مدن لا تنتظر الأوامر، بل تقرأ البيانات وتتوقع الاحتياجات وتعيد تعريف منظومة الاقتصاد الحضري.
لا تمثل المدن ذاتية التشغيل مشروعًا عمرانيًا فحسب، وإنما منصة اقتصادية قادرة على خلق قطاعات وأسواق جديدة وتنشيط صناعات في عديد من المجالات.
في الصباح الباكر وقبل أن يُغادر السكان منازلهم، تكون المدينة قد بدأت يومها بالفعل؛ حيث تبدأ إشارات المرور في إعادة ترتيب أولوياتها، وشبكات الطاقة قد راقبت حجم الاستهلاك، وأنظمة النقل قدمت تحليلاً بحركة آلاف المركبات، والمباني ضبطت أنظمتها الداخلية وفق عدد المستخدمين والظروف المناخية.
إنها ليست مدينة خيالية من روايات المستقبل، بل نموذج جديد يتشكل في مختبرات العالم ومشاريعه الكبرى: المدينة ذاتية التشغيل؛ التي لا تكتفي بأن تكون ذكية، بل تفكر وتتعلم وتتنبأ، وقادرة على اتخاذ القرارات التشغيلية بشكل مستمر.
في هذا السباق العالمي، لم تعد المدن تتنافس فقط على جذب السكان أو بناء الأبراج والمناطق التجارية، بل على امتلاك “العقل الرقمي” الذي يجعلها أكثر كفاءة وقدرة على خلق القيمة الاقتصادية؛ إذ تمثل المدن ذاتية التشغيل أحد أكثر التحولات طموحًا في تاريخ التخطيط الحضري، بهدف بناء بيئات أكثر كفاءة واستدامة.

وقد شهد مفهوم المدن خلال العقود الماضية تحولاً كبيرًا؛ ففي البداية ركز التخطيط الحضري على التوسع العمراني وبناء شبكات الطرق والخدمات الأساسية، ثم انتقل لاحقًا إلى مرحلة المدن الذكية التي تعتمد على التكنولوجيا لتحسين الإدارة والخدمات، أما الآن فثمة خطوة أبعد؛ حيث الاعتماد على منظومات مترابطة من الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية والروبوتات وتحليل البيانات الضخمة، بحيث تستطيع الأنظمة المختلفة داخل المدينة التواصل مع بعضها واتخاذ قرارات تشغيلية دون تدخل بشري.
فعلى سبيل المثال، يمكن لنظام إدارة المرور أن يتوقع مناطق الازدحام قبل حدوثها ويعيد توجيه المركبات، كما يمكن لشبكات الطاقة الذكية أن توازن بين الإنتاج والاستهلاك، ويمكن لأنظمة إدارة النفايات أن تحدد مواعيد الجمع بناءً على مستوى امتلاء الحاويات، بينما تستطيع المباني الذكية تعديل الإضاءة والتكييف وفق عدد المستخدمين والظروف المحيطة. ولا يعني هذا أن الإنسان سيصبح خارج المعادلة، بل على العكس؛ فالهدف من هذه التقنيات هو تحرير الإنسان من الأعمال التشغيلية المتكررة، ومنحه بيئة أكثر راحة وإنتاجية، مع إبقاء القرارات الكبرى المرتبطة بالتخطيط والقيم والمجتمع تحت إشراف بشري.

تجارب عالمية ومحلية ترسم ملامح المستقبل
وقد شهد العالم خلال السنوات الماضية تجارب متعددة لتطوير مدن ذكية تقترب من مفهوم التشغيل الذاتي؛ ففي كوريا الجنوبية، أصبحت مدينة “سونغدو” نموذجًا بارزًا في دمج البنية الرقمية داخل البيئة الحضرية، عبر شبكات استشعار وأنظمة لإدارة المرور والطاقة والنفايات، وفي الإمارات، تمثل مدينة “مصدر” تجربة مهمة في بناء مجتمع حضري يركز على الاستدامة والطاقة النظيفة والتقنيات الصديقة للبيئة، فيما طورت سنغافورة نموذجًا متقدمًا في توظيف البيانات والتقنيات الرقمية لإدارة الخدمات العامة وتحسين تجربة السكان، كما تتجه مدن عالمية كبرى إلى إدخال مزيد من الأتمتة في النقل والخدمات، من خلال المركبات ذاتية القيادة، والمباني الذكية، والمنصات الرقمية التي تربط الجهات الحكومية والخاصة والمواطنين ضمن منظومة واحدة.
وتأتي المملكة ضمن الدول التي تبنت مبكرًا مفهوم المدن المستقبلية، مستندة إلى مستهدفات رؤية 2030 التي تركز على الابتكار، والاستدامة، وتنويع الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة. ويبرز مشروع مدينة “نيوم” كأحد أكثر المشاريع العالمية طموحًا في إعادة تصور شكل المدن؛ إذ يستهدف تطوير مجتمعات تعتمد على التقنيات المتقدمة والطاقة النظيفة والحلول الرقمية، ومن بين مكوناته مشروع ذا لاين الذي يقدم تصورًا جديدًا للمدن يركز على تقليل الاعتماد على السيارات، وتعزيز قرب الخدمات، ورفع كفاءة استخدام الموارد.
ولا تقتصر جهود المملكة على إنشاء المدن الجديدة، بل تشمل أيضًا تطوير المدن القائمة عبر برامج التحول الرقمي وتطبيقات المدن الذكية؛ فقد حققت المملكة تقدمًا ملحوظًا في الحكومة الرقمية والبنية التحتية للاتصالات، حيث تجاوزت نسبة انتشار الإنترنت %99 من السكان، كما توسعت شبكات الجيل الخامس (5G) لتغطي معظم المناطق الحضرية، وهو ما أسهم في دعم الخدمات الذكية في مجالات النقل، والصحة، والتعليم، وإدارة المرافق، والخدمات البلدية، والطاقة. كما تتوسع الجهات الحكومية في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتحسين كفاءة الخدمات ورفع جودة الحياة في المدن.
وتدعم هذه الجهود استثمارات ضخمة في مشاريع البنية التحتية والنقل المستدام، من بينها مشروع الرياض الخضراء الذي يستهدف زراعة 7.5 ملايين شجرة، وزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء، وخفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء، إلى جانب شبكة قطار الرياض التي تُعد من أكبر مشاريع النقل الحضري في المنطقة، وتضم 6 خطوط بطول يقارب 176 كيلومترًا وأكثر من 80 محطة، بما يسهم في تعزيز التنقل المستدام وتقليل الازدحام والانبعاثات.
وتنسجم هذه المبادرات مع التوجه العالمي نحو بناء مدن أكثر ذكاءً واستدامة ومرونة، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالنمو السكاني، وتغير المناخ، والضغوط على الموارد الطبيعية. وتسعى المملكة، من خلال هذه المشاريع، إلى تقديم نماذج حضرية تعتمد على الابتكار والتقنيات الحديثة، بما يعزز تنافسيتها عالميًا، ويدعم مستهدفات التنمية المستدامة، ويجعل مدنها أكثر قدرة على تلبية احتياجات الأجيال القادمة.

تأثير اقتصادي يتجاوز حدود المدينة
ولا تمثل المدن ذاتية التشغيل مشروعًا عمرانيًا فحسب، بل منصة اقتصادية قادرة على خلق قطاعات وأسواق جديدة، إذ يؤدي تطوير هذه المدن إلى تنشيط صناعات في عديد من المجالات مثل: التقنية، والطاقة المتجددة، والإنشاءات الذكية، والروبوتات، والأمن السيبراني، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات.
وتشير تقديرات شركة “ماكينزي” إلى أن تطبيقات المدن الذكية يمكن أن تولد قيمة اقتصادية عالمية تتراوح بين 1.7 و3.7 تريليون دولار سنويًا مع اكتمال تبني حلول المدن الذكية، من خلال تحسين كفاءة الخدمات الحضرية، وتقليل الهدر، ورفع إنتاجية الأفراد والشركات.
كما تسهم المدن الذكية في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية عبر توفير بيئات أعمال متقدمة تعتمد على البنية التحتية الرقمية والاتصال عالي السرعة والأنظمة الذكية.
ووفقًا لتقديرات ستاتيستا (Statista) وهي منصة ألمانية متخصصة في جمع وتحليل وعرض البيانات والإحصاءات، من المتوقع أن يتجاوز حجم سوق المدن الذكية عالميًا 1.4 تريليون دولار أمريكي بحلول 2030م، مدفوعًا بالاستثمارات في النقل الذكي، وإدارة الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس تحول المدن الذكية إلى أحد أسرع الأسواق نموًا على مستوى العالم.
وتتعزز في المملكة هذه الفرص في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تقوده رؤية 2030؛ فقد تجاوزت مساهمة الاقتصاد الرقمي %15 من الناتج المحلي الإجمالي، كما احتلت المملكة مراتب متقدمة عالميًا في عدد من مؤشرات الحكومة الرقمية والجاهزية التقنية.
وثمة توقعات بأن تسهم المشاريع الحضرية الكبرى، وفي مقدمتها “نيوم” والمشاريع الذكية الأخرى، في زيادة جاذبية الاستثمار، واستقطاب الشركات العالمية، ودعم نمو الشركات الناشئة، وخلق آلاف الوظائف النوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والهندسة الرقمية، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وإنترنت الأشياء، وإدارة الأنظمة الذكية، بما ينسجم مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

نحو مدن لا تكتفي بالنمو بل تتعلم
ومع تسارع التطور التقني، تبدو المدن ذاتية التشغيل مرشحة لأن تصبح أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، فهي ليست مجرد مبانٍ وشوارع مزودة بأجهزة ذكية، بل منظومات حية تتعلم وتتطور وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.
وبينما تتنافس الدول على بناء مدن المستقبل، تضع المملكة نفسها في مقدمة هذا السباق عبر مشاريع تجمع بين الطموح العمراني والتحول الاقتصادي، لتصبح المدينة القادمة أكثر من مساحة للعيش؛ بل منصة للابتكار والاستثمار وصناعة المستقبل.
غير أن نجاح هذا النموذج لا يعتمد على التقنيات المتقدمة وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة المدن على بناء منظومات تشريعية مرنة، وحوكمة رقمية فعّالة، وأطر قوية لحماية البيانات والأمن السيبراني، إلى جانب الاستثمار المستمر في تنمية الكفاءات البشرية القادرة على إدارة هذه التقنيات وتطويرها.
وفي ظل التوقعات بأن يعيش نحو %70 من سكان العالم في المدن بحلول عام 2050م فق تقديرات الأمم المتحدة، تزداد الحاجة إلى نماذج حضرية أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على إدارة الموارد ومواجهة تحديات النمو السكاني وتغير المناخ.
ومن هذا المنطلق، تمثل المدن ذاتية التشغيل أحد أبرز الاتجاهات المستقبلية في التخطيط الحضري، لما توفره من فرص لتحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وخلق قطاعات وفرص عمل جديدة قائمة على الاقتصاد الرقمي والابتكار.
وفي هذا السياق، تمثل تجربة المملكة في التحول إلى المدن ذاتية التشغيل نموذجًا يستحق المتابعة، إذ تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية الذكية، وتبني التقنيات الناشئة، وربط التنمية الحضرية بأهداف التنويع الاقتصادي والاستدامة. وإذا نجحت هذه التجارب في تحقيق مستهدفاتها، فقد تسهـــــم ليس فقط في إعادة تشكيـــل المدن داخل المملكة، بل أيضًا في تقديم نموذج عالمي جديد لكيفية بناء مدن المستقبل التي توازن بين التطور التقني، والاستدامة البيئية، والازدهار الاقتصادي، وجودة الحياة.
