سجلت المملكة خلال العام الماضي نحو 11.5 مليار عملية بيع، بزيادة %11 مقارنة بالعام السابق، من بينها 1.77 مليار عملية عبر التجارة الإلكترونية.
انتشار المدفوعات الإلكترونية خفّض الاعتماد على النقد، وقلّص الأخطاء والتكاليف التشغيلية، كما مكّن المتاجر من الاستفادة من البيانات الرقمية لفهم سلوك العملاء.
في متجر، أو محطة وقود، أو أثناء طلب خدمة عبر تطبيق، أصبحت عملية الدفع لا تستغرق سوى لحظات؛ إذ يكفي تمرير الهاتف أو البطاقة أمام جهاز الدفع لتنتهي المعاملة دون الحاجة إلى حمل النقود أو انتظار الباقي، في مشهد يتكرر ملايين المرات يوميًا في المملكة، حتى أصبح الدفع الإلكتروني بالنسبة لكثيرين الخيار الأول، بينما يتراجع الاعتماد على النقد تدريجيًا.
وما يبدو سلوكًا يوميًا بسيطًا يعكس تحولاً اقتصاديًا أوسع وأعمق، فالمملكة لا تستبدل الأوراق النقدية بالهواتف الذكية فحسب، بل تعيد بناء منظومة مالية متكاملة تقوم على السرعة والشفافية والبيانات، لتقترب أكثر من نموذج مجتمع تقل فيه الحاجة إلى النقد.
وتقف المملكة اليوم في طليعة التحول نحو الاقتصاد الرقمي، بعدما تجاوزت المدفوعات الإلكترونية كونها وسيلة دفع بديلة، لتصبح أسلوب حياة ومحركًا رئيسًا للنشاط الاقتصادي؛ فالتحول لم يعد مشروعًا تقنيًا أو مجرد مواكبة للتطور العالمي، بل أصبح تحولاً هيكليًا يعيد تشكيل علاقة الأفراد والشركات بالمال، ويرفع كفاءة الاقتصاد ويعزز تنافسيته.

وتكشف أحدث بيانات البنك المركزي السعودي أن المدفوعات الإلكترونية في قطاع التجزئة بلغت 85 من إجمالي عمليات الدفع بنهاية عام 2025م، متجاوزة مستهدف برنامج تطوير القطاع المالي البالغ %70، ومرتفعة من %79 في عام 2024م، في مؤشر واضح على تسارع تبني وسائل الدفع الرقمية.
ولم يتوقف التحول عند نسب الاستخدام، بل انعكس على البنية التحتية المالية بالكامل؛ فقد تجاوز عدد أجهزة نقاط البيع 2.4 مليون جهاز موزعة في مختلف مناطق المملكة، فيما تتراوح قيمة المبيعات الأسبوعية عبرها بين 12 و16 مليار ريال، من خلال أكثر من 225 إلى 250 مليون عملية دفع أسبوعيًا.
وفي المقابل، تراجع الاعتماد على النقد بصورة واضحة، إذ انخفضت السحوبات النقدية عبر أجهزة الصراف الآلي بنسبة %11، بينما بلغ عدد البطاقات البنكية المتداولة في السوق السعودي نحو 66.9 مليون بطاقة، في دلالة على انتقال المجتمع تدريجيًا نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على “الكاش”.
وتؤكد الأرقام اتساع النشاط الرقمي؛ فقد سجلت المملكة خلال العام الماضي نحو 11.5 مليار عملية بيع، بزيادة %11 مقارنة بالعام السابق، من بينها 1.77 مليار عملية عبر التجارة الإلكترونية، كما نفذ نظام المدفوعات الفورية “سريع” 784 مليون عملية، بنمو %32، فيما تجاوزت عمليات سداد المدفوعات الإلكترونية 373 مليون عملية، بزيادة %3.

من وسيلة دفع إلى محرك اقتصادي
ولم تعد المدفوعات الإلكترونية مجرد أداة لتسريع عمليات الشراء، بل تحولت إلى مصدر مهم للبيانات الاقتصادية، يمنح الأفراد والشركات قدرة أكبر على متابعة الإنفاق وتحليل السلوك المالي بصورة لحظية.
وأدى ذلك إلى رفع كفاءة الإنفاق، وتقليص تكلفة التعامل بالنقد، وتحسين جودة القرارات المالية، سواء على مستوى الأسر أو الشركات أو الجهات الحكومية، فضلاً عن الحد من الهدر المالي ورفع مستويات الشفافية.
كما أسهمت الرقمنة في تقليص الاقتصاد الخفي، والحد من التستر التجاري، ومكافحة غسل الأموال والاحتيال المالي، عبر تتبع التدفقات النقدية إلكترونيًا، وهو ما جعل الاقتصاد أكثر وضوحًا وكفاءة.
ولم يقتصر التحول على المستهلكين، بل امتد إلى القطاع المصرفي نفسه، الذي يشهد إعادة صياغة غير مسبوقة؛ فالمصارف التقليدية تحولت إلى منصات رقمية تتنافس في الابتكار، مدفوعة بالنمو المتسارع لشركات التقنية المالية، وانتشار المحافظ الإلكترونية، وخدمات “اشتر الآن وادفع لاحقًا”.
وتوسع البنك المركزي في منح تراخيص البنوك الرقمية، ليصل عددها إلى أربعة بنوك رقمية مستقلة، كما تجاوز عدد شركات التقنية المالية المرخصة 230 شركة، بالتوازي مع انتشار المدفوعات “اللاتلامسية” والمحافظ الرقمية، حتى أصبحت وسائل الدفع الإلكترونية متاحة في أصغر الأنشطة التجارية.

قلّص الأخطاء والتكاليف التشغيلية
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة تمكين للاستثمار، المهندس حامد بن حمري، أن التحول في منظومة المدفوعات أسهم في تسريع نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة والأعمال الريادية، من خلال تعزيز الكفاءة التشغيلية وإعادة تشكيل نماذج الأعمال، وليس فقط تسهيل عمليات الدفع.
وأوضح أن انتشار المدفوعات الإلكترونية في قطاع التجزئة خفّض الاعتماد على النقد، وقلّص الأخطاء والتكاليف التشغيلية، كما مكّن المتاجر من الاستفادة من البيانات الرقمية لفهم سلوك العملاء وتطوير العروض التسويقية، وأضاف أن حلول الدفع الرقمية أسهمت في قطاع المقاهي والمطاعم في تسريع الخدمة، وزيادة إنفاق العملاء، وتعزيز برامج الولاء والطلبات المسبقة.
وأشار إلى أن التحول الرقمي أزال عديدًا من العوائق أمام رواد الأعمال عبر أنظمة رقمية منخفضة التكلفة لإدارة المبيعات والمحاسبة، كما ساعدت المدفوعات الإلكترونية في بناء سجل مالي يعزز فرص التمويل والتوسع، ولفت إلى أن الاقتصاد غير النقدي أتاح نماذج أعمال مبتكرة مثل التجارة الإلكترونية والاشتراكات الرقمية، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية تكمن في توظيف بيانات المدفوعات لاتخاذ قرارات أكثر دقة وتحسين الكفاءة وتطوير الخدمات، وشدد على أن وصول نسبة المدفوعات الإلكترونية إلى %85 يعكس نضج الاقتصاد الرقمي السعودي واعتماد التنافسية بشكل متزايد على البيانات والتقنية.

اقتصاد أكثر شفافية
ومن جانبه رأى الكاتب الاقتصادي والخبير المصرفي، طلعت حافظ، أن التحول نحو المجتمع غير النقدي يعد أحد أبرز مستهدفات رؤية 2030، مؤكدًا أن تجاوز نسبة المدفوعات الإلكترونية حاجز %85 يمثل نجاحًا يفوق المستهدفات المعلنة.
وأوضح حافظ، أن التحول نحو مجتمع غير نقدي يعد أحد أهم مستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي، مشيرًا إلى أن المدفوعات الإلكترونية أصبحت اليوم السمة الغالبة للأنظمة المالية الحديثة حول العالم، وأضاف أن المملكة لم تكتفِ بتحقيق المستهدف المحدد في الرؤية، بل تجاوزته، إذ بلغت نسبة المدفوعات الإلكترونية %70 قبل الموعد المستهدف، لتواصل نموها حتى وصلت حاليًا إلى %85، وهو ما يعكس التطور المتسارع في البنية التحتية المالية والتحول الرقمي.
وأشار إلى أن هذا التحول يسهم في تعزيز كفاءة المنظومة المالية لعدة اعتبارات، يأتي في مقدمتها تسهيل عمليات الدفع وتقليل الاعتماد على النقد، الذي يفرض تكاليف مرتفعة على الاقتصادات نتيجة الحاجة المستمرة إلى طباعة العملات وإعادة تداولها واستبدال التالف منها، وأضاف أن بعض التقديرات تشير إلى أن تكاليف إدارة النقد قد تتراوح بين %1 و%3 من الناتج المحلي، ما يجعل التوسع في المدفوعات الإلكترونية خيارًا اقتصاديًا أكثر كفاءة واستدامة.
ولفت حافظ إلى أن المملكة كانت من أوائل الدول في المنطقة التي تبنت حلول المدفوعات الإلكترونية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وشهد هذا القطاع تطورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة بفضل الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والأنظمة المالية الحديثة.
وأكد أن المدفوعات الإلكترونية لا تقتصر فوائدها على تسهيل عمليات الدفع، بل تمتد إلى تعزيز الشفافية المالية من خلال سهولة تتبع حركة الأموال، والحد من الجرائم المالية والسرقات، والإسهام في مكافحة التهرب الضريبي، فضلاً عن رفع كفاءة التداول المالي وتوفير بدائل أكثر أمانًا ومرونة من التعاملات النقدية.
وأضاف أن الاعتماد على النقد يفرض أعباءً على الأفراد والشركات، سواء من حيث الحاجة إلى حمل الأموال أو المخاطر المرتبطة بفقدانها أو تعرضها للسرقة، في حين توفر المدفوعات الإلكترونية وسائل أكثر أماناً وسهولة، إذ تتيح إنجاز العمليات المالية بسرعة وكفاءة عبر بطاقات الدفع أو التطبيقات الرقمية، وهو ما يجعلها الخيار الطبيعي لمستقبل المعاملات المالية.

تحول في الثقافة الاقتصادية للمجتمع
واللافت أن التحول لم يعد يقتصر على التكنولوجيا، بل امتد إلى الثقافة الاقتصادية للمجتمع؛ ففي عام 2025م، ارتفع عدد العمليات الرقمية المنفذة في المملكة إلى 14.6 مليار عملية مقابل 12.6 مليارًا في العام السابق، فيما احتلت المملكة المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن مجموعة البنك الدولي بنسبة تجاوزت %99.6، ما يعكس نضج البيئة الرقمية وقدرتها على استيعاب النمو المتسارع في التجارة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة ريادة المالية، فيصل الشماس، أن وصول نسبة المدفوعات الإلكترونية إلى %85 يمثل قفزة نوعية نحو اقتصاد غير نقدي، ويعكس التطور السريع للمنظومة المالية، موضحًا أن هذا التحول يعزز الشفافية، ويحد من الاقتصاد غير الرسمي، ويسرّع دورة السيولة، ويرفع الإنتاجية، كما خفّض تكاليف إدارة النقد، ورفع كفاءة قطاعي التجزئة والتجارة الإلكترونية، وأسهم في توفير بيئة أكثر جاذبية لنمو الشركات وخلق فرص استثمارية ووظيفية، خصوصًا في قطاع التقنية المالية. وأضاف أن رقمنة المدفوعات عززت كذلك جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية، ورسخت استدامة الاقتصاد الوطني وقدرته التنافسية.

من جانبه، قال المحلل الاقتصادي، علي المزيد إن تجاوز المستهدف البالغ %70 إلى %85 جاء نتيجة للتطور التقني، الذي أسهم في إدخال الأموال المحتفظ بها خارج النظام المصرفي إلى الدورة الاقتصادية، ما عزز السيولة وكفاءة السوق، وصعّب التهرب الضريبي وعمليات غسل الأموال، مؤكدًا أن انتشار الخدمات المصرفية الرقمية غيّر سلوك الأفراد، وأصبحت الأموال أكثر اندماجًا في النشاط الاقتصادي بدلًا من بقائها خارج المنظومة المالية.

رحلة المستقبل لما بعد الكاش
وعلى ما يبدو أن القصة لم تعد تتعلق بطريقة الدفع، بل بشكل الاقتصاد نفسه، فكل عملية تتم عبر الهاتف أو البطاقة لا تعني فقط الاستغناء عن ورقة نقدية، بل تعني بيانات أكثر، وشفافية أعلى، وتكلفة أقل، وقرارات اقتصادية أدق. ولهذا، فإن رحلة المملكة نحو مجتمع أقل اعتمادًا على النقد لم تعد مجرد إنجاز رقمي، بل أصبحت نموذجًا لتحول اقتصادي متكامل، يترجم مستهدفات رؤية 2030، ويؤسس لاقتصاد أكثر مرونة واستدامة، يقوم على الابتكار والثقة وكفاءة إدارة الأموال.
