وصفها العالم الأمريكي، دكتور “مايرون تريبوس”، بأنها أول شركة ذات طابع عائلي استطاعت أن تسبق ممارسات إدارة الجودة الحديثة بما لا يقل عن نصف قرن؛ قائلاً: (إنها النموذج الرائع لما يُسمى بإدارة الجودة)، إنها شركة “باتا” للأحذية التي أنشأها “توماس باتا” وأخيه أنطونين وأخته أنَّا منذ أكثر من 120 عامًا وتحديدًا عام 1894م في بلدة زلين الواقعة في مورافيا بجمهورية التشيك الحالية.
ويتألف هيكل الشركة حاليًّا من ثلاثة أقسام رئيسة: باتا أوروبا ومقرها في إيطاليا، باتا الأسواق الناشئة (آسيا ودول المحيط الهادئ ودول أمريكا اللاتينية) ومقرها في سنغافورة، باتا للأحذية المهنية والصناعية ومقرها في هولندا.
وتُصنَّع “باتا” وتبيع وتوزَّع جميع أنواع الأحذية ولوازمها في ما يربو عن 70 بلدًا وتتوزع مصانعها على 26 بلدًا، وقد دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية لبلوغ مبيعاتها من الأحذية 14 بليون حذاء، بوصفها أكبر شركة لبيع الأحذية وصنعها، ويوجد مقرها الأساسي في مدينة لوزان بسويسرا، وأصبحت واحدة من أكبر الشركات في العالم متعددة الجنسيات، ويعمل بها ما يزيد على 40 ألف موظف في 69 بلدًا، وتبيع أكثر من 60 مليون زوج أحذية كل عام، إلا أن الطريق كان وعرًا وشاقًا في بعض أجزائه، لا سيما فيما يتعلق بقضايا الخلافة؛ إذ تعطي “باتا” نموذجًا لأنماط التنازل عن مواقع السلطة التي يمكن أن تتكرر في الأجيال المتعاقبة، وكذا أهمية توقيت تنفيذ الخلافة.
وقد اعتمدت الشركة منذ نشأتها على الحداثة التقنية المستوحاة من تجربة شركات السيارات التي أنشأها هنري فورد، حيث أنشأت إلى جانب معاملها مدنا لسكن العمال ومرافق حياتية واجتماعية وثقافية للارتقاء بمستوى حياتهم، وقد أصبحت سريعًا إحدى أكبر الشركات العالمية المنتجة للأحذية.

عقبات خطيرة
وعلى مدى تاريخها، واجهت الشركة عقبات خطيرة، فبعد وفاة أنطونين استحوذ توماس باتا على الشركة في عام 1908م، جلب توماس اثنين من إخوته الأصغر، يان وبوهوش، إلى العمل، ومع الحرب العالمية الأولى استطاع أن يخلق توماس طلبًا متزايدًا على الأحذية العسكرية، وسرعان ما أصبحت الشركة تُعرف باسم العلامات التجارية الرئيسة للأحذية المعاصرة، كما أن توماس كان من أوائل الذين بادروا بتقديم نظام مشاركة الربح التي تحول جميع العاملين إلى شركاء يساهمون بنجاح الشركة وهو ما يكافئ اليوم حسن الأداء المستند إلى الحوافز والأسهم.
وفي عام 1932م، توفي توماش في حادث طائرة، وقام مالكين الشركة الابن والشقيقات الثلاث بفصل الرئيس التنفيذي الخارجي، وقرروا إحداث تغييرات في هيكل ملكية باتا، كان هدفهم هو الحفاظ على أفضل ما في قيم الشركة التاريخية وإتاحة بداية جديدة للشركة من خلال استراتيجية جديدة، وتوسّعت الشركة بشكل كبير حتى خلال فترة الكساد الكبير، ولكن أسفرت الحرب العالمية الثانية عن دمار كبير لأعماله، بعد أن تأسست الحكومات الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا ودول أُخرى في أوروبا الشرقية قاموا بتأميم الشركة.
المسؤولية الاجتماعية
وكانت الشركة سباقة في ممارسات المسؤولية الاجتماعية؛ إذ كان توماس يؤمن بأن الشرط الأول لنجاح الشركة واستمراريتها عبر الأجيال هو ألا يتم اعتباره ملكًا لك فقط، ويرى أن الشركة التي أنشأها ليست فقط أداة لتكوين الثروة، بل أيضًا وسيلة لدعم ومساندة تنمية المجتمع من خلال حركة الإصلاح المعماري والاجتماعي التي كانت رائجة في العشرينات من القرن الماضي، فأصبحت بلدة زلين محور التزام الشركة بخلق مجتمع حضري حديث وعصري من خلال الاستثمار في الهندسة المعمارية والمرافق المعاصرة، فقد زودت الشركة عمالها بالسكن والمدارس والمستشفيات والمكتبات والمرافق الترفيهية، وقضت رؤية توماش بأن تقدم الشركة جودة مقابل نقود العملاء وتحسن مستوى المعيشة في المجتمعات التي تعمل بها، وهذه الأهداف لا يزال يشار إليها بصورة متكررة في الاجتماعات العائلية.
تشكيل مجلس الإدارة
وأعادت الشركة تشكيل مجلس الإدارة مؤلف من سبعة أعضاء، ثلاثة من أفراد الأسرة وأربعة أعضاء من خارجها وفي ظل هذا الهيكل الجديد، أصبح مصير الشركة في أيدي أسرة باتا من جديد، واستطاعت الأسرة أن تنحي جانبًا المشكلات التي ثارت خلال سنوات الانتقال الطويلة من الجيل الثاني إلى الجيل الثالث، ما مكَّن ذلك الشركة من الانطلاق إلى الأمام بثقة أكير كشركة عائلية وبإحساس مشترك بالغاية.
وإن حالة باتا دليل حي على أن صراعات الخلافة الخطيرة ليس من الضروري أن تدمر شركة ما عائلية، لا شك أن شركة باتا للأحذية استفادت من القوة الجوهرية التي كانت تتمتع بها، وبدون ذلك كان من الممكن أن ينهار الانسجام الأسري والشركة معا. لقد اعتقد توم الابن بفضل بصيرته الثاقبة أنه سيأتي اليوم الذي يتولى فيه القيادة ويحدث تغييرًا في هيكل الملكية والحركة من أجل حماية الشركة.
ويبدو أن فطنة توماس باتا جعلته يؤسس لتوجه تبسيط الهيكل لتوفير مدخلات أكثر مباشرة لعملية اتخاذ القرار على مستوى الملاك العائليين، ووازن ذلك بتحقيق رقابة خارجية أكبر من خلال جعل أغلبية أعضاء مجلس الإدارة من المستقلين، هذا ما ضمن لهذه الشركة الاستمرارية عبر الأجيال.
