1.8 تريليون دولار حجم سوق التقنيات النظيفة في العالم بمعدل نمو سنوي قدره 12.7% حتى 2030م.
19 مشروعًا استراتيجيا نظيفًا في العالم باستثمارات 43 مليون دولار خلال الستة أشهر الأولى من 2026م.
فرص استثمارية واعدة في الصناعات ذات الصلة بقطاع الطاقة المتجددة خاصةً مع دخول مشروعات الطاقة الشمسية والرياح الخدمة.
لم تعد الصناعات النظيفة مجرد خيار بيئي للمستقبل، بل أصبحت اليوم محور سباق عالمي لإعادة تشكيل الاقتصاد والصناعة؛ فمع تصاعد التحديات المرتبطة بأمن الطاقة وتقلبات الأسواق واضطرابات سلاسل التوريد، تتسارع جهود الدول والشركات لتطوير حلول صناعية منخفضة الكربون تحافظ على القدرة التنافسية وتفتح آفاقًا جديدة للنمو.
ومن الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة إلى الوقود النظيف، تشهد هذه القطاعات تدفقًا متزايدًا للاستثمارات، في تحول يعكس أن التكنولوجيا النظيفة لم تعد فقط وسيلة لخفض الانبعاثات، بل أصبحت فرصة اقتصادية واعدة ترسم ملامح الصناعة العالمية خلال السنوات المقبلة.

سوق التقنيات النظيفة
وثمة توقعات بأن يصل حجم سوق التقنيات النظيفة في العالم إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2030م، و1.2 تريليون دولار بنهاية العام الجاري، مقارنةً مع 916 مليار دولار عام 2024م، بمعدل سنوي مركب قدره %12.7 خلال الفترة (2026م- 2030م)، وتشمل السوق مجموعة واسعة من المنتجات المبتكرة، بما في ذلك تقنيات الطاقة المتجددة (تستحوذ على %62 من الإيرادات)، وتخزين الطاقة، والمركبات الكهربائية، ومعالجة المياه، وحلول إدارة النفايات.
ومن المتوقع أن يشهد قطاع حلول تخزين الطاقة أسرع نمو سنوي مركب حتى عام 2030م، ويعزى هذا النمو إلى التكامل مع أنظمة ومصادر الطاقة المتجددة، والتطورات الهائلة في تكنولوجيا البطاريات، والدعم الحكومي المتمثل في الإعانات والحوافز الضريبية، فعلى سبيل المثال، يتضمن قانون خفض التضخم الأمريكي (2022م)، إعفاءات ضريبية لأنظمة تخزين الطاقة المُستقلة تصل إلى %30، علاوةً على قطاع الإسكان، الذي من المتوقع أن يشهد نموًا ملحوظًا أيضًا، مدفوعًا بالوعي البيئي وتوفير تكاليف الطاقة.
فرص واعدة
وبحسب تقرير مؤسسة “ميشن بوسيبل بارتنرشيب”، وهي تحالف دولي غير ربحي، معني بإزالة الكربون من الصناعات الرئيسة، إنه خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، تم الإعلان عن 19 مشروعًا نظيفًا في العالم، باستثمارات تصل إلى 43 مليار دولار، وهو ضعف المُعدل المسجل خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وبرزت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كلاعبين رئيسين في قطاع الصناعات النظيفة العالمي، حيث تُسهم كل دولة بنقاط قوة مميزة.
وأضاف التقرير أن أنواع الوقود النظيف لقطاعي الطيران والشحن البحري تُعد من أكثر الفرص الاستثمارية الواعدة على المدى القريب في المنطقة، وعلى الصعيد العالمي، اتخذت تسعة مصانع لإنتاج الميثانول، وأربعة مصانع لإنتاج وقود الطيران المُستدام، وثلاثة مشاريع لإنتاج الأمونيا النظيفة قرارات استثمارية نهائية، مما يعكس تزايد الثقة التجارية في بدائل الوقود الأنظف.
ولا تقتصر آثار الاستثمار في الصناعات النظيفة على المشروع نفسه، إذ تمتد لتُحفّز نشاطًا اقتصاديًا أوسع يشمل توليد الطاقة النظيفة، وتطوير البنية التحتية، وتصنيع التقنيات، والخدمات اللوجستية، والإنتاج الصناعي التحويلي، كما تفتح هذه الاستثمارات أمام الشركات الإقليمية فرصًا متعددة للمشاركة في سلاسل القيمة العالمية الناشئة، عبر تطوير المشاريع، واقتناء التكنولوجيا النظيفة، وتقديم الخدمات الهندسية، وتعزيز قدرات التصنيع، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وخفض الانبعاثات، وجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والدولية.

استثمارات ضخمة
وأعلنت المفوضية الأوروبية مؤخرًا، عن تقديم منح بقيمة 400 مليون يورو لنحو 65 مشروعًا للتدفئة النظيفة الصناعية في جميع أنحاء القارة، بتمويل من صندوق الابتكار التابع للاتحاد الأوروبي، وهو جزء من الجهود المبذولة لخفض انبعاثات الكربون وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
ومن المتوقع أن تسهم جميع هذه المشاريع في منع انبعاث أكثر من 6.6 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون خلال العقد القادم، وذلك من خلال استبدال أنظمة التدفئة التي تعمل بالغاز الطبيعي ببدائل أنظف، ومن المستهدف أن تنتج هذه المشاريع حوالي 16.3 تيراواط/ ساعة من الحرارة الخالية من الكربون خلال السنوات الخمس الأولى لتشغيلها، وبقدرة حرارية تبلغ 766 ميغاواط، يُمكن لهذه المنشآت أن تُغني عن أكثر من 1.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي خلال تلك الفترة.
وفي الصين، أعلن بنك “إتش إي بي سي”، عن إطلاق حزمة تمويلية بقيمة 4 مليارات دولار، لدعم جهود الاستدامة والتحول للاقتصاد الأخضر في البلاد، من خلال دعم الشركات العاملة في قطاعي الطاقة النظيفة والتقنيات منخفضة الكربون على التوسع عالميًا، ضمن التزامه بتسهيل استثمارات بقيمة تتراوح بين 750 مليار دولار وتريليون دولار لهذا الغرض خلال العقد الحالي.
وأسهمت الصناعات النظيفة (الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية) بأكثر من ثلث نمو الناتج المحلي الصيني خلال عام 2025م، فضلاً عن زيادة في معدلات الاستثمار وصلت إلى %90، حيث بلغت قيمة قطاع الطاقة النظيفة وحده 2.1 تريليون دولار، يمثل هذا الرقم %11.4 من الناتج المحلي، كما بلغت الاستثمارات في هذا القطاع حوالي تريليون دولار، تُعادل أربعة أضعاف الاستثمارات في استخراج الوقود وتوليد الطاقة من الفحم والتي بلغت 260 مليار دولار.
ومن الصين إلى الهند، حيث يبلغ حجم الاستثمارات المستقبلية في الصناعات النظيفة حوالي 433 مليار دولار، وتحتل نيودلهي المرتبة الثالثة عالميًا في عدد مشاريع الصناعات النظيفة، بعد الصين والولايات المتحدة، والتي تتركز في قطاعات الوقود النظيف والكيماويات، حيث شهد القطاع توسعًأ بنحو %30، مدعوماً بزيادة الاستثمارات في الهيدروجين الأخضر، والتصنيع القائم على الطاقة المتجددة، والسياسات الصناعية التي تركز على أمن الطاقة، كما تستحوذ الأمونيا الخضراء حاليًا على الحصة الأكبر من المشاريع (بعدد 49 مشروعًا)، يليها وقود الطيران المستدام، والميثانول الأخضر، والألومنيوم منخفض الكربون.
مركز عالمي للهيدروجين الأخضر
وتتقدم المملكة بخطوات متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كمركز عالمي لصناعة الهيدروجين الأخضر، مستفيدةً من وفرة موارد الطاقة المتجددة، وموقعها الاستراتيجي القريب من أسواق الطيران العالمية وخطوط التجارة الدولية.
ويبرز مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، الذي تطوره نيوم بالشراكة مع Air Products وأكوا باور، كأحد أكبر مشاريع الطاقة النظيفة في المنطقة، إذ يستهدف إنتاج نحو 1.2 مليون طن من الأمونيا النظيفة سنويًا، مستقطبًا استثمارات دولية وشراكات تقنية متقدمة.
وتعكس مؤشرات السوق جاذبية قطاع التقنيات النظيفة في المملكة، إذ تتوقع شركة الاستشارات الأمريكية Grand View Research أن يصل حجم سوق التقنيات النظيفة في المملكة إلى 15.8 مليار دولار بحلول عام 2030م، مقارنةً بنحو 7.5 مليار دولار في عام 2024م، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ %13.7، وكانت تقنيات الطاقة المتجددة، ولا سيما حلول تخزين الطاقة، من أبرز القطاعات تحقيقًا للعوائد خلال عام 2024م.
وفي قطاع الهيدروجين، بلغ حجم السوق في المملكة نحو 1.6 مليار دولار خلال العام الماضي، مع توقعات بارتفاعه إلى 2.3 مليار دولار بحلول عام 2034م، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب %4 خلال الفترة (2026م2034-م)، مدفوعًا بالتوسع في تطبيقات الطاقة النظيفة، إلى جانب الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير القطاع، وفقًا لتقرير صادر عن مجموعة إيمارك للأبحاث والاستشارات.
وعلى المستوى العالمي، تواصل سوق الهيدروجين الأخضر تسجيل معدلات نمو قوية، وسط توقعات بارتفاعها بأكثر من %40 سنويًا حتى عام 2030م، لتصل إلى نحو 72 مليار دولار، في وقت تشير التقديرات إلى أن الهيدروجين الأخضر قد يسهم في استبدال %37 من إنتاج النفط العالمي بحلول عام 2050م.
ويأتي مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر في مقدمة المبادرات التي تعزز طموحات المملكة في هذا المجال، إذ يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة بقدرة تصل إلى 4 جيجاوات من محطات الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح، تشمل أكثر من 5.6 مليون لوحة شمسية وأكثر من 250 توربينة رياح، بما يسهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 5 ملايين طن سنويًا.
وفي إطار جهود بناء سلسلة قيمة محلية لصناعة الطاقة النظيفة، وقَّعت شركة المصافي السعودية “ساركو” مذكرة تفاهم غير ملزمة مع شركة “آللاي إنرجي” الصينية لإنشاء مصنع لإنتاج الأمونيا الخضراء داخل مدينة جازان الصناعية، في خطوة تستهدف توطين تقنيات الطاقة النظيفة وتعزيز القدرات الصناعية المرتبطة بالهيدروجين والأمونيا.

توطين الصناعات النظيفة
وأشار خبير الطاقة العالمي، “جيم كرين”، إلى أن المملكة تتمتع بمزايا عديدة تجعلها رائدة في مجال الصناعات النظيفة في الوقت الحالي وفي المستقبل، حيث تمتلك قاعدة موارد هائلة في مجال الطاقة المتجددة والمواد الأولية للوقود النظيف، بالإضافة إلى خزانات جيولوجية واسعة يمكن استخدامها لتخزين الكربون، كما تتميز بتركيز مصادر الانبعاثات بالقرب من مواقع التخزين، فضلًا عن أن الشركات والجامعات السعودية تضم كفاءات هندسية بشرية متميزة وخبرة مثبتة في نقل الطاقة وتحويلها، وفي استغلال الموارد الجيولوجية.
ومن المتوقع أن تشهد الصناعات ذات الصلة بقطاع الطاقة المتجددة نموًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة، حيث لم يعد القطاع في مراحله الأولى، فقد دخلت خمسة مشاريع للطاقة الشمسية حيز التشغيل في عام واحد، مضيفةً 3751 ميجاوات من القدرة الإنتاجية، ويضم القطاع حاليًا عشرة مشاريع طاقة متجددة عاملة بقدرة إجمالية للطاقة الشمسية تتجاوز 6151 ميجاوات، بالإضافة إلى محطة طاقة رياح بقدرة 400 ميجاوات، حيث تعمل المملكة على بناء بنية تحتية صناعية متطورة لإنتاج مكونات الطاقة المتجددة محليًا، وقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن ثلاثة مشاريع مشتركة جديدة تركز على توطين مكونات توربينات الرياح، والخلايا الكهروضوئية، وتصنيع رقائق الطاقة الشمسية، ويساهم هذا في خلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية، وتقصير سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز إمكانات التصدير على المدى الطويل.
