رأي

فقاعة أسهم شركات التكنولوجيا تحت ضغط أسواق السندات

لم يعد التراجع في أسهم التكنولوجيا مجرد مسألة تتعلق بتصحيح التقييمات المرتفعة، بل بات يطرح سؤالاً أعمق حول الجدوى الاقتصادية لطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وحجم الإنفاق على مراكز البيانات، وقدرة الشركات على تحويل هذه الاستثمارات إلى تدفقات نقدية تبرر تكلفتها والانفاق المستمر في هذا القطاع.

فخلال أكتوبر 2026م، تصاعدت المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة والديون المستخدمة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع تزايد الضغوط على أسهم التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية.

والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يُغيّر الاقتصاد العالمي بالفعل، لكن ذلك لا يعني أن جميع الاستثمارات المرتبطة به ستنجح؛ فالقيمة الاقتصادية للتقنية تختلف عن القيمة السوقية للشركات التي تطورها، كما أن نمو الطلب لا يضمن تحقيق عائد مناسب على رأس المال المستثمر.

وعلى مدى السنوات الماضية، دفعت التوقعات المتفائلة شركات التكنولوجيا الكبرى ومشغلي مراكز البيانات إلى ضخ استثمارات ضخمة في الرقائق والخوادم والطاقة والبنية التحتية السحابية.

غير أن التوسع السريع يثير مخاوف من بناء قدرات تفوق الطلب الفعلي، خصوصًا إذا لم تنمُ إيرادات تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالسرعة اللازمة لتغطية تكاليف التشغيل والاستثمار، أضف إلى ذلك التنافسية الكبيرة بين شركات التكنولوجيا في داخل القطاع وما قد ينتج عنه من خروج شركات لن تستطيع التنافس.

هنا، تظهر أهمية سوق السندات، ليس بوصفه عاملاً موازيًا لتراجع أسهم التكنولوجيا، بل باعتباره أحد الاختبارات الأساسية لصلابة النموذج الاستثماري بأكمله.

فعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، تزداد تكلفة التمويل والاستدانة ويرتفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية، وهذا يضغط على أسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة، لأن جزءًا كبيرًا من قيمتها يعتمد على أرباح يُفترض تحقيقها بعد سنوات، ويصبح الأثر أشد على مشاريع مراكز البيانات التي تحتاج إلى إنفاق رأسمالي كبير قبل أن تبدأ في تنمية عوائد كافية.

وتتجاوز المخاطر مجرد تراجع أسعار الأسهم؛ فإذا ارتفعت تكلفة الاقتراض، أو تشددت شروط التمويل، فقد تتراجع الجدوى الاقتصادية لمشاريع كانت تبدو جذابة في بيئة الفائدة المنخفضة، وفي هذه الحالة، قد تضطر الشركات إلى تأجيل توسعاتها أو خفض إنفاقها أو حتى خروجها من السوق، بما ينعكس على موردي الرقائق ومعدات الشبكات ومشغلي البنية التحتية.

 

ولكن قراءة عوائد السندات تتطلب التمييز بين مسارين:

  • الأول: أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل بسبب التضخم أو زيادة الاقتراض الحكومي يرفع تكلفة رأس المال ويضغط على التقييمات، أما انخفاضها خلال موجات الهروب إلى الأصول الآمنة فقد يعكس تزايد القلق الاقتصادي، لكنه لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع التمويلية لجميع الشركات.
  • الثاني: أن ارتفاع هوامش العائد على سندات شركات التكنولوجيا مقارنة بالسندات الحكومية قد يشير إلى تنامي المخاطر الائتمانية وهنا المؤشر الأكثر خطورة.

 

لذلك، لا يكفي انخفاض أسهم التكنولوجيا للحكم بأن فقاعة الذكاء الاصطناعي قد انفجرت، فالاختبار الحقيقي يكَّمن فيما إذا كانت الشركات ستواصل الإنفاق بالمستويات الحالية، وما إذا كانت الإيرادات والتدفقات النقدية ستبرر تلك الالتزامات، وما إذا كان التمويل سيظل متاحًا بتكلفة مقبولة.

وقد تكون ثورة الذكاء الاصطناعي مستمرة، بينما تدخل الاستثمارات المرتبطة بها مرحلة أكثر صعوبة، وإذا اتضح أن البنية التحتية بُنيت على توقعات مفرطة في التفاؤل فقد تواجه الأسواق إعادة تسعير واسعة لا تقتصر على أسهم التكنولوجيا، بل تمتد إلى الائتمان والإنفاق الرأسمالي وبالتالي أزمة سوق وليست أزمة قطاع. والخطر الحقيقي ليس في أن يفشل الذكاء الاصطناعي، بل في أن تنجح التقنية بينما تفشل الحسابات المالية التي بُنيت عليها طفرتها الاستثمارية.