التوترات الجيوسياسية تأثيرها قد يفوق العوامل المالية الإيجابية، حتى في ظل تسجيل الشركات نتائج قوية، ولا تتوقف انعكاساتها عند حدود المشهد السياسي، بل تنتقل سريعًا إلى الأسواق عبر قنوات المخاطر.
انخفاض “تاسي” لا يعني أن جميع الشركات المدرجة تمر بالظروف نفسها، كما أن ارتفاعه لا يعني أيضًا أن جميع القطاعات تحقق الأداء نفسه، فإن قراءة المؤشر العام وحده غير كافية، وتحتاج إلى قراءة متكاملة.
في الأسواق المالية، لا تتحرك الأرقام على الشاشات بمعزل عن محيطها الاقتصادي؛ فصعود المؤشرات يعكس عادةً مستوى ثقة المستثمرين وشهيتهم للمخاطرة، في حين قد تكشف موجات التراجع عن مخاوف تتجاوز أداء الشركات والأسواق لتطال الاقتصاد العالمي والمشهد الجيوسياسي
وفي هذا السياق، تواجه السوق المالية السعودية اختبارًا جديدًا خلال العام الجاري، بعدما اصطدمت قوتها المتراكمة ببيئة إقليمية ودولية أكثر تقلبًا، فرضت ضغوطًا على أدائها وأعادت طرح أسئلة أوسع حول قدرتها على الحفاظ على جاذبيتها وعمقها، ومواصلة أداء دورها في تمويل الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات، في وقت تتغير فيه حركة السيولة وتتزايد حساسية المستثمرين تجاه المخاطر.
وبين مؤشرات اقتصادية تواصل تسجيل النمو، وسوق تعيد تسعير الأصول والمخاطر، تبرز الحاجة إلى قراءة ما وراء حركة المؤشر: كيف تشكلت قوة السوق السعودية؟ وما العوامل التي تحرك أداءها؟ وكيف تختبر التقلبات قدرتها على مواصلة مسار التطور والانفتاح الذي شهدته خلال السنوات الماضية؟

من جني الأرباح إلى إعادة تسعير المخاطر
خلال يناير 2026م، وبعد أداء قوي سجله مؤشر “تاسي” بارتفاع %8.5، مسجلاً أفضل أداء شهري له منذ يناير 2022م، بدأت السوق في التحرك نحو مرحلة أكثر تذبذبًا، مع ظهور عمليات جني الأرباح بعد المكاسب السريعة التي حققها المؤشر في بداية العام. فقد تجاوز ارتفاع “تاسي” %10 خلال الفترة من 7 يناير وحتى نهاية الشهر، وهو صعود دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية، قبل أن تتزايد ضغوط البيع في فبراير، ويتراجع المؤشر بنحو %1.9 إلى مستوى 10,947 نقطة في إحدى أبرز جلسات الهبوط خلال تلك المرحلة، وسط ضغوط طالت عددًا من الأسهم القيادية، وفي مقدمتها البنوك.
ويمكن أن تقدم هذه الحركة تفسيرًا أوليًا للتراجع؛ فالسوق التي ترتفع بسرعة تحتاج في كثير من الأحيان إلى مرحلة تصحيح، خصوصًا عندما تتحرك الأسعار بوتيرة أسرع من التوقعات بشأن الأرباح، إلا أن جني الأرباح لا يفسر وحده حجم التقلبات؛ لأنه إذ كان الأمر مجرد تصحيح فني بعد مكاسب قوية، لربما استقرت السوق بعد إعادة تقييم الأسعار.
غير أن التطورات اللاحقة كشفت عن تحول أعمق، تمثل في انتقال المستثمرين من التركيز على فرص الصعود إلى إعادة تسعير المخاطر، وهو انتقال يعني أن حركة السوق لم تعد مرتبطة فقط بمستويات الأسعار والأرباح، بل أصبحت أكثر حساسية للعوامل التي قد تغير توقعات المستثمرين بشأن البيئة الاقتصادية والمالية المقبلة.

الجغرافيا السياسية.. حين تتحول المخاطر إلى أسعار
ومن هنا، برز العامل الجيوسياسي بوصفه أحد أهم القنوات التي انتقلت عبرها حالة عدم اليقين إلى السوق، وهو ما أشار إليه محلل الأسواق في”XTB MENA”، ميلاد عزار، بأن تأثير التوترات الجيوسياسية قد يفوق تأثير العوامل المالية الإيجابية، حتى في ظل تسجيل الشركات نتائج قوية، وأن انعكاسات هذه التوترات لا تتوقف عند حدود المشهد السياسي، بل تنتقل سريعًا إلى الأسواق عبر قنوات المخاطر؛ إذ يعيد المستثمرون تقييم احتمالات تأثيرها في أسعار النفط والتجارة وسلاسل الإمداد والتضخم وتكلفة التمويل والنشاط الاقتصادي، وما قد تتركه هذه المتغيرات في النهاية على أرباح الشركات.
وبذلك، تتحول المخاطر الجيوسياسية من حدث خارجي إلى عنصر مباشر في تسعير الأصول؛ إذ لا ينتظر المستثمر تحقق التداعيات حتى يعيد بناء مراكزه، وإنما يتحرك استنادًا إلى احتمالاتها، وكلما ارتفعت درجة عدم اليقين، ارتفعت علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمر، ما قد يدفع إلى خفض تقييمات الأسهم حتى في ظل استمرار النتائج المالية الإيجابية للشركات.
ومن ثم، فإن التقلب الذي شهدته السوق لا يعكس بالضرورة تراجعًا في الأساسيات، بقدر ما يعكس اتساع نطاق العوامل التي تدخل في قرارات التسعير، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لأداء السوق السعودية، تتجاوز حركة “تاسي” نفسها إلى فهم العلاقة بين الأساسيات الاقتصادية، وتدفقات المستثمرين، ومستويات المخاطر التي تستوعبها السوق.

النفط.. الوجه الآخر للمعادلة
هذا وتتضاعف حساسية السوق السعودية عن أي سوق أخرى، وذلك بفعل الارتباط الوثيق بين الاقتصاد وأسواق الطاقة؛ فالتوترات الإقليمية، خصوصًا تلك المرتبطة بممرات الطاقة والتجارة، يمكن أن تدفع أسعار النفط إلى تحركات حادة، بما يخلق تأثيرات متباينة على السوق والاقتصاد في الوقت نفسه.
فارتفاع أسعار النفط قد يمثل عامل دعم للإيرادات والنشاط الاقتصادي، لكنه إذا جاء مدفوعًا بتصعيد جيوسياسي، فقد يتحول إلى مؤشر على ارتفاع مستوى المخاطر في المنطقة، بما يضغط على شهية المستثمرين للمخاطرة.
وهنا يحمل النفط وجهين متناقضين، دعمًا محتملاً للأساسيات الاقتصادية من جهة، ومصدرًا لزيادة حالة عدم اليقين من جهة أخرى، ولا يقتصر تأثير أسعار النفط على شركات الطاقة، وإنما يمتد إلى توقعات الإيرادات والإنفاق الحكومي والسيولة والاستثمار والنشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل حركة النفط أحد أهم المتغيرات التي تدخل في عملية تسعير الأصول السعودية، وتفسر جانبًا من سرعة تفاعل السوق مع التطورات الإقليمية والدولية.

السوق المالية ليست الاقتصاد
ومن منطلق أن الاقتصاد يقيس ما تحقق من إنتاج ونشاط واستثمار، بينما تنظر السوق المالية إلى ما قد يحدث غدًا، كأرباح الشركات المتوقعة، وتكلفة التمويل، وحركة السيولة، وأسعار النفط، وشهية المستثمرين للمخاطرة، وما إذا كانت الأحداث الجيوسياسية قد تجعل المستقبل أكثر كلفة أو أقل وضوحًا، ولهذا، فإن شاشة التداول قد تتحول في لحظات التوتر إلى مرآة لا تعكس قوة الاقتصاد وحدها، وإنما تعكس أيضًا درجة القلق بشأن ما ينتظر الاقتصاد.
وقد حقق الاقتصاد السعودي نموًا حقيقيًا بنسبة %4.5 خلال عام 2025م، فيما نما النشاط غير النفطي بنسبة %4.9، وهي مؤشرات تعكس استمرار قوة مسار التنويع الاقتصادي، وفي المقابل، أنهى مؤشر “تاسي” عام 2025م منخفضًا بنحو %12.8، وهو ما يكشف بوضوح أن نمو الاقتصاد لا ينتقل بصورة آلية إلى ارتفاع الأسهم، فالاقتصاد يمكن أن ينمو بسبب قطاعات أو أنشطة لا تمثل الأوزان الأكبر في المؤشر، بينما يمكن أن تتعرض شركات قيادية في قطاعات ذات وزن كبير لضغوط تؤثر في “تاسي” بأكمله.
وبالتالي، فإن المعادلة ليست نمو الاقتصاد يساوي ارتفاع السوق، بل هي أقرب إلى: نمو الاقتصاد ونمو الأرباح وتوقعات مستقبلية إيجابية وسيولة كافية ومخاطر مقبولة يساوي سوق أكثر قدرة على الصعود، وأي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يضغط على الأسهم، حتى إذا ظلت مؤشرات الاقتصاد الكلي إيجابية.
وهذه هي الصورة التي برزت في السوق السعودية خلال العام الجاري، فبعد بداية قوية دفعت مؤشر “تاسي” إلى تسجيل ارتفاعات لافتة في يناير 2026م، لم تستمر موجة الصعود بالوتيرة نفسها؛ إذ بدأت عمليات جني الأرباح، ثم دخل المؤشر في مرحلة أكثر تقلبًا، مع انتقال اهتمام المستثمرين من البحث عن فرص الصعود إلى إعادة تقييم المخاطر.
ولم تكن السوق بحاجة إلى تدهور مفاجئ في أساسيات الاقتصاد كي تتراجع، فخبر واحد يتعلق بالتوترات الجيوسياسية، أو تغير في توقعات أسعار النفط، أو تحرك في أسواق الفائدة العالمية، كان كافيًا أحيانًا لتغيير مزاج المستثمرين وإعادة ترتيب مراكزهم الاستثمارية.

الأرباح.. هل يتحول النمو الاقتصادي إلى قيمة للشركات؟
وثمة عامل آخر يراه كثير من محللي الأسواق المالية على أنه لا يقل أهمية عن العوامل السابقة، وهو أن المستثمر لا يشتري النمو الاقتصادي في حد ذاته، وإنما يشتري توقعات الأرباح المستقبلية للشركات، فقد تعلن شركة عن نمو قوي في أرباحها، لكن سهمها يتراجع إذا كان المستثمرون قد توقعوا نموًا أكبر، وبالمقابل ترتفع أسهم شركة رغم نمو محدود في أرباحها إذا جاءت النتائج أفضل من التوقعات أو ارتفعت تقديرات الأرباح المستقبلية، ولهذا فإن قوة الاقتصاد لا تكفي وحدها لدعم أسعار الأسهم، وبالتالي فإن المطلوب أن يتحول النشاط الاقتصادي إلى نمو مستدام في إيرادات الشركات وهوامش أرباحها، ثم أن يقتنع المستثمر بأن هذا النمو لم يتم تسعيره بالكامل في الأسعار الحالية، وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون الأسهم قد مرت بموجة صعود قوية؛ إذ تصبح توقعات المستثمرين أكثر ارتفاعًا، وتصبح أي إشارة إلى تباطؤ محتمل سببًا لإعادة التقييم.

تركيبة “تاسي” تضخم الحركة
ولا يمكن فهم حركة المؤشر دون النظر إلى تركيبته؛ فالشركات الكبرى، خصوصًا في قطاعات البنوك والطاقة والمواد الأساسية، تتمتع بأوزان مؤثرة في “تاسي”، ولذلك يمكن لتحرك مجموعة محدودة من الأسهم القيادية أن يغير اتجاه المؤشر العام بصورة واضحة، وفي جلسة 19 فبراير، على سبيل المثال، أسهم تراجع عدد من البنوك الكبرى في زيادة الضغط على المؤشر، ما يعني أن انخفاض “تاسي” لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات المدرجة تمر بالظروف نفسها، كما أن ارتفاعه لا يعني بالضرورة أن جميع القطاعات تحقق الأداء نفسه، وبذلك، تصبح قراءة المؤشر العام وحده غير كافية، وتحتاج إلى قراءة القطاع والأسهم القيادية والتدفقات والسيولة بالتوازي معه.

السيولة.. الحلقة بين الاقتصاد والسوق
ومن منظور أن الأسواق المالية لا تتحدد بالأرباح وحدها؛ إذ يتنافس الاستثمار في الأسهم مع أدوات أخرى، مثل الودائع والدخل الثابت والأسواق العالمية، وفقًا للعائد المتوقع والمخاطر وتكلفة التمويل، ولهذا تصبح أسعار الفائدة والسيولة من أهم العوامل التي تحدد جاذبية الأسهم، كما أن زيادة انفتاح السوق السعودية أمام المستثمرين الأجانب جعل حركة التدفقات الخارجية أكثر أهمية في تفسير حركة الأسعار.
وقد شهد يناير 2026م، مشتريات صافية من المستثمرين الأجانب بلغت نحو 5 مليارات ريال، فيما أظهرت بيانات فبراير الماضي استمرار المؤسسات الأجنبية في تسجيل مشتريات صافية بلغت نحو 3.7 مليار ريال، ما يشير إلى أن تراجع المؤشر لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه خروج جماعي للمستثمر الأجنبي من السوق، بل قد تعكس الحركة إعادة توزيع للاستثمارات بين القطاعات والأسهم، أو إعادة تقييم للفرص، أو انتقالًا مؤقتًا إلى أدوات استثمارية أخرى.
وهنا تظهر أهمية السيولة باعتبارها الحلقة التي تربط الاقتصاد بالسوق، فالاقتصاد قد يولد فرصًا استثمارية، لكن اتجاه الأموال هو الذي يحدد أي الأصول ستستفيد من هذه الفرص وفي أي توقيت.

سوق أكثر قوة.. ولكن أكثر انفتاحًا
هذه الحساسية لم تأتِ من فراغ، وإنما هي نتيجة طبيعية للتحول الكبير الذي شهدته السوق المالية السعودية خلال العقد الماضي، فمنذ إطلاق رؤية 2030 دخلت السوق السعودية مرحلة واسعة من التطوير ضمن برنامج تطوير القطاع المالي، استهدفت رفع كفاءة السوق وتعزيز دورها في تمويل الاقتصاد الوطني، وخلال الفترة من 2016م، حتى نهاية 2024م، ارتفعت الأرباح المجمعة للشركات المدرجة من 94.7 مليار ريال إلى 160.7 مليار ريال، باستثناء “أرامكو السعودية”، التي سجلت وحدها أرباحًا بلغت نحو 394 مليار ريال في 2024م.
كما شهدت السوق خلال هذه الفترة خطوات مهمة لتعزيز حضورها العالمي، إذ انضمت بين عامي 2017م و2019م إلى مؤشرات “MSCI” و”FTSE Russell” و”S&P Dow Jones”، ما ساعد على تعزيز حضورها بين الأسواق الناشئة وجذب مزيد من التدفقات الاستثمارية الأجنبية.
وجاء إدراج “أرامكو السعودية” في عام 2019م ليشكل محطة فارقة، رفع معها حجم السوق وقيمتها السوقية وأكد قدرتها على استيعاب إدراجات ضخمة، وبالتوازي، توسعت قاعدة الشركات والقطاعات المدرجة، وتطورت أدوات التمويل والاستثمار، وأصبحت السوق أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي وبخطط تمويل القطاع الخاص ومشروعات رؤية 2030.

ثمن الانفتاح.. سوق أكثر ارتباطًا بالعالم
لكن التطور يحمل معه نتيجة أخرى، فكلما أصبحت السوق أكثر انفتاحًا على المستثمرين العالميين، أصبحت أيضًا أكثر ارتباطًا بحركة رأس المال العالمية، ما يعني أن المستثمر في السوق السعودية لم يعد يتخذ قراره بناءً على الأخبار المحلية فقط، بل يضع في حساباته أيضًا اتجاهات الفائدة العالمية، وحركة الدولار، وأسعار السندات، وأداء الأسواق الناشئة، والمخاطر الجيوسياسية.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: أن الإصلاحات التي جعلت السوق أكثر جاذبية واستقطابًا لرأس المال العالمي جعلتها أيضًا أكثر حساسية لتغيرات رأس المال، ما لا يعني أن الانفتاح يمثل نقطة ضعف؛ بل على العكس، فهو أحد عناصر قوة السوق ونضجها، ولكن السوق الأكثر اندماجًا مع العالم تتلقى صدمات العالم بصورة أسرع، ولهذا يمكن النظر إلى بعض تقلبات 2026م باعتبارها جزءًا من عملية انتقال السوق السعودية إلى مرحلة أكثر نضجًا، لا باعتبارها دليلاً تلقائيًا على تراجع أساسيات الاقتصاد.
فعلى سبيل المثال، أدت جائحة كورونا، إلى جانب الانخفاض الحاد في أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، إلى موجة تراجع قوية في الأسواق، هبط معها مؤشر “تاسي” إلى نحو 5960 نقطة في مارس، مقارنة بنحو 8500 نقطة مطلع العام، ولكن مع إعادة فتح الاقتصادات العالمية وتراجع تداعيات جائحة كورونا، استعادت السوق المالية السعودية جزءًا من زخمها، مدفوعة بتحسن النشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط واستمرار تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي.

هل التراجع عثرة مؤقتة أم اختبار أعمق؟
ومن هذا المنطلق، فإن وصف ما يحدث في “تاسي” بأنه هبوط فقط يبدو قاصرًا عن تفسير المشهد؛ فالسوق تتحرك تحت تأثير مجموعة من العوامل المتداخلة: جني الأرباح بعد موجة صعود، إعادة تسعير للمخاطر الجيوسياسية، تقلبات النفط، حركة السيولة، توقعات الأرباح، أداء الأسهم القيادية، وتغير توجهات المستثمرين المحليين والأجانب.
وفي المقابل، يظل الاقتصاد السعودي مدعومًا بنمو الأنشطة غير النفطية والاستثمارات المرتبطة بمستهدفات رؤية 2030، وتوسع دور القطاع الخاص، وبالتالي فإن التراجع في السوق لا يقدم بالضرورة حكمًا على الاقتصاد، بقدر ما يعكس كيفية تسعير المستثمرين للمستقبل.
قوة تختبرها التقلبات
وعلى مدى السنوات الماضية رسخت السوق السعودية موقعها بوصفها أكبر سوق مالية في المنطقة من حيث القيمة السوقية، وأصبحت إحدى الأدوات الرئيسة لتمويل الشركات وجذب رؤوس الأموال ودعم التحول الاقتصادي، ولكن قوة السوق لا تقاس فقط بحجمها، وإنما بقدرتها على التعامل مع الاختبارات التي تأتي مع هذا الحجم.
ويبقى أن عام 2026م، يقدم واحدًا من هذه الاختبارات: اقتصاد يواصل النمو، بينما تواجه الأسهم ضغوطًا من خارج وداخل السوق؛ شركات تحقق أرباحًا، لكن المستثمرين يعيدون تقييم أسعارها؛ سوق تستقطب المستثمرين الأجانب، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر تأثرًا بحركة رأس المال العالمية، وهنا تتضح الإجابة عن السؤال الذي فرضته تقلبات “تاسي”؛ فالسوق السعودية لا تتراجع بالضرورة لأن الاقتصاد السعودي يتراجع، وإنما لأن الأسهم تسعر شيئًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا من النمو الاقتصادي الحالي.
إنها تسعر المستقبل، والأرباح المتوقعة، وتكلفة الأموال، والسيولة، وأسعار النفط، والمخاطر الجيوسياسية، وشهية المستثمرين للمخاطرة. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للسوق في المرحلة المقبلة لن يكون مجرد استعادة مستوى سعري معين، وإنما قدرتها على الحفاظ على العمق والسيولة وجاذبية الاستثمار، وتحويل قوة الاقتصاد السعودي إلى نمو مستدام في أرباح الشركات وقيمة استثمارية، مع امتصاص الصدمات القادمة من بيئة عالمية وإقليمية أكثر تقلبًا، وبينما يواصل الاقتصاد السعودي بناء محركات نمو جديدة، تظل شاشة السوق تطرح السؤال نفسه بصورة مختلفة كل يوم: هل تستطيع السوق أن تعكس قوة الاقتصاد، لا في أوقات الاستقرار فقط، وإنما أيضًا عندما تختبرها التقلبات؟
