رأي

المكاتب والعقول المبدعة!

من الطرائف أن أحد ملاك الشركات قديمًا أتى مبكرًا للتفتيش على الموظفين وحضورهم وانضباطهم قبل وجود الأنظمة الإلكترونية فوجد موظفًا عربيًا يبدو أنه لا يعرف اللهجة السعودية أو النجدية تحديدًا واقفًا في أحد الممرات فبادره بالسؤال: “ليش ما تجلس على ماصتك؟” فاحتار الموظف في الإجابة وبقي جامدًا، والرئيس يواصل السؤال ظانًا أن الموظف لا يكترث به واشتد به الغضب واستدعى مدير القسم ليعاقب الموظف، و”بعد أخذ ورد عَرف صاحب الحلال أن موظفه لا يعرف كلمة “ماصة” التي تعني المكتب!

أصل كلمة “ماصة” التي تطلق على الطاولة أو المكتب يعود إلى اللغة التركية من لفظ (Masa) والتي تعني الطاولة، وقد دخلت إلى بعض اللهجات العربية وتناقلها الناس وانتشرت قديمًا في بعض البلدان العربية للدلالة على طاولات الدراسة أو طاولات الطعام، وقل استخدامها أو انعدم حديثًا لصالح كلمة “طاولة” أو “مكتب”.

فلا زالت كلمة ” المكتب” سائدة رغم كل التطورات التي طالت أماكن العمل وبيئتها، وفي ظني أنها ستبقى لكن بإضافات حديثة مثل: (المكتب الافتراضي والمكتب المنزلي، وربما قريبًا المكتب الشريحة التي ستوضع في الرأس أو المعصم كما يخطط أباطرة التقنية والذكاء الاصطناعي).

انتقلت المكاتب أو أماكن العمل كثيرًا بين الأفكار والنماذج بدءًا من مكتب لكل موظف يكبر كلما كبر المنصب وليس انتهاءً في السعي إلى تحقيق التوازن بين الخصوصية والتعاون، ومرورًا بالمزج بين المساحات المشتركة والمكاتب الفردية، ثم بدأ تأثير التكنولوجيا التي لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت جزءًا من تصميم المكتب نفسه.

النقلة الحقيقية حدثت عندما أدرك أصحاب الأعمال أو مدراؤها أن المكتب ليس مكانًا لإنجاز العمل، إنه مكان الإبداع والتنافس، فالموظف الذي يشعر بالراحة النفسية يكون أكثر قدرةً على الإبداع لذلك أصبح تصميم المكاتب يُراعي عناصر مثل: (الإضاءة الطبيعية، والألوان المريحة، والمساحات الخضراء، ثم التأثير على الهوية المؤسسية لان بيئة العمل أصبحت تعكس قيم المؤسسة ورسالتها، وكل ما في هذه البيئة عناصر تترك أثرًا لدى الموظفين والزوار له علاقة جيدة في بناء الثقة والولاء).

مؤخرًا أصبح كثير من الشركات وربما الجهات الحكومية في معظم أنحاء العالم تعتمد على المكاتب المفتوحة، فقط لصغار الموظفين، ثم يغلق المكتب نسبيًا كلما ارتفعت الدرجة الوظيفية، بحيث يكون لمدير القسم مكتب شبه مفتوح، ولمدير الإدارة مكتب شبه خاص، ثم لمدير المجموعة أو القطاع مكتب خاص، والاعتقاد أن ذلك لزيادة الإنتاجية، وخفض التكاليف.

وإذا كانت البيئة المفتوحة تزيد الإنتاجية والإبداع فمن الأولى أن يكون قائد الفريق أول من يطبقها على نفسه، ولكن لأنه يعرف أنها في كثير من الحالات مشتتة للتركيز ومضيعة للوقت فهو يغلق على نفسه بابًا ليعمل وينتج أكثر ويتميز أكثر.

هذا ليس تعميمًا لكن واقع الحال يشير إلى أن بيئات العمل المفتوحة ذات التصميم غير المدروس يتعرض فيها الموظف إلى المقاطعة باستمرار من زملائه الذين يتذمرون من شيء أو هم سعيدون بشيء ويودون مشاركته من حولهم، وهذا يجعله أقل تركيزًا، وربما في بعض الحالات أقل إنتاجية.

اليوم لا يمكن إيجاد مكتب مغلق لكل موظف، لكن يمكن تصميم البيئات المفتوحة كما يجب بحيث تحقق نوعًا من الخصوصية النسبية، التي تساعد على التركيز والإبداع، وبعبارة أوضح يجب عدم التقتير عند تصميم هذه البيئة؛ لان بعض الشركات اعتبرتها “شطارة” أن تدمج بين الحداثة والتوفير.