كلما توسعت الاستثمارات، زادت الحاجة إلى الائتمان، وكلما ارتفعت قيمة الأصول، ارتفعت الحاجة إلى الحماية التأمينية، وكلما نمت الشركات الناشئة، ازدادت الحاجة إلى أدوات تمويل بديلة.
المملكة لم تعد تبني قطاعًا ماليًا وتأمينيًا لتلبية احتياجات الاقتصاد الحالي فقط، بل تؤسس منظومة مالية لاقتصاد مختلف في حجمه وتركيبته وطموحاته.
قد تبدو حركة الأموال في البنوك وشركات التأمين وأسواق رأس المال مجرد تفاصيل بعيدة عن حياة الناس اليومية؛ إلا أنه خلف كل مشروع ضخم يرتفع في الصحراء، وكل منشأة جديدة تفتح أبوابها، وكل شركة ناشئة تبحث عن توسع وتمويل، وكل مركبة تدخل منظومة التأمين، تقف منظومة مالية وتأمينية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
وخلال السنوات الخمس الماضية، لم يعد قطاع الخدمات المالية والتأمين في المملكة مجرد قطاع مساند للنشاط الاقتصادي، يقدم التمويل أو يغطي المخاطر عند وقوعها، بل تحول تدريجيًا إلى أحد أهم محركات النمو وتنويع مصادر الدخل، مستفيدًا من الزخم الذي أطلقته رؤية 2030، ومن شراكة تنظيمية متكاملة بين البنك المركزي السعودي “ساما”، وهيئة السوق المالية، وهيئة التأمين، ضمن برنامج تطوير القطاع المالي.
هذا التحول لم يكن مجرد زيادة في حجم الأصول أو عدد شركات التقنية المالية، وإنما إعادة صياغة كاملة لدور “المال والتأمين” في الاقتصاد الوطني؛ من تمويل النشاط الاقتصادي التقليدي إلى تمويل مشاريع التنمية الكبرى، ومن تعويض الخسائر إلى إدارة المخاطر، ومن التعاملات النقدية إلى الاقتصاد الرقمي، ومن الاعتماد على القنوات المصرفية وحدها إلى منظومة واسعة تضم الصكوك وأدوات الدين وشركات التقنية المالية والبنوك الرقمية والاستثمار المؤسسي.
خمس سنوات غيّرت قواعد اللعبة
مع تسارع التدفقات الاستثمارية وتوسع القطاع الخاص ونمو المشاريع العملاقة، برزت الحاجة إلى منظومة مالية وتأمينية أكثر كفاءة وقدرة على توفير التمويل طويل الأجل، ودعم الشركات الناشئة، وإدارة المخاطر، واستيعاب النشاط الاقتصادي المتزايد. ومن هنا تحول قطاع الخدمات المالية والتأمين من دور مساند إلى أحد محركات النمو الاقتصادي.
وتعكس المؤشرات حجم هذا التحول؛ إذ بلغت الأصول المصرفية نحو 4.81 تريليون ريال، وتجاوزت التسهيلات الائتمانية 3.36 تريليون ريال، فيما تتوقع “ستاندرد آند بورز” نمو محافظ القروض بنحو %10 مدفوعًا بتمويل المشاريع الكبرى. كما توسعت أسواق رأس المال عبر الصكوك وأدوات الدين طويلة الأجل، بالتوازي مع وصول عدد شركات التقنية المالية والبنوك الرقمية المرخصة إلى نحو 301 شركة، بينها 85 للمدفوعات الرقمية و55 للتمويل و21 للتقنيات التأمينية. وانعكس هذا التحول رقميًا على المستهلك، لترتفع حصة المدفوعات الإلكترونية للأفراد إلى نحو %79 بما يعزز توجه المملكة نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد.

المال يعيد تعريف تمويل التنمية
أحد أبرز ملامح التحول أن تمويل التنمية لم يعد يعتمد بالدرجة نفسها على الإنفاق الحكومي المباشر والتدفقات النفطية. فقد توسعت قنوات التمويل لتشمل البنوك، وأسواق الدين، والصكوك، وصناديق الاستثمار، وشركات التمويل، ورأس المال الجريء.
كما أصبحت الصكوك والسندات الخضراء والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية من الأدوات المهمة لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية المستدامة، بما في ذلك المشاريع العملاقة، مثل: نيوم والبحر الأحمر، ويعكس ذلك انتقال السوق من تمويل النشاط الاقتصادي القائم إلى تمويل اقتصاد المستقبل.
وفي مجال الشركات الناشئة واستثمارات النمو، حققت المملكة قفزة كبيرة، إذ ارتفع تمويل الشركات الناشئة بنحو %121، مع زيادة التمويل الجريء بنحو 1.66 مليار دولار، وتظهر البيانات الواردة في التقرير أن الشركات الناشئة تستحوذ على نحو %95 من إجمالي التمويل الخاص الموجه للنمو في منطقة الخليج، ما يعكس جاذبية السوق المحلية للمستثمرين الباحثين عن فرص النمو.
كما ارتفع الائتمان الممنوح من شركات التمويل غير المصرفية إلى نحو 113 مليار ريال، توزعت بصورة رئيسة بين الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهنا تظهر أهمية التحول؛ فالتمويل لم يعد حكرًا على البنوك، وإنما أصبح منظومة متعددة القنوات.

التأمين.. من تعويض الخسائر إلى حماية الاستثمار
على الجانب الآخر، شهد قطاع التأمين تحولاً لا يقل أهمية؛ فالتأمين لم يعد يُنظر إليه باعتباره منتجًا تكميليًا يستخدم بعد وقوع الخطر، بل أصبح جزءًا من عملية الاستثمار نفسها، وشريكًا في حماية الأصول واستدامة الأعمال وإدارة المخاطر.
وتشير الاستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين إلى استهداف رفع إجمالي أقساط التأمين من نحو 71.2 مليار ريال إلى 211.8 مليار ريال بحلول 2030م، فيما تستهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي غير النفطي من نحو %2.4 إلى %3.6، مع قراءات تحليلية تضع سقف الطموح عند %4.3.
وتترافق هذه الأهداف مع خطط لتوسيع قاعدة المؤمن عليهم؛ فالتأمين الصحي يستهدف رفع عدد المستفيدين من نحو 14 مليونًا إلى 23 مليون مستفيد، فيما تستهدف الخطط زيادة المركبات المؤمّن عليها من 9.1 مليون إلى 16 مليون مركبة، كما تستهدف المنظومة رفع عدد العاملين السعوديين في شركات التأمين من نحو 19 ألف موظف وموظفة إلى 38,500 بحلول 2030م.
ويكتسب هذا التوسع أهمية خاصة مع تضخم حجم المشاريع؛ فالمشاريع العملاقة مثل: نيوم والقدية والبحر الأحمر تحتاج إلى تأمين هندسي وإنشائي وتشغيلي معقد، إضافة إلى تأمين الطاقة والطيران والشحن البحري والمخاطر السيبرانية، وبالتالي فإن توسع قطاع التأمين أصبح شرطًا من شروط استدامة دورة الاستثمار نفسها.

أرقام تؤكد التحول
ويؤكد رئيس اللجنة المالية بغرفة الشرقية، بندر السحيمي، أن قطاع الخدمات المالية والتأمين شهد تحولاً نوعيًا وأصبح من الممكنات الرئيسة للنمو والاستثمار وتنويع الاقتصاد ضمن رؤية 2030، رابطًا هذا التحول بنمو الأنشطة غير النفطية بنحو %3.9 خلال عام 2025م، ومشيرًا إلى أن اتساع قاعدة الاقتصاد غير النفطي يرفع الحاجة إلى منظومة مالية وتأمينية أكثر كفاءة وعمقًا.
وفي قطاع التأمين، يوضح أن إجمالي الأقساط المكتتبة ارتفع من نحو 65.5 مليار ريال في عام 2023م إلى 76.1 مليار ريال في عام 2024م بنمو %16.3، كما ارتفع عمق التأمين مقارنة بالناتج المحلي غير النفطي من %2.28 إلى %2.59، ويرى أن أبرز التحولات تتمثل في تسارع الرقمنة، وتطور المنتجات، وزيادة الاعتماد على البيانات والتقنيات الحديثة، فضلاً عن انتقال التأمين تدريجيًا من مجرد تعويض الخسائر إلى شريك أساسي في إدارة المخاطر وحماية الاستثمارات واستدامة الأعمال.
ويشير السحيمي إلى ارتفاع أرباح قطاع التأمين من نحو 3.2 مليار ريال عام 2023م إلى 3.6 مليار ريال عام 2024م بنمو يقارب %12.5، ويقول إن هذه المؤشرات قوة السوق، لكن الفرصة لا تزال أكبر من المنجز، لاسيما مع استمرار توسع الاقتصاد غير النفطي والمشاريع الكبرى واستثمارات القطاع الخاص.
ويختصر السحيمي التحدي المقبل في قدرة القطاع المالي والتأميني على التطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها الاقتصاد الوطني، والمساهمة بصورة أكبر في حماية الاستثمارات واستدامة النمو.

التأمين كقوة استثمارية
ومن زاوية أخرى، يرى المحلل الاقتصادي وعضو مجلس الشورى السابق، أسامة كردي، أن التحول الحالي يمتد جذوره إلى عقود من التطور التنظيمي، ويقول إن من يتابع قطاع التأمين لأكثر من 30 عامًا، يرى أن السوق انتقل من مرحلة لم تكن فيها سوى شركة تأمين واحدة تابعة للدولة، إلى سوق تضم عددًا كبيرًا من الشركات الخاصة والعالمية، ويشير إلى أن فتح باب التأمين الطبي كان من أهم العوامل التي أسهمت في نمو الخدمات الطبية في المملكة، بعدما أدى توسع شركات التأمين الطبي إلى زيادة شهية رجال الأعمال للاستثمار في القطاع الصحي، ومن وجهة نظره فإن توسع التأمين لم يكن منعزلاً عن بقية الاقتصاد، بل أسهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في نمو قطاعات متعددة.
ولا يقف تصور “كردي” عند حدود الدور التقليدي لشركات التأمين؛ فهو يرى أن هناك رابطًا وثيقًا بين الاستثمار والتأمين، وأن شركات التأمين في كثير من دول العالم تعمل في النهاية كجهات استثمارية تستثمر جزءًا كبيرًا من دخولها في المصانع والصناديق الاستثمارية، داعيًا إلى تطوير دور شركات التأمين باعتبارها شركات استثمارية قادرة على المساهمة في قطاعات مختلفة، واستثمار الوفورات المتراكمة لديها في الشركات الصغيرة والمشاريع الجديدة، بما يدعم القطاع الخاص.

هندسة التحول الكبير
وفي قلب هذا المشهد تقف الأنشطة غير النفطية التي باتت تمثل نحو %55 من الناتج المحلي الإجمالي، بالتوازي مع تنامي دور صندوق الاستثمارات العامة، الذي وصلت أصوله المدارة، وفق التقديرات الواردة، إلى نحو 3.41 تريليون ريال.
لكن التمويل والتأمين لا يعملان بمعزل عن هذه التحولات، فكلما توسعت الاستثمارات، زادت الحاجة إلى الائتمان، وكلما ارتفعت قيمة الأصول، ارتفعت الحاجة إلى الحماية التأمينية، وكلما نمت الشركات الناشئة، ازدادت الحاجة إلى أدوات تمويل بديلة.
ولهذا يمكن قراءة مستهدفات رؤية 2030 في القطاع المالي والتأميني من خلال مسارين: الأول حقق تقدمًا كبيرًا وربما تجاوز بعض أهدافه مبكرًا، لاسيما في البنية التحتية الرقمية والمدفوعات غير النقدية ونمو التقنية المالية؛ والثاني يواصل التقدم، ويتعلق بتوسيع سوق التأمين، وزيادة الأصول المدارة، ورفع عمق التمويل، وتكوين كيانات مالية وتأمينية أكثر قدرة على المنافسة الإقليمية..
ويستهدف برنامج تطوير القطاع المالي رفع عدد شركات التقنية المالية إلى 525 شركة وبنكَا رقميًا متكاملًا، فيما تستهدف الخطط رفع الأصول المدارة لدى الصناديق والمؤسسات المالية المرخصة إلى أكثر من 1.2 تريليون ريال بحلول 2030م.
كما تستهدف المملكة رفع حصة المدفوعات الإلكترونية للأفراد من %79 إلى %85 فأكثر، بالتزامن مع زيادة حصة تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة من نحو %5.7 من إجمالي المحافظ الإقراضية إلى %20.

طفرة التأمين ومخاطر المرحلة المقبلة
وعلى الرغم من النمو القوي، فإن الطريق ليس خاليًا من التحديات؛ فقد أظهرت البيانات الواردة في التقرير تراجعًا نسبيًا في صافي أرباح قطاع التأمين بعد الضرائب، في وقت تستحوذ فيه الشركات الكبرى على حصة مؤثرة من الأرباح والتدفقات، بينما تواجه الشركات الأصغر ضغوطًا مرتبطة بتكاليف المطالبات والتشغيل.
كما تفرض المخاطر الجيوسياسية الإقليمية ضغوطًا على أسعار التأمين المتخصص، بخاصة في الشحن البحري والطيران والطاقة والمخاطر السيبرانية، مع توقعات بأن يستقر نمو الإيرادات عند مستويات أكثر اعتدالاً بعد سنوات من النمو المرتفع.
ويؤكد الخبير في قطاع التأمين، طلال الشمري، أن القطاع شهد تحسنًا ملحوظًا على مختلف المستويات، سواء في نجاح الاكتتابات أو ربحية الشركات أو تطور الأعمال، ويرى أن السوق ينتقل من مرحلة “التوسع السريع” إلى مرحلة التركيز على جودة الأرباح واستدامة النمو، مستهدفًا الوصول إلى 140 مليار ريال بحلول 2030م، مشيرًا إلى أن الاندماجات لم تعد خيارًا ثانويًا، وإنما أصبحت ضرورة لتكوين كيانات مالية أكثر قوة، وأن الاندماجات الأخيرة لم تؤد بالضرورة إلى خروج الشركات، بل أسهمت في تقوية بعض الشركات المتعثرة عندما اندمجت مع شركات أكبر، وتحسين بيئة العمل ورفع القدرة التنافسية.
وأما ارتفاع أسعار التأمين، يرى الشمري أنه لا يمكن تفسيره باعتباره سعيًا للربح فقط، إذ تحدد كل شركة أسعارها وفق دراسة السوق وحجم التعويضات والخسائر المتوقعة وحسابات المخاطر الخاصة بها. ولذلك، يؤكد أن الحديث عن وجود تكتل بين الشركات لرفع الأسعار ليس دقيقًا.
هكذا تبدو الصورة أكثر وضوحًا: بأن المملكة لم تعد تبني قطاعًا ماليًا وتأمينيًا لتلبية احتياجات الاقتصاد الحالي فقط، بل تؤسس منظومة مالية لاقتصاد مختلف في حجمه وتركيبته وطموحاته.
فالبنوك تمول المشاريع، وأسواق رأس المال توفر أدوات الدين طويلة الأجل، وشركات التقنية المالية تعيد تعريف تجربة العميل، والصناديق الاستثمارية تدفع رأس المال نحو فرص جديدة، فيما يتحول التأمين إلى شبكة أمان للمشاريع والاستثمارات والأصول، لكن النجاح النهائي لن يقاس بحجم الأصول أو عدد الشركات وحده، بل بمدى قدرة هذه المنظومة على مواكبة سرعة التحول الاقتصادي، وتحويل السيولة إلى استثمارات منتجة، وحماية المشاريع من المخاطر، وتوسيع التمويل أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، ورفع جودة الخدمات والمنتجات، وتطوير الكفاءات الوطنية.
ويبقى أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة نمو كمي فقط، وإنما مرحلة نضج نوعي، والقاطرة المالية للمملكة تحركت بالفعل، وأصبحت في قلب مشروع التحول الاقتصادي، أما التحدي الحقيقي، فهو أن تحافظ على سرعتها، وأن تتطور بالقدر نفسه الذي يتطور به الاقتصاد الوطني، حتى لا تكتفي بتمويل رؤية 2030 بل تصبح إحدى أهم الأدوات التي تصنع اقتصاد ما بعد النفط، وتحمي استثماراته، وتدعم شركاته، وتمنحه القدرة على النمو المستدام.
