يشهد العالم تحولات اقتصادية متسارعة أعادت النظر في مفاهيم “العولمة والانفتاح”؛ فقد كشفت الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد أن الاعتماد المفرط على الخارج قد يتحول من خيار اقتصادي إلى مصدر تهديد للأمن والاستقرار. ومن هنا، برز “توطين الاقتصاد” ليس كخيار اقتصادي بديل أو توجه تنموي، بل كاستراتيجية دفاعية حتمية وضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.
ولا تعني فلسفة توطين الاقتصاد تبني سياسات الانغلاق أو العزلة عن المجتمع الدولي، بل تعني باختصار: بناء خطوط دفاع إنتاجية داخل الحدود؛ ويأتي ذلك عبر نقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية المحلية.
هذا التحول الاستراتيجي يهدف إلى تحويل الاقتصادات الوطنية من مستهلك تابع لتقلبات السوق العالمية، إلى منتج مرن قادر على امتصاص الصدمات المفاجئة، سواء كانت أوبئة أو حروبًا قد تقطع شريان الإمداد في أي لحظة.
واكتسبت هذه الفلسفة في بلادنا أهمية خاصة في ظل التحولات التي تقودها رؤية 2030، عبر تنويع القاعدة الإنتاجية، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز المحتوى المحلي، وتطوير الصناعات الوطنية. ولا تقتصر أهمية هذه المساعي على تقليل الاعتماد على الواردات، بل تمتد إلى دعم الأمن الغذائي والدوائي، وخلق فرص عمل نوعية، ونقل التقنية، وبناء قدرات وطنية قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية.
ولا يُقاس التوطين الحقيقي بعدد المصانع وحده، ولا بمجرد تجميع منتجات مستوردة؛ بل بمدى امتلاك المعرفة، وتطوير الكفاءات، ورفع جودة الإنتاج وقدرته على المنافسة محليًا وعالميًا. وهنا تبرز مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليميــة لتحويــــل الاستثمار إلى إنتاج، والتأهيل إلى ابتكار، والموارد إلى فرص اقتصادية مستدامة.
إن الرهان اليوم ليس على أن ننتج المزيد فحسب، بل على أن ننتج بقدرات وطنية متقدمة، ونتبنى اقتصادًا أكثر مرونة في مواجهة الأزمات، وأوسع قدرة على صناعة المستقبل. فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بما نملك من ثروة فحسب، بل بما نمتلكه من معرفة وقدرة على الإنتاج، والتوطين ليس انسحابًا من العالم، بل استعداد لمنافسته بثقة واقتدار.
