، انتعشت الصناديق الاستثمارية التي تبحث عن فرص في شركات التكنولوجيا الطبية، علاوة على التأمين الصحي الذي يسهم توطين الدواء في تقليل التكاليف على شركات التأمين، مما ينعكس إيجابًا على أسعار التأمين للمواطنين والمقيمين.
وفي هذا السياق، يؤكد المدير التنفيذي لشركة نبض للصناعات الطبية، الدكتور سعيد الشمري، أن الجهود الحكومية لتوطين صناعة الدواء تتكامل بين عدة جهات، مشيرًا إلى أن السوق لا يزال يحمل فرصًا واسعة للنمو. ويقول: “الكل يعمل لتوسيع دائرة التصنيع، ولكن ما زالت هناك فرص كبيرة، فعدد الأدوية ضخم، وحتى مع توسع المصانع، لا تزال هناك آلاف المنتجات التي لم تدخل حيز التصنيع المحلي بعد”.
ويضيف: “المصانع في السعودية لن تقتصر على تلبية الطلب المحلي، بل ستخدم أسواق المنطقة، وهو ما يعني أن السوق ما زال بعيدًا عن مرحلة التشبع، مع وجود فرص استثمارية واتفاقيات جديدة بهوامش ربح مجزية”، ويشدد الشمري على أن الوصول إلى مستويات تغطية متقدمة بحلول 2030م ممكن، لكنه يلفت إلى أن صناعة الدواء تتطلب وقتًا واستثمارات كبيرة، خاصة في جانب البحث والتطوير، الذي يحتاج إلى بنية تحتية متقدمة ومراكز أبحاث متخصصة.
وتستهدف رؤية 2030 إحداث تحول جوهري في القطاع الصحي، عبر رفع مساهمة القطاع الخاص إلى %65، وتوطين %40 من صناعة الأدوية، ولا يقتصر هذا التوجه على زيادة الإنتاج، بل يهدف إلى بناء منظومة صحية متكاملة تضمن استدامة الدواء بجودة عالية وتكلفة أقل، وتمنح المملكة موقعًا متقدمًا في صناعة التكنولوجيا الطبية عالميًا.

الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية
وفي الإطار نفسه، تعمل الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية على تطوير منصة متكاملة للتصنيع الحيوي، لتحقيق الاكتفاء الذاتي في اللقاحات والمستحضرات الحيوية، مع استهداف سوق بقيمة 35 مليار دولار بحلول 2040م، كما تركز على توطين %90 من احتياجات المشتريات الحكومية من الإنسولين واللقاحات ومشتقات البلازما، مع اعتبار الأدوية والأجهزة الطبية قطاعات ذات أولوية.
ولتحقيق هذه الأهداف، عززت المملكة البيئة التنظيمية عبر تسهيل الإجراءات وإطلاق نظام “غد” لتسريع التراخيص، إلى جانب تطوير بنية تحتية صناعية متقدمة في مدن مثل “مدينة سدير للصناعة والأعمال”.
وتسير المملكة عبر مسارات متوازية تشمل تطوير التقنيات الحيوية، وتوطين صناعة الأجهزة الطبية، وتعزيز البحث والتطوير من خلال شراكات بين الجامعات والمراكز العالمية، بما يدعم إنتاج حلول علاجية مبتكرة محليًا. كما يركز التوجه على نقل المعرفة وخطوط الإنتاج من الشركات العالمية، بدعم من الحوافز الحكومية والمناطق الاقتصادية الخاصة.
ومن جانبه، يرى عضو مجلس إدارة مصنع نطاق الإنجاز للصناعات الدوائية، المهندس مشاري العتيبي، أن توطين الصناعات الطبية يمثل تحولًا نوعيًا من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد قائم على الابتكار. ويقول: “هذا التوجه يعزز السيادة الصحية ويمنح المملكة القدرة على الاستجابة المستقلة للتحديات الصحية”، ويضيف بقوله هناك عدة قطاعات تستفيد من هذا التحول، مثل التقنية الحيوية، والصناعات الدوائية، والأجهزة الطبية، إضافة إلى الخدمات اللوجستية والبحث والتطوير، وهي جميعها قطاعات واعدة، كما يشير إلى أن قطاع سلاسل الإمداد يشهد نموًا متسارعًا، خاصة في مجالات النقل والتخزين المبرد، بما يدعم التوسع التصديري، ويعزز ارتباط البحث العلمي بالاحتياجات الصناعية.
وعلى صعيد البنية الصناعية، ارتفع عدد مصانع الأدوية في المملكة إلى نحو 84 مصنعًا، تغطي نحو %28 من قيمة السوق و%42 من حجم الوحدات، فيما تجاوزت صادراتها 1.5 مليار ريال، كما بلغ عدد مصانع الأجهزة والمستلزمات الطبية نحو 148 مصنعًا، باستثمارات تتجاوز 3.1 مليارات ريال.
وتبرز شركات محلية وإقليمية كقادة لهذا التحول، مثل “سبيماكو” كواحدة من الشركات الرائدة في المجال، وتغطي مبيعاتها حصة سوقية كبيرة (تجاوزت %15 في بعض الفئات مؤخرًا)، كما دشنت شركة “سبيماكو بايو” المتخصصة في الأدوية الحيوية، وأيضًا “تبوك للصناعات الدوائية” ذات الحضور الإقليمي الواسع وتنتشر منتجاتها في أكثر من 17 دولة، وشركة “جمجوم فارما” التي لديها حضور قوي في الأسواق الإقليمية، إلى جانب شركات التقنية الحيوية مثل “Saudi Bio” التي تعمل على توطين إنتاج الأنسولين وأدوية السرطان بالتعاون مع شركاء دوليين.

الشركات العالمية تعزز حضورها داخل المملكة
وفي المقابل، عززت الشركات العالمية حضورها داخل المملكة، مثل “فايزر” و”سانـوفــــــــي” و”GSK” و”نوفـارتـــــــــــس” و”أمجين”، من خلال نقل المعرفة وتأسيس مراكز علمية، بما يدعم بناء منظومة متكاملة للتصنيع والابتكار. ولا تقتصر هذه النهضة على الأدوية، بل تشمل أيضًا قطاع الأجهزة والمستلزمات الطبية، حيث برزت شركات وطنية، وتم تدشين مصانع متخصصة، من بينها أول مصنع لإنتاج قفازات النيتريل، في خطوة تعزز الاكتفاء الذاتي.
ورغم هذا التقدم، لا تزال رحلة التصنيع الطبي في المملكة في طور التصاعد، مع توقعات بأن تشهد السنوات المقبلة توسعًا أكبر، مدفوعًا بالبنية التحتية المتطورة والاستثمارات الضخمة، وتشير الخطط إلى أن العامين القادمين سيشكلان نقطة تحول، مع بدء التشغيل التجريبي لمصانع اللقاحات والأدوية الحيوية، يليها الإنتاج التجاري للأنسولين ومشتقات البلازما بحلول عام 2027م، تمهيدًا لمرحلة التصدير المكثف بعد عام 2028م.
وبين طموح الاكتفاء الذاتي والانطلاق نحو الأسواق العالمية، تفتح هذه التحولات آفاقًا واسعة لاستثمارات نوعية في مجالات التصنيع الحيوي، والتقنيات الطبية المتقدمة، وسلاسل الإمداد الذكية، ما يعزز جاذبية القطاع أمام رؤوس الأموال المحلية والدولية على حد سواء. ومع تسارع وتيرة نقل المعرفة وتوطين التقنيات، تبدو المملكة مهيأة للدخول في مرحلة جديدة تتجاوز تلبية الطلب الداخلي إلى ترسيخ حضورها كمصدر رئيس للمنتجات الطبية عالية الجودة.
وفي هذا السياق، لا تقف حدود الطموح عند بناء قاعدة صناعية قوية، بل تمتد إلى تشكيل منظومة متكاملة قادرة على الابتكار والتصدير والمنافسة عالميًا. وهكذا، ترسم المملكة ملامح ثورة صناعية طبية لا تعيد تشكيل القطاع الصحي فحسب، بل تعريف دور الاقتصاد الوطني في معادلة الأمن الصحي العالمي، بوصفه شريكًا فاعلًا ومؤثرًا في مستقبل الرعاية الصحية على مستوى العالم.
