20 مليار دولار حجم السوق العالمي لاحتجاز الكربون وتخزينه بمعدل نمو %18.1 بحلول عام 2034م.
196 مليار دولار قيمة الفرص الاستثمارية التي توفرها مشروعات احتجاز الكربون خلال العقد المقبل.
كيف تحول الغاز الأخطر على كوكب الأرض إلى الفرصة الاستثمارية الأكثر جاذبية في العالم؟
ففي الماضي القريب، كان التخلص من الكربون همًّا بيئيًا يثقل كاهل الحكومات، أما اليوم، وبفضل أهداف “الصافي الصفرية”، تحول احتجاز الكربون إلى ركيزة أساسية وإعادة تدوير ذكية تحول الانبعاثات إلى موارد ذات قيمة كبرى، لتبدأ حقبة جديدة لا مكان فيها للنفايات.

نمو كبير حتى عام 2030م
يتم حاليًا بحسب وكالة الطاقة الدولية، احتجاز حوالي 50 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وسط توقعات بأن يرتفع هذا الرقم إلى 430 مليون طن، مع إمكانية وصول سعة التخزين إلى 670 مليون طن بحلول عام 2030م.
وثمة توقعات بوصول حجم السوق العالمي لاحتجاز الكربون وتخزينه إلى حوالي 20 مليار دولار بحلول عام 2034م، مقارنةً مع 4.5 مليار دولار في عام 2025م، وحجم متوقع 5.3 مليار دولار نهاية العام الجاري، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره %18.1 خلال الفترة (2026م2034-م)، وهيمنت أمريكا الشمالية على سوق احتجاز الكربون وتخزينه بحصة سوقية بلغت %59.7 في عام 2025م، ويعد احتجاز الكربون في قطاع توليد الطاقة بالغاز بالغ الأهمية لتحقيق أهداف الاستدامة العالمية، إذ من المتوقع أن يسهم بنسبة %35 عالميًا نهاية عام 2026م، ما يُولّد فرص عمل كبيرة وفوائد اقتصادية عدة في مختلف القطاعات.

إقبال متزايد من شركات الطاقة
ويشهد قطاع احتجاز الكربون وتخزينه إقبالاً متزايدًا من مزودي المنتجات والخدمات، صغارًا وكبارًا، وقد أبدت شركات عالمية عديدة اهتمامًا كبيرًا بالدخول في اتفاقيات تعاون لتحديد ملامح المشهد التنافسي، فمثلاً تركز “شيفرون” عملاق الطاقة الأمريكي، بشكلٍ متزايد على إنشاء محطات جديدة لاحتجاز الكربون وتخزينه، وقامت بعقد شراكات مع جهات فاعلة رئيسية لتعزيز حضورها في مختلف مراحل العمليات؛ ففي ديسمبر 2022م، نجحت في جمع 318 مليون دولار في جولة تمويل، لصالح شركة “سفانتي”، لإنشاء مصنعها في مدينة “فانكوفر” الكندية، باستخدام تقنية مبتكرة يطلق عليها “المُرشحات”، وهي عبارة عن طبقات مُهيكلة لامتصاص الكربون.
كما تقود المملكة حراكًا عالميًا في منطقة الشرق الأوسط بنموذج استثماري وصناعي طموح، متناغمٍ مع أهداف مبادرة السعودية الخضراء، للوصول إلى الحياد الصفري، وتتجسد هذه الريادة في الشراكة الاستراتيجية التي عقدتها أرامكو السعودية مع عمالقة الخدمات الفنية والطاقة العالميّين، مثل: “لينداي” و”إس إل بي”، بهدف تطوير مركز استخلاص وتخزين الكربون في مدينة الجبيل الصناعية؛ والذي يُعد أحد أكبر المراكز المخطط لها عالميًا، ويستهدف استيعاب نحو 9 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا في مرحلته الأولى، مع التطلع للتوسع التدريجي لرفع هذه القدرة الاستيعابية إلى 44 مليون طن متري بحلول عام 2035م؛ ما يضع المملكة في صدارة المشهد التنافسي الدولي لإعادة تدوير الانبعاثات وتحويلها إلى ركائز اقتصادية مستدامة.
طلب مراكز البيانات على الطاقة
ووفقًا لأحدث تقارير مجموعة “وود ماكنزي” البريطانية الرائدة في الأبحاث والاستشارات العالمية، فإن احتجاز الكربون باستخدام الطاقة المُولّدة من الغاز قد يُصبح أسرع مسار قابل للتوسع لإزالة الكربون من مراكز البيانات، وذلك لتلبية الطلب المتزايد عليها، وأشار إلى أن مراكز البيانات في حاجة إلى طاقة إضافية تتراوح بين 100 و200 جيجاوات بحلول عام 2030م؛ حيث بلغ الطلب العالمي لمركز البيانات حوالي 450 تيراواط/ ساعة عام 2025م، وهو ما ينتج حوالي 200 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ورغم أن هذه الانبعاثات لا تزال أقل من قطاعات، مثل: الصلب والكيماويات والأسمنت، إلا أنها تتزايد بوتيرة أسرع. وأضاف التقرير أن أنظمة احتجاز الكربون قادرة على احتجاز ما بين %92 و%98 من انبعاثات المصانع ومحطات توليد الطاقة في العالم، ويمكن نشرها في غضون ثلاث إلى أربع سنوات، كما يمكن تحديث محطات الغاز القائمة في غضون ثلاث إلى خمس سنوات، ما يجعل هذه التقنية قابلة للتطبيق تجاريًا على المدى القريب.

احتجاز الكربون أم الطاقة المتجددة؟
ففي اختبارٍ نادر للمقارنة المباشرة بين عوائد الاستثمار بين تقنية احتجاز الكربون وتخزينه والطاقة المتجددة في الولايات المتحدة حتى عام 2050م، أشار الباحثون في معهد “بي إس إي هيلث إنرجي” في مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا، إلى أن احتجاز الكربون يتطلب حاليًا حوالي 5500 كيلووات ساعة من الكهرباء وتكلف 1000 دولار لإزالة طن واحد من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ومع خطط مستقبلية لخفض هذه التكلفة والطاقة المطلوبة، لتصل إلى 800 كيلووات ساعة و100 دولار لكل طن من ثاني أكسيد الكربون المُزال، في هذه الحالة ستتفوق هذه التقنية على مصادر الطاقة المتجددة في كافة الولايات الأمريكية.
فرص استثمارية عديدة
وأوضح أستاذ الهندسية الكيمائية في جامعة “هال” البريطانية، “مارتن تايلور”، أن وحدات احتجاز الكربون من الهواء تُعد حلاً مناخيًا عند استخدامها جنبًا إلى جنب مع مناهج وتقنيات أخرى لخفض انبعاثات الكربون، لكن البديل الأفضل هو أنظمة امتصاص ثاني أكسيد الكربون المباشر، والتي يتم تصميمها لتكون صغيرة الحجم وقابلة للتركيب في الأماكن العامة، ويمكن ربط عدة وحدات معًا لتشكيل وحدة أكبر، وهو ما قامت به شركة “كلايموركس”، الرائدة في تكنولوجيا إزالة الكربون في سويسرا، ويتم حاليًا الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون الناتج منها في البيوت الزجاجية المستخدمة في زراعة الخضراوات. وأضاف أنه يُمكن تشغيل وإيقاف وحدات احتجاز الكربون من الهواء الأصغر حجمًا بسهولة، تبعًا لتوافر الكهرباء، وهذا يجعلها مناسبة تمامًا لاستخدام الطاقة النظيفة من مصادر متجددة، والتي تتفاوت تبعًا للظروف الجوية، وبالتالي، يُمكن تطبيق هذه التقنية في المناطق التي تتمتع بتوافر طاقة نظيفة، كما أن وحدات الاحتجاز تعد طريقة للاستثمار وزيادة الأرباح، من خلال تقليل اعتماد الصناعات المحلية على مصادر خارجية لثاني أكسيد الكربون، وبالتالي تحقيق فوائد اقتصادية وفرص استثمارية في هذه المناطق.
وشدد “تايلور”، على أهمية نشر الوعي بين الناس حول أهمية احتجاز الكربون وتخزينة سواءً من الناحية البيئية والاقتصادية، والمنافع التي تعود على المجتمع ككل، مشيرًا إلى أنه يُمكن تركيب وحدات تجميع ثاني أكسيد الكربون في الحدائق، وعلى أسطح الأماكن العامة، والمباني الحضرية القائمة كالمكتبات والمباني السكنية الشاهقة، مما يوفر عوائد اقتصادية وفرص عمل في المستقبل.

موارد ذات قيمة مضافة
فيما أوضح الخبير في شركة “إيفرو إنرجي” البريطانية المتخصصة في الطاقة البديلة، “إليوت رينتون”، أن قطاع احتجاز وتخزين الكربون يشهد تقدمًا سريعًا، حيث يتضمن تحويل الانبعاثات إلى موارد ذات قيمة مضافة، يُمكن استخدامها كمادة خام لإنتاج مواد تُستخدم في صناعة الأغذية والمشروبات، أو معالجتها لإنتاج مواد كيميائية أو وقود مستدام، ويُعتقد خطأً في كثير من الأحيان أن تقنيات احتجاز الكربون حديثة أو أن الخبرة في هذا المجال قليلة، ففي الواقع، دأبت شركات النفط على احتجاز الكربون وحقنه في مكامن النفط لتحسين إنتاجيتها منذ حوالي نصف قرن.
وأضاف أن تنفيذ مشروع احتجاز الكربون وتخزينه، بالنسبة لفريق متمرس، لا يُعد أكثر تعقيدًا أو مخاطرة من أي مشروع بنية تحتية آخر، ففي الواقع، يوجد حاليًا 45 منشأة تجارية عاملة على مستوى العالم، ولدى المملكة المتحدة وحدها أكثر من 90 مشروعًا قيد التنفيذ في هذا المجال، مؤكدًا أن احتجاز الكربون وتخزينه سيلعب دورًا محوريًا في مواجهة تغير المناخ، وخلق فرص العمل، وتعزيز النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية الصناعية للدول التي تتبنى هذه المشروعات وتتوسع في تنفيذها، ولعل هذا ما دفع الحكومة البريطانية إلى تقديم التزامات كبيرة لهذه التقنية، وتخصيص 21.7 مليار جنيه إسترليني على مدى 25 عامًا لجعل المملكة المتحدة رائدة في مجال احتجاز الكربون وتخزينه والهيدروجين، لافتًأ إلى أن تطبيق تقنية احتجاز الكربون وتخزينه على مخلفات الأخشاب وتحويلها إلى طاقة يُمثل فرصةً استثمارية متعددة منخفضة المخاطر، ويفتح آفاقًا واسعةً لفرص مستقبلية عديدة.
وبشكل عام، توفر تقنية احتجاز الكربون وتخزينه في العالم فرص استثمارية بقيمة 196 مليار دولار خلال العقد المقبل، منها 53 مليار دولار في قطاع النقل، و43 مليار دولار في قطاع التخزين، ويصل الدعم الحكومي إلى 80 مليار دولار، مع ضرورة تحفيز الجهات المُصدرة للانبعاثات الكبيرة على خفض انبعاثاتها الكربونية، وأن تكون هذه التقنيات فعالة من حيث التكلفة والكفاءة، وأن يتوفر خيار عملي للاستخدام أو التخزين، بحسب منصة “كاربون لينز” التابعة لشركة “وود ماكينزي” لأبحاث الطاقة العالمية.
