اقتصاديات الاقتصاد الرقمي

مليارات الدولارات خلف الشاشات!

حققت المملكة قفزات ومعدلات إنجاز متسارعة بفضل الدعم التنموي الحكومي، الذي رفع القيمة السوقية للقطاع لنحو 2.38 مليار دولار.

تخطـى عدد العامليــــــــــن في منظومــــة الألعــــاب والرياضـــات الإلكترونية والتقنيـــات السحابية حاجز 11.500 وظيفة، وهو ما يمثل إنجاز قرابة %29 من مستهدف الوظائف الإجمالي.

 

من الاستحواذ على شركات الألعاب إلى بناء استوديوهات كبرى.. كيف تتحول المملكة من مستهلك للمحتوى الرقمي إلى لاعب يسعى لامتلاك أدوات صناعته؟ ففي الوقت الذي اعتادت فيه الأسواق مراقبـــة شاشات الاقتصاد السعودي بحثًا عن أسعار النفط وقرارات “أوبك بلص”، بدأت شاشات أخرى في قلب المشهد تحمل أسماء مختلفة: شركات ألعاب، استوديوهات تطوير، منصات بث، مراكز بيانات وتقنيات للحوسبة السحابية، ومن خلف هذه الشاشات تتحرك مليارات الدولارات.

فلم تعد قصة المملكة في الاقتصاد الرقمي مجرد استثمارات تبحث عن عوائد مالية، بل باتت محاولة لبناء موقع مؤثر في النظام الرقمي العالمي، عبر امتلاك الأصول والملكية الفكرية والخبرات والبنية التحتية التي تصنع هذا الاقتصاد.

مليارات لامتلاك المنظومة

وفي قلب هذا التحول تأتي الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، التي تبلغ استثماراتها المستهدفة 38 مليار دولار، وتقود جانبًا كبيرًا من تنفيذها “مجموعة سافي” التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، التي تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء محفظة استثمارية إلى تشكيل منظومة متكاملة تمتد من تطوير الألعاب إلى نشرها وتنظيم البطولات والبث الرقمي، ومن أبرز صفقاتها الاستحواذ الكامل على شركة “سكوبلي” الأمريكية مقابل 4.9 مليار دولار، بما منحها ملكية عدد من الألعاب العالمية، من بينها “مونوبولي غو”، كما امتد التوسع إلى آسيا عبر الاتفاق على الاستحواذ على استوديو “مونتون” الصيني، مطور “موبايل ليجندز”، في صفقة تجاوزت 6 مليارات دولار.

ولم تتوقف الاستراتيجية عند المحتوى، إذ استحوذت مقابل 1.5 مليار دولار على مجموعتي “إي إس إل جيمينج” و”فيسيت”، ودمجتهما في “مجموعة إي إس إل فيسيت”، التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تنظيم البطولات التنافسية والبث الرقمي، وفي الأسواق المالية، نُقلت محافظ أسهم استراتيجية تقدر بنحو 12 مليار دولار إلى “سافي”، وتشمل حصصًا في شركات عالمية مثل “نينتندو” و”إلكترونيك آرتس” و”تيك-تو إنترأكتيف” و”كابكوم” و”نيكسون”. وهكذا لم تعد الاستثمارات السعودية تركز على شراء لعبة أو شركة منفردة، وإنما تمتد عبر سلسلة القيمة كاملة: التطوير، النشر، الملكية الفكرية، تنظيم المنافسات والبث.

ويرى نائب رئيس لجنة الاتصالات وتقنية المعلومات في غرفة الشرقية، سليمان عبدالحميد الزهير، أن ما يحدث يتجاوز بكثير فكرة الاستثمار في الألعاب بوصفها قطاعًا ترفيهيًا، قائلًا إننا أمام توجه حقيقي لبناء صناعة رقمية متكاملة، تسعى من خلالها المملكة إلى حجز دور مؤثر ومحوري على الخارطة العالمية؛ حيث لا يقتصر الطموح الوطني على البقاء في إطار المستهلك للتقنية والمحتوى الرقمي، بل الانتقال كاملًا إلى مربع المطور، المنتج، والمالك للملكية الفكرية.

ويشير الزهير إلى أن القيمة الحقيقية لقطاع الألعاب لا تكمن في الألعاب نفسها فقط، وإنما في الطبيعة التشابكية للصناعة، التي ترتبط مباشرة بالذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى الإبداعي.

وبحسب رؤيته، فإن دفع عجلة نمو هذا القطاع سيؤدي إلى بناء قدرات تقنية متقدمة تتجاوز حدود الألعاب، لتصب في قطاعات اقتصادية أخرى، وهو ما يجعله جزءًا من منظومة أوسع لتنويع الاقتصاد وبناء القدرات الرقمية المحلية.

ويربط الزهير هذا التحول بمستهدفات رؤية 2030، بخاصةً ما يتعلق بتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، وزيادة مساهمة القطاعات الرقمية والابتكارية في الناتج المحلي، وخلق وظائف نوعية، وبناء منظومة تقنية وإبداعية قادرة على المنافسة عالميًا.

سليمان عبدالحميد الزهير

السيادة الرقمية تبدأ من الداخل

وبالتوازي مع سياسة الاستحواذ الخارجي، تعمل “سافي” على بناء قاعدة إنتاج داخل المملكة، وفي مقدمتها “ستير ستوديوز” في مركز الملك عبدالله المالي بالرياض، وقد تجاوز فريق الاستوديو 80 خبيرًا من 21 جنسية، مع الحفاظ على نسبة توطين تبلغ %50 من المطورين والمصممين السعوديين، في محاولة لنقل الخبرة العالمية إلى الكوادر المحلية.

وبدأت “ستير ستوديوز” بألعاب الهواتف المحمولة، ونجحت لعبتها الأولى “جرونت راش” في تجاوز مليون تحميل، إلى جانب تعاونها مع شركات عالمية مثل: “وارنر براذرز” في إنتاج ألعاب من بينها “توم آند جيري بلاست”، وتتجه المرحلة المقبلة إلى تطوير ألعاب “الدرجة الأولى” لأجهزة الكونسول والمنصات المنزلية، بما يرفع سقف الطموح من تطوير ألعاب تجارية إلى صناعة ملكية فكرية سعودية قابلة للمنافسة عالميًا.

وعلى المستوى المحلي، اعتمد صندوق التنمية الوطني ميزانية لقطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بلغت 1.09 مليار ريال، جرى ضخ أكثر من 421 مليون ريال منها، وأسهم التمويل في دعم 82 جهة واستوديو محلي ناشئ، وتطوير أكثر من 127 لعبة رقمية سعودية بالكامل، إلى جانب استثمارات وشراكات في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي مع شركات عالمية، من بينها “أمازون ويب سيرفيسز”، وشراكات تقنية مع “يونريل إنجين”.

وتعكس هذه الاستثمارات مفهومًا أوسع للسيادة الرقمية؛ فامتلاك حصة في شركة عالمية يختلف عن امتلاك المعرفة والكوادر والبنية التحتية والملكية الفكرية داخل المملكة.

وتأتي هذه التحركات في وقت يتجه فيه سوق الألعاب العالمي إلى ما بين 213 و335 مليار دولار، مع قاعدة لاعبين تقارب 3.7 مليار لاعب، فيما تستحوذ ألعاب الهواتف المحمولة على نحو %57 من الإيرادات العالمية.

أما السوق السعودية فتقدر قيمتها بنحو 2.38 مليار دولار، أو قرابة 9 مليارات ريال، مع نحو 32.4 مليون لاعب نشط، ويمثل قطاع ألعاب الهواتف المحرك الأكبر للسوق المحلية، بقيمة تقدر بنحو 1.4 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 3.4 مليار دولار.

وتكشف هذه الأرقام حجم الفرصة: فالمملكة تمتلك قاعدة مستهلكين ضخمة، لكن الرهان الحقيقي هو تحويل هذه القاعدة إلى قاعدة إنتاج وتصدير للملكية الفكرية.

المعنى الحقيقي ليس في المليارات

يرى المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إنوسوفت”، لؤي لبني، أن الاستثمارات السعودية في التقنية والألعاب تمثل تحولًا في فلسفة الاستثمار، ويقول إن الخطط الاستراتيجية لـ”مجموعة سافي”، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي رُصدت لها محفظة استثمارية تتجاوز 38 مليار دولار، تعكس انتقال المملكة إلى مرحلة مختلفة في التعامل مع الاقتصاد التقني، ويضيف بقوله إن المعنى الحقيقي الكامن وراء هذه الأرقام المليارية هو أننا لم نعد نكتفي بموقع المستخدم للتقنية، بل صرنا نسهم بفاعلية في صناعتها ووضع قواعدها الحاكمة على الصعيد الدولي لافتًا إلى أن السيادة الرقمية بمفهومها المبسط تعني في نهاية المطاف أن تظل بياناتنا، وأنظمتنا، وقراراتنا السيادية الرقمية بالكامل تحت إدارتنا وقبضتنا الوطنية.

وقد حذَّر لبني في الوقت نفسه من النظر إلى حجم الإنفاق باعتباره معيار النجاح الوحيد، مؤكدًا أن العائد يصبح أكثر استدامة عندما تتمكن الشركات السعودية من الاستفادة المباشرة من المشاريع الكبرى، والمشاركة في تنفيذها، ونقل المعرفة إلى السوق المحلية.

ويقول إن العائد الأسمى يتجسد عندما يحصل شبابنا وبناتنا على وظائف نوعية وتنافسية، تتيح لهم فرصة الاحتكاك المباشر والتعلم من كبرى الشركات العالمية في هذا المجال، ويؤكد على أنه إذا كانت هذه العوائد ستتحقق من الشراكات، فما بالك بالأثر الاقتصادي والتنموي المضاعف الذي سيحدث حين نتمكن من ابتكار وصناعة هذه الألعاب والملكيات الفكرية محليًا وبأيدٍ سعودية؟ ويرى أن الاستثمارات يمكن أن تسهم في إعادة هيكلة وتنويع مصادر الدخل، وبناء قاعدة صناعية محلية، وتوليد وظائف مستدامة، وتوطيد منظومة الأمن الرقمي، وتعزيز حضور المملكة في المحافل الدولية، وأشار إلى أن حصول المملكة على المركز الثاني عالميًا في مؤشر البنك الدولي لنضج التقنية الحكومية بنسبة تحقيق بلغت %99.64، تعد دليلًا على تجاوز مرحلة الاستهلاك الرقمي.

هل تقترب المملكة من مستهدفاتها؟

وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية بحلول 2030م تحقيق مساهمة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تبلغ 50 مليار ريال، وخلق أكثر من 39 ألف فرصة عمل، وتطوير أكثر من 30 لعبة تنافس عالميًا من داخل المملكة.

كما تستهدف الوصول إلى المراكز الثلاثة الأولى عالميًا في عدد لاعبي الرياضات الإلكترونية المحترفين، والمرتبة الأولى في معدل الإنفاق لكل مستخدم.

وبحسب الأرقام بلغت القيمة السوقية للقطاع محليًا نحو 2.38 مليار دولار، فيما تجاوز عدد العاملين المباشرين وغير المباشرين في المنظومة 11,500 وظيفة.

وفي جانب الإنتاج المحلي، أسهم التمويل التنموي في دعم 127 لعبة و82 استوديو ناشئًا، بينما عزز تنظيم البطولات العالمية، والاستحواذ على “إي إس إل فيسيت”، موقع المملكة في سوق المنافسات والبث الرقمي، ولكن التحدي الأهم خلال السنــوات المقبــلة لن يكون في حجــم الاستحواذات، بل في تحويلهــا إلى عوائد تشغيلية، ووظائـــــــف، وملكــية فكريـــــة، وشركــــات وتقنيـــــــــات داخــــــــــل الاقتصاد السعودي.

لؤي لبني

ما الذي تكسبه المملكة؟

وفي النهاية، لا يقاس نجاح هذه الاستراتيجية بحجم الأموال التي أنفقت فقط، وإنما بما ستتركه داخل الاقتصاد من أصول ومعرفة وكفاءات؛ فالاستحواذات الخارجية يمكن أن تفتح الباب أمام مقار إقليمية واستوديوهات تطوير ومراكز تقنية داخل المملكة، بينما تمنح الاستثمارات المحلية الشركات الناشئة فرصة للنمو وبناء ملكيات فكرية سعودية.

كما أن تنظيم البطولات العالمية ينعش قطاعات موازية مثل الفنادق والطيران والتجزئة والخدمات اللوجستية، فيما يمكن للعبة سعودية ناجحة أن تتحول إلى أصل طويل الأجل يدر إيرادات من التراخيص وحقوق البث والامتيازات. لهذا، فإن السؤال لم يعد: كم أنفقت السعودية على الألعاب؟ بل كم من هذه المليارات سيتحول إلى تكنولوجيا سعودية، وملكية فكرية سعودية، ووظائف سعودية، ونفوذ رقمي مستدام؟ ففي اقتصاد المستقبل، لا تقتصر القوة على من يملك رأس المال، وإنما على من يملك البيانات والبرمجيات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والملكية الفكرية. ومن هذه الزاوية، تبدو الشاشات التي تتابعها المملكة اليوم مختلفة عن تلك التي اعتاد العالم مراقبتها في أسواق النفط، فهناك تتحرك أسعار البراميل، وهنا تتحرك قواعد الاقتصاد الرقمي نفسه.