اقتصاديات المحميات الطبيعية

المحميات.. استثمار المستقبل

594 مليون دولار قيمة سوق سياحة الحياة البرية في المملكة بحلول عام 2034م بمعدل نمو سنوي %6.7.

المملكة تسعى لترسيخ مكانتها كوجهة عالمية للسياحة البيئية وسياحة الحياة البرية والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية.

 

في الساعات الأولى من الصباح، وقبل أن تَكسر أشعة الشمس سكون الصحراء، يظهر قطيع من المها العربي متجولاً في موطنه الطبيعي، بينما تحلق الطيور فوق أشجار المانجروف، وتتحرك الكائنات البحرية بين الشعاب المرجانية في مياه البحر الأحمر والخليج العربي، مشاهد كانت حتى وقت قريب تُروى بوصفها جزءًا من تاريخ الطبيعة في الجزيرة العربية، لكنها اليوم تعود إلى الواجهة بوصفها استثمارًا للمستقبل.

فلم تعد المحميات الطبيعية في المملكة مجرد مناطق مغلقة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض، بل تحولت إلى أصول اقتصادية تعيد تعريف العلاقة بين البيئة والتنمية؛ ففي الوقت الذي توسعت فيه المساحات المحمية برًا وبحرًا، وأُعيد توطين آلاف الحيوانات في بيئاتها الأصلية، برزت سياحة الحياة الفطرية كقطاع واعد يجذب الزوار والمستثمرين، مدعومًا بتنوع بيولوجي يضم أكثر من 65 نظامًا بيئيًا ونحو 12 ألف نوع من الكائنات الحية، هذا التحول يطرح سؤالاً جوهريًا: كيف أصبحت حماية الطبيعة استثمارًا اقتصاديًا؟ وكيف تحولت المحميات من تكلفة للحفاظ على البيئة إلى رافد للتنمية.

تنوع بيولوجي فريد

ووفقًا لتقرير مؤسسة “ديب ماركت إنسيت” لأبحاث السوق، من المتوقع أن تصل القيمة السوقية لاقتصاد سياحة الحياة البرية في المملكة إلى 594.5 مليون دولار بحلول عام 2034م، مقارنةً مع 333.1 مليون دولار في عام 2025م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %6.7 خلال الفترة (2026م2034-م)، وتحتل رحلات السفاري ومشاهدة الطيور والحيوانات البرية صدارة الرحلات السياحية بقيمة 150.6 مليون دولار، كما أشار إلى أن المملكة ساهمت بنسبة %1.45 في سوق السياحة البيئية العالمية في عام 2025م.

وكانت المملكة قد كثفت خلال السنوات الخمس الماضية، جهودها لحماية تراثها الطبيعي وإعادة تأهيله، حيث تمت إعادة إدخال أكثر من 10 آلاف حيوان محلي إلى مواطنها الطبيعية، في حين توسعت المناطق البرية المحمية لتشمل %18.3 من مساحة أراضي المملكة، وتغطي المناطق البحرية المحمية الآن %16.3 من بيئتها البحرية، مما يساهم في الالتزام الوطني بحماية %30 من المناطق البرية والبحرية بحلول عام 2030م.

ومن جانبه قال الخبير في مجال الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي، “ستيوارت ويليامز”، إن المملكة تقوم بأعمال رائدة في مناطق الحماية الطبيعية، حيث تزخر بتنوع بيولوجي فريد ورائع، يضم أنواعًا نباتية وحيوانية متنوعة، من حيوانات برية كالغزال والوعل والمها والنمر العربي الشهير، إلى كائنات بحرية مهددة بالانقراض كالشعاب المرجانية والأطوم.

ومؤخرًا أطلقت المملكة برنامج “وجهات الحياة الفطرية”، والذي يتيح لعشاق الحيوانات والطبيعة وجهات جديدة للاستمتاع بالحياة البرية والتعرف على التنوع البيولوجي الذي تذخر به المملكة، والتي تضم أكثر من 65 نظامًا بيئيًا وأكثر من 12 ألف نوع من الكائنات الحية.

وقد سلط الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الدكتور “محمد علي قربان”، الضوء على مبادرات إطلاق الحيوانات الفطرية في بيئاتها الطبيعية كمؤشر رئيسي على التقدم المحرز، إلى جانب توسيع المناطق المحمية برًا وبحرًا، لافتًا إلى أن الباقة الجديدة تتضمن تجارب سفاري، وخيارات موسعة لمراقبة الطيور، ومواقع مُخصصة لمشاهدة أنواع مختارة، منها محمية جزر فرسان، بالإضافة إلى فرص مشاهدة الحياة الفطرية في مناطق محمية مثل محمية الإمام سعود بن عبد العزيز الملكية، حيث يمكن للزوار أيضًا مشاهدة المها العربي.

 

ازدهار السياحة البيئية

وتُحرز المملكة تقدمًا مطردًا في إعادة النعام أحمر الرقبة إلى موائله الطبيعية داخل محمية الإمام عبدالعزيز الملكية، حيث تُعزز نجاحات التكاثر الجديدة دعم الجهود الوطنية للحفاظ على التنوع الإحيائي ودعم التوازن البيئي، والتي استقبلت بالشراكة مع محمية الملك خالد الملكية، أكثر من 800 ألف زائر على مدار ستة أشهر، مما يعكس تزايد الإقبال على السياحة البيئية والسفر الذي يركز على الحفاظ على البيئة، كما استقبلت محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية 35 نوعًا من الطيور والحيوانات البرية، ضمن برنامجها لإكثار الأنواع المهددة بالانقراض، والذي يتوافق مع المعايير الدولية، خاصةً أنها تعد من أغنى المحميات بالتنوع البيولوجي في المنطقة، وتمتد على مساحة 24.5 ألف كيلو متر مربع، وتضم 15 نوعًا من الموائل الطبيعية.

وتلعب محمية الملك سلمان الملكية (تُعد رابع أكبر محمية في العالم)، دورًا محوريًا في جهود المملكة لاستعادة الطبيعة والحفاظ عليها وحماية التنوع، من خلال توفير بيئات آمنة للحياة البرية والنباتات المحلية، ودعم أهداف الاستدامة الوطنية، ومن أبرز الانجازات في هذا الإطار، إعادة تأهيل أكثر من 750 ألف هكتار من الأراضي المتدهورة، واستعادة الغطاء النباتي، وغرس أكثر من أربعة ملايين شتلة في أرجاء المحمية.

عسير .. وجهة سياحية مميزة

وتبرز منطقة عسير الجبلية كإحدى أكثر مناطق المملكة تنوعًا من الناحية البيئية، حيث تمتد أنظمتها البيئية من قمم جبال السروات إلى سهول تهامة الساحلية، وقد أسهم مناخ المنطقة المعتدل نسبيًا وهطول الأمطار الموسمية في ازدهار غابات كثيفة من أشجار العرعر والزيتون البري والأكاسيا، فضلاً عن عديد من النباتات الطبية والعطرية، كما أنها تُعد ملاذًا مهمًا لأنواع الطيور المقيمة والمهاجرة، مما يجعلها من أغنى مناطق المملكة بالتنوع البيولوجي، مما يعزز مكانتها المتنامية كوجهة سياحية وبيئية مميزة.

وتُعدّ محمية جزر فرسان، إحدى أبرز مواقع التنوع البيولوجي في المملكة على البحر الأحمر، وتشتهر بأنظمتها البيئية البحرية، وطيورها المهاجرة، وحياتها البرية، بما في ذلك غزال العربي (الفرساني) المُهدد بالانقراض، مما يجعلها وجهة رئيسة للسياحة البيئية وأبحاث الحفاظ على البيئة.

وتأتي الخطوات المتواصلة لتطوير المحميات البرية، ضمن جهود أوسع نطاقًا لترسيخ مكانة المملكة كوجهة عالمية للسياحة البيئية وسياحة الحياة البرية، مع تعزيز الوعي البيئي والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، ونجحت المملكة بالفعل في تعزيز برامج الحفاظ على البيئة في السنوات الأخيرة، من خلال مشاريع ترميم واسعة النطاق للموائل، ومبادرات إعادة توطين الحياة البرية، وتوسيع نطاق المناطق المحمية.

 

فرص استثمارية متنوعة

ويبدو أن المملكة تتجه للاستفادة من النمو الكبير الذي يشهده سوق السياحة البيئية عالميًا، والذي بلغت قيمته نحو 284 مليار دولار في عام 2025م، مع توقعات بأن يتجاوز تريليون دولار بحلول عام 2035م، بمعدل نمو سنوي يصل إلى %14 خلال الفترة (2026م–2035م).

ويعكس هذا النمو الاهتمام المتزايد بالسياحة البيئية، ولا سيما المحميات البرية، في ظل ارتفاع وعي المسافرين بالأثر البيئي لخياراتهم السياحية، وهو ما يجعل هذا القطاع فرصة واعدة للمستثمرين ليس فقط من ناحية العوائد الاقتصادية، بل أيضًا من حيث دعم التنمية المستدامة والمساهمة في الحفاظ على البيئة.

كما أن دول الشرق الأوسط، وفي مقدمتها المملكة، أصبحت مرشحة بقوة لتكون من أبرز وجهات السياحة البيئية الفاخرة وتجارب الحفاظ على البيئة الصحراوية، فمن خلال رؤية 2030، تواصل المملكة الاستثمار في مشاريع السياحة المستدامة والسياحة البيئية، وهو ما يعزز مكانة هذا القطاع باعتباره أحد الركائز المهمة في صناعة السياحة.

وتدرك المملكة الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها السياحة البيئية، وتسعى إلى ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية رائدة في المنطقة، عبر مبادرات الحفاظ على المناظر الطبيعية، ومشاريع إعادة توطين الحياة البرية المحلية، بما يفتح المجال أمام عشاق الطبيعة والمسافرين الباحثين عن تجارب سياحية بيئية مميزة.

وأشارت مدير عام الاستثمار بالمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، “هدى البقمي”، إلى أن خطة المركز لتعزيز الاستدامة البيئية وفتح آفاق جديدة للسياحة الطبيعية في المملكة تزخر بفرص استثمارية عديدة، وأشارت إلى أن السياحة البيئية تُعد قطاعًا واعدًا ينمو بمعدل يتراوح بين %3 و%5 سنويًا، لافتةً إلى أن المركز يعمل على تهيئة المواقع من جوانب عديدة، تشمل حماية الغطاء النباتي ومنع الانتهاكات البيئية كقطع الأشجار والرعي الجائر، وتنمية الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وإنشاء بيئات وموائل طبيعية، مؤكدةً بأن هذه العوامل تمثل عوامل جذب للمستثمرين، موفرةً فرص استثمارية موسمية تصل مدتها إلى ثلاثة أشهر، وفرص استثمارية طويلة الأجل تتيح مرونة في الاستثمار لمدة تصل إلى 25 عامًا.

تعظيم العوائد السياحية

وفي ظل التوجه نحو تحويل المواقع الطبيعية والتراثية إلى وجهات سياحية منتجة تسهم في تنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل، بالشراكة مع القطاع الخاص، أصبحت تمثل المحميات البرية أحد المحاور الرئيسة في مستقبل السياحة بالمملكة، كما أن استعداد المملكة لاستضافة فعاليات عالمية كبرى، مثل معرض إكسبو 2030م، في الرياض وكأس العالم 2034م، يوفر فرصة مهمة لتعزيز نمو القطاع السياحي، إلى جانب تنشيط القطاعات الداعمة له، وفي مقدمتها البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

وفي هذا الإطار، فإن توسيع مشاركة القطاع الخاص في تطوير المحميات البرية يمثل خطوة مهمة لتعظيم الاستفادة منها، سواء عبر إنشاء الفنادق والنُزُل البيئية أو تطوير أنشطة السياحة البيئية المستدامة، بما يسهم في توفير فرص عمل للمجتمعات المحلية، ودعم نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة رائدة في السياحة البيئية.

فالمحميات البرية تمتلك مقومات تجعلها تجمع بين القيمة البيئية والاقتصادية، وهو ما يتيح تحويلها إلى مصدر دخل مستدام من خلال مشروعات استثمارية متنوعة، تشمل رحلات السفاري والسياحة الجبلية والسياحة العلمية وغيرها من الأنشطة البيئية، ومن شأن هذا التوجه أن يعزز الاقتصاد الأخضر، ويستثمر إمكانات المجتمعات المحلية، ويقدم تجارب سياحية نوعية، بما يرفع مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي ويدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي.