الذكاء الاصطناعي كرييتڤ

الذكاء الاصطناعي وبورصة الرماد الرقمي

1.5 تريليون دولار إجمالي ديون الذكاء الاصطناعي بين عامي 2022م و2026م مما أثر بشكل ملحوظ على تداولات ”البيتكوين”.

مخاوف من استنزاف الذكاء الاصطناعي للسيولة وموجات بيع مرتقبة للأصول الاستثمارية باستثناء شركات إنتاج الطاقة الكبرى.

 

في أسواق المال، كلما لمع وعدٌ بثورة جديدة، اندفعت المليارات نحوه كانجذاب رؤوس الأموال إلى الفرص الواعدة، غير عابئة بما قد يختبئ خلفها.

واليوم، يقف الذكاء الاصطناعي في قلب هذا المشهد؛ ليس باعتباره مجرد تقنية تعيد تشكيل المستقبل، بل كقوة تجذب السيولة من كل اتجاه، وتعيد رسم خرائط الاستثمار العالمية.

وبينما تحتفل بورصة “وول ستريت” بقمم تاريخية، مدفوعة بحمى الذكاء الاصطناعي، تتسلل أسئلة أكثر إلحاحًا من نشوة الأرقام: هل نحن أمام ثورة اقتصادية حقيقية، أم أن الأسواق نفسها أصابتها “هلوسة” الذكاء الاصطناعي؟ وهل تتحول الاكتتابات المليارية المرتقبة لعمالقة التكنولوجيا إلى بورصة “الرماد الرقمي”، تلتهم السيولة من الأسهم التقليدية والأسواق الناشئة وحتى العملات المشفرة، لتترك خلفها أسواقًا أكثر هشاشة مما تبدو عليه؟

شركات تعد بإعادة تعريف المستقبل

في لحظة تتسابق فيها التريليونات نحو شركات تَعد بإعادة تعريف المستقبل، يخشى محللون وخبراء عدة بأن يكون الثمن هو استنزاف السيولة من بقية الأسواق، لتصبح الطفرة الحالية اختبارًا قاسيًا لقدرة النظام المالي العالمي على التمييز بين القيمة الحقيقية وبريق الوعود الرقمية.

وقد ذكر الخبير المالي في معهد “آسيا العالمي” بجامعة “هونج كونج”، “أندور شينغ”، أن الذكاء الاصطناعي قد يُصاب بالهلوسة، وكذلك الأسواق المالية، حيث تشهد أسواق الأسهم ازدهارًا ملحوظًا على افتراض أن عمالقة التكنولوجيا سيحققون وعودًا كبيرة، ولكن مع ندرة السيولة، ستواجه الأسواق واقعًا مريرًا.

وفي السياق نفسه، أشار المحلل المالي في الأسواق العالمية، “جيم كريمر”، إلى أن أحد أكبر المخاطر التي يتم تجاهلها والتي تهدد السوق هو الموجه الحالية من الاكتتابات العامة الأولية الضخمة لشركات التقنية، والتي قد تستنزف السيولة من الأسهم، لافتًا إلى أنه قد يؤدي فائض العرض إلى القضاء على السوق الصاعدة، خاصةً أن كثرة الاكتتابات العامة الأولية الكبيرة قد تؤدي إلى انهيارها تحت وطأة ثقلها، ومع استمرار الضجة الإعلامية حول الذكاء الاصطناعي، فإن هذه الاكتتابات قد تجذب حصة غير متناسبة من رؤوس أموال المستثمرين، مما يؤدي إلى سحب الأموال من مؤشر “ستاندارد أند بورز 500”.

وأضاف “كريمر”، أنه على سبيل المثال إذا تمكنت شركة “أوبن آيه آي”، من طرح اسمهما للاكتتاب العام في الأسواق الأمريكية، فإن هذا الأمر يستنزف مبالغ طائلة، قد تصل القيمة السوقية للطرح إلى تريليون دولار، ولا بد أن تأتي هذه الأموال من مصدر ما، وغالبًا ما ستأتي من السوق الكلي، وهو نفس الأمر بالنسبة لشركة “سبيس إكس” التابعة لـ”إيلون ماسك” التي قامت بطرح اكتتابها العام خلال يونيو الماضي، لافتًا إلى أن عمليات الاكتتاب في شركات التكنولوجيا العملاقة تؤثر بشكل كبير على السيولة التي يتم ضخها في أسواق المال الأخرى، مضيفًا “سوق الأسهم، كأي سوق أخرى، قائمة على العرض والطلب، فإذا زاد العرض عن الحد، تنهار السوق”.

ومن المتوقع طرح الاكتتاب العام لشركة “أنثروبيك”، مطورة برنامج “كلود” للذكاء الاصطناعي، خلال شهر أكتوبر المقبل، والتي تصل قيمتها السوقية إلى 1.2 تريليون دولار، يأتي ذلك وسط مخاوف من المحللين بشأن خروج بعض رؤوس الأموال من الأسواق في الدول الناشئة ومنطقة آسيا والمحيط الهادي، بسبب عمليات الاكتتاب في الشركات الثلاثة.

فقاعة جديدة على الأبواب

وثمة توقعات بأن تواجه سوق الأسهم الأمريكية اختبارًا غير مسبوق للسيولة خلال الأشهر المقبلة، حيث تأتي هذه الموجة من الاكتتابات العامة، التي وصفتها “وول ستريت” بأنها “استنزاف هائل للسيولة”، في لحظة حرجة حيث يقترب تركيز قطاع التكنولوجيا في الأسهم الأمريكية من مستويات غير مسبوقة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، مما أثار جدلاً حادًا حول ما إذا كانت فقاعة اقتصادية جديدة تتشكل.

كما تشتد المنافسة بين البورصات الأمريكية للاستحواذ على اكتتابات هذه الشركات، من خلال قيامها بتخفيف معايير الإدراج بشكلٍ ملحوظ، وسط مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى توليد طلب هائل داخل صناديق الاستثمار التي تميل بشدة نحو شركات التكنولوجيا الكبرى وتدير حوالي %60 من أصول الأسهم الأمريكية، ومع استعداد مئات المليارات من رؤوس الأموال للانتقال، قد تواجه شركات التكنولوجيا العملاقة الحالية تدفقًا هائلًا للأموال إلى الخارج.

وإزاء المخاوف المتزايدة هذه، أصدر كبير استراتيجيي الاستثمار في مجموعة “بنك أوف أميركا”، “مايكل هارتنت”، تحذيرًا حيث أشار إلى أوجه التشابه بين ظروف السوق الحالية وعديد من الفقاعات التاريخية، مبينًا أن قطاع التكنولوجيا يُمثل بالفعل أكثر من %44 من وزن مؤشر “ستاندرد آند بورز”، وبمجرد أن تُكمل شركات “سبيس إكس”، و”أوبن إيه آي”، و”أنثروبيك” إدراجها في البورصة وتُدمج مع عمالقة الذكاء الاصطناعي الحاليين، قد يتجاوز تركيز السوق بسهولة العتبة التاريخية البالغة حوالي %48، وهذا يعني أن تركيز التكنولوجيا الحالي سيتجاوز المستويات القياسية التي شهدناها خلال فترة ازدهار العشرينيات، وفقاعة “الخمسينات الرائعة” في السبعينيات، وفقاعة الأصول اليابانية في الثمانينيات، وفقاعة الإنترنت في التسعينيات، ليحتل المرتبة الثانية بعد النسبة القياسية البالغة %63 المسجلة خلال فقاعة السكك الحديدية في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

وتابع “هارتنت”، أن هشاشة سوق الأسهم الأمريكية تتجلى بوضوح، وتُظهر السوق سمات “السوق الصاعدة المحدودة” الكلاسيكية، حيث أسهمت قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة تصل إلى %85 من مكاسب مؤشر “ستاندرد آند بورز” منذ بداية العام، وأسهمت شركة “إنفيديا” وحدها بنسبة %20، وتفوقت %27 فقط من مكونات “ستاندرد آند بورز” على أداء المؤشر، ووصف بوضوح حالة السوق الحالية بأنها حالة” يُشير فيها زخم الأسعار القوي، وحماس المستثمرين الأفراد، وانخفاض التقلبات، إلى ظروف تُنذر بفقاعة اقتصادية قادمة”.

هذا وأوضح خبير الأسواق العالمية، “أندرو وونغ”، أن هناك شركة رابعة تعتزم طرح أسمها وهي “ألفابت”، التي تخطط لجمع حوالي 85 مليار دولار، مشيرًا إلى أنه بإمكان هذه الشركات الأربعة مجتمعةً استيعاب ما يقارب 350 مليار دولار من سيولة السوق خلال ستة أشهر تقريبًا، ولتوضيح هذا الرقم، فإن أكبر 50 اقتصادًا في العالم فقط هي التي تحقق ناتجًا محليًا إجماليًا سنويًا يتجاوز 350 مليار دولار، بينما لا يزال الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 140 دولة دون هذا الحد، وتُبرز هذه المقارنة الضغط الهائل الذي قد تُشكّله أنشطة جمع التمويل لهذه الشركات على أسواق رأس المال العالمية، وبالتالي فإنه من المنطقي التساؤل عما إذا كانت السوق قادرة على استيعاب متطلبات جمع التمويل المُجتمعة لهذه الشركات، حيث لا تكمن في قدرة “وول ستريت” على الحفاظ على ارتفاع مؤشر “ستاندرد آند بورز”، حتى تُكمل هذه الشركات عمليات جمع رأس المال، بل من المُحتمل تمامًا أن يُصبح حجم متطلبات جمع التمويل أحد العوامل التي تُؤثر سلبًا على المؤشر نفسه.

سحب السيولة من “البيتكوين”

معضلة أخرى يتعرض لها الذكاء الاصطناعي والخاصة بالديون، فقد قدَّر المؤسس المشارك لمنصة “بيت ميكس” وكبير مسؤولي الاستثمار في شركة “ميل ستروم”،”آرثر هايز”، هذه الديون بقيمة تقارب 1.5 تريليون دولار بين عامي 2022م و2026م، منها ما بين %75 و%80 صدرت خلال عام 2025م، وأوضح أن هذه الأموال موّلت النفقات الرأسمالية لشركات الحوسبة السحابية العملاقة، بالإضافة إلى التوسع الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي، مما لم يترك سوى القليل للبيتكوين لاستيعابه، مشيرًا إلى أن “البيتكوين” تمكن من الارتفاع من أدنى مستوياته في حقبة منصة “إف تي إكس” تحديدًا، لأن الذكاء الاصطناعي لم يكن قد بدأ بعد في استنزاف السيولة، إلا أن هذا الوضع انعكس مع تسارع الإنفاق والإقراض في مجال الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي.

وتابع بقوله إنه أعاد النظر في فرضيته النظرية بعد فشل “البيتكوين” في تحقيق الأداء المتوقع بناءً على فرضيته المتعلقة بالسيولة، مشيرًا إلى أن سعر البيتكوين بلغ حوالي 125 ألف دولار في أكتوبر من العام الماضي، ثم انخفض بنحو %50 منذ ذلك الحين، على الرغم من زيادة حجم الأموال المُنشأة خلال تلك الفترة، مرجحًا قيام بعض المستثمرين ببيع عملاتهم الرقمية بأسعار زهيدة وتوجيهها إلى الذكاء الاصطناعي، لكن القصة الأكبر، كما يرى، أبسط من ذلك: الدولارات المطبوعة حديثًا ذهبت إلى الذكاء الاصطناعي ولم تصل أبدًا إلى “البيتكوين” في المقام الأول.

وأعرب “هايز” عن تشاؤمه بشأن جميع الأصول الخطرة تقريبًا باستثناء شركات إنتاج الطاقة الكبرى، وهو يراقب ثلاث اكتتابات عامة أولية ضخمة على وجه الخصوص (سبيس إكس، أوبن إيه آي، أنثروبيك)، ويكمن قلقه في أن المستثمرين سيضطرون إلى بيع ممتلكات أخرى لتوفير السيولة اللازمة لهذه الاكتتابات، وقد يتأثر سعر البيتكوين سلبًا مع باقي الأصول في موجة بيع واسعة النطاق.

 

العودة إلى سياسة طباعة النقود

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة على المدى القريب، يعتقد “هايز” أن الوضع نفسه سينقلب في النهاية لصالح “البيتكوين”، قائلاً: إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، أو حتى بدا أنها على وشك الانفجار، فإن هذا النوع من الضغوط المالية سيدفع البنوك المركزية إلى العودة إلى سياسة طباعة النقود، عندئذٍ، ومع عدم رغبة المستثمرين في دفع 100 ضعف قيمة أسهم الذكاء الاصطناعي، سيحتاج رأس المال إلى وجهة جديدة، يعتقد “هايز” أن البيتكوين في وضع جيد لتكون هذه الوجهة، خاصة في ظل وفرة الأموال المطبوعة حديثًا.

وفي المقابل، يرى البعض أن المخاوف المتعلقة بنقص السيولة نتيجة الاكتتابات العامة لأكبر ثلاث شركات تكنولوجية ليست في محلها، وتنطوي على مبالغة كبيرة، حيث أشارت “يارديني”، وهي شركة أمريكية رائدة في مجال الأبحاث والاستشارات المالية، إلى أن الشركات الثلاثة من المتوقع أن تجمع 200 مليار دولار في عمليات الاكتتاب، وهو مبلغ ضئيل من قيمة مؤشر “ويلشاير 5000” البالغة 75.6 تريليون دولار، ومؤشر “ستاندرد آند بورز” البالغة 60 تريليون دولار، لافتةً إلى أن الأسواق الأمريكية استوعبت 232 مليار دولار من إصدارات الأسهم الجديدة خلال الأثنى عشر شهرًا الماضية، وأكثر من 450 مليار دولار في عام 2021م.

بدلاً من مشكلة السيولة في السوق، تعتقد “يارديني” أن قلة أسهم “سبيس إكس” المتاحة للتداول قد تُحدث خللًا في التوازن بين العرض والطلب، حيث أعلنت الشركة عن طرح حوالي %4.3 فقط من أسهمها، بينما من المتوقع أيضًا أن تطرح “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” أسهمهما للاكتتاب العام بحصص محدودة نسبيًا.

ورغم هذه الخلاف بين المختصين فيما يتعلق بالمخاوف المرتبطة بالسيولة في الأسواق خلال الفترة المقبلة، يتفق الخبراء على أن الأداء القوي الأخير لشركة “سيريبراس”، المتخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي، قد عزز من التفاؤل لدى المستثمرين، ممهدًا الطريق لهذه الموجة من الاكتتابات العامة، ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشهد التقني في الاكتتابات العامة يتوقف بشكل حاسم على قدرة “سبيس إكس” على تحقيق أداء قوي في السوق، وإذا لم يتحقق ذلك، فقد تتعرض وتيرة الإدراج وتقييمات الشركات الثلاثة لضربة قوية.