اقتصاديات الصغيرة والمتوسطة

الصغيرة والمتوسطة.. “بطل خفي” في اقتصاد ما بعد النفط

لم يعد المطلوب مجرد إنشاء المزيد من المنشآت، وإنما تحويل الكتلة الكبيرة الموجودة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة بالفعل إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

عندما بدأت المملكة تنفيذ رؤية 2030 عام 2016م، تصدرت المشروعات العملاقة المشهد، من “نيوم” و”القدية” إلى مشروعات البحر الأحمر وغيرها من المشاريع التي أعادت رسم ملامح الاقتصاد والمكان. ولكن خلف هذه المشاريع الكبرى، كان تحول آخر يتشكل بهدوء داخل آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي أخذت تتحول تدريجيًا من كيانات محدودة الحجم والتأثير إلى مكوّن رئيس في الاقتصاد الجديد.

فخلال أقل من عقد، ارتفع عدد المنشآت من نحو 429 ألفًا إلى أكثر من 1.7 مليون سجل تجاري نشط، واستوعب القطاع نحو 8.88 مليون موظف وعامل، فيما تجاوزت مساهمته في الأنشطة غير النفطية %29، ولم يعد الحديث عن هذه المنشآت باعتبارها مجرد مستفيد من برامج الدعم والتمكين، بل باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسة لتنويع مصادر النمو، وخلق الوظائف، وتوسيع قاعدة الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط.

وبينما تستهدف الرؤية رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى %35، تدخل المملكة مرحلة جديدة من تطوير هذا القطاع؛ مرحلة لا تركز على زيادة أعداد المنشآت فحسب، وإنما على رفع إنتاجيتها، وتعزيز قدرتها على النمو، وربطها بسلاسل الإمداد، وتهيئتها للحصول على التمويل والاستثمار، لتصبح جزءًا أكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل الاقتصاد السعودي.

زيادة العدد أم صناعة القيمة؟

وكانت المملكة قد خاضت خلال السنوات الماضية، عملية إعادة بناء واسعة للبيئة التي تعمل فيها المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بدأت بتسهيل تأسيس المنشآت وممارسة الأعمال، وامتدت إلى التمويل والرقمنة والحوكمة وسلاسل الإمداد، وكشفت مؤشرات “منشآت” عن التحول الكبير الذي شهده القطاع؛ فإلى جانب النمو العددي، أصبحت المنشآت الصغيرة والمتوسطة موزعة على مختلف مناطق المملكة، مع استحواذ الرياض على النسبة الأكبر بنحو %39، تليها مكة المكرمة بـ %17، والمنطقة الشرقية بـ %16، فيما تتوزع النسبة المتبقية البالغة %28 على بقية المناطق.

ويعكس هذا تحولًا من قطاع محدود الحضور إلى قاعدة واسعة للنشاط الاقتصادي، فيما أسهم النمو في تعزيز قدرته على استيعاب العمالة، ولكن الرقم الأهم ربما لا يتعلق بعدد المنشآت أو العاملين، بل بجودة النمو؛ إذ تشير البيانات إلى ارتفاع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو %22.9، بينما تجاوزت مساهمتها في الأنشطة غير النفطية حاجز %29، هذا وتضــــع هذه الأرقــــام القطــــاع أمــــــام مرحلـــــة مختلفــــة: فلم يعد المطلـــوب مجرد إنشاء المزيد من المنشآت، وإنما تحويل الكتلة الكبيرة الموجودة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

 

التمويل من عقبة إلى محرك للنمو

وقد مثَّل التمويل لسنوات طويلة إحدى أكثر العقبات تعقيدًا أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ فالمصارف كانت تنظر إلى هذه المنشآت باعتبارها أعلى مخاطرة بسبب محدودية الضمانات، وضعف السجلات المالية لدى بعضها، وغياب القوائم المالية المدققة. ونتيجة لذلك، لم تكن حصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من إجمالي المحافظ الائتمانية في المملكة تتجاوز نحو %2، إلا أن المعادلة بدأت تتغير مع بناء منظومة تمويلية متكاملة، تجاوزت معها التسهيلات التمويلية الممنوحة للقطاع 420 مليار ريال.

وكان برنامج “كفالة” أحد أبرز الأدوات المستخدمة لتقليص مخاطر التمويل، من خلال تقديم ضمانات للمصارف والمؤسسات التمويلية، وصلت في بعض الحالات إلى %90، فيما تجاوزت المحفظة التمويلية المضمونة عبر البرنامج 130.6 مليار ريال.

ولم يتوقف التحول عند الضمانات؛ إذ تأسس بنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة ليعمل كذراع تمويلية متخصصة، ويقدم منتجات أكثر مرونة، تشمل تمويل رأس المال العامل والتمويل متناهي الصغر ومنتجات تمويلية رقمية، كما أسهمت بوابة التمويل الموحدة في تغيير طريقة وصول المنشآت إلى التمويل، من خلال تمكين صاحب المنشأة من تقديم طلب واحد إلى مجموعة من البنوك وشركات التمويل المرخصة، بما يعزز المنافسة بين الممولين ويمنح المنشأة فرصة اختيار العرض الأنسب. ومع هذه التحولات، ارتفعــــت حصـــــة التمويــــل الموجــه إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى أكثر من %11 من إجمالي القروض البنكية والمصرفية، في طريقها نحو مستهدف يبلغ %20 بحلول 2030م.

الأموال لم تعد المشكلة الوحيدة

غير أن الوصول إلى التمويل، رغم أهميته، لم يعد يمثل التحدي الوحيد أمام المنشآت؛ إذ يرى مستشار التسويق وتطوير الأعمال في حاضنة غرفة الشرقية، عبدالله بن علي، أن القطاع انتقل إلى مرحلة جديدة تختلف فيها احتياجات المنشآت عن السنوات الأولى من برامج الدعم، قائلًا إن التطور أصبح ملموسًا على أساس سنوي، خصوصًا مع تفكيك كثير من التعقيدات الإدارية وتسهيل الحصول على القروض والتسهيلات الائتمانية، لكنه يرى أن الأزمة الراهنة تحولت من قلة الدعم المالي إلى نقص في التوجيه الميداني، ويضيف أن المنشآت الواعدة، لاسيما العاملة في قطاعات مثل اللوجستيات، لا تحتاج إلى المال وحده، وإنما إلى “بوصلة” تساعدها على بناء عملياتها وربطها ببعضها البعض ووضع استراتيجيات تسويقية فعالة.

ومن واقع تعامله مع رواد الأعمال، يلفت بن علي إلى فجوة أخرى تتمثل في ضعف دراسات الجدوى لدى بعض أصحاب المشاريع، موضحًا أن طلب الدعم المالي لا يصاحبه أحيانًا تصور واضح للسوق أو المنافسين أو آليات الوصول إلى العملاء. ولهذا، يدعو إلى انتقال الحاضنات والجهات الداعمة من تقديم الدعم النظري إلى تقديم استشارات عملية وميدانية تساعد صاحب المنشأة على فهم احتياجات السوق، وقراءة المنافسين، وتحديد الأسواق المستهدفة، وبناء إدارات تسويق قادرة على العمل وفق معايير الشركات الكبرى، ولكن بما يتناسب مع حجم المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وما كان لهذا التوسع أن يحدث بالسرعة نفسها لولا التحول الرقمي الذي سهّل إجراءات التراخيص وخفّض تكاليف دخول السوق، مدعومًا بتطور البنية التحتية للمدفوعات والخدمات اللوجستية التي وسّعت وصولها للمستهلكين، وتكامل هذا التطور مع مبادرات “منشآت” الرقمية والاستشارية مثل (مزايا ونوافذ)، لتتحول فلسفة الدعم من مجرد مساعدة المنشآت على البقاء إلى تمكينها من بناء نماذج أعمال مستدامة وقابلة للنمو.

ومن جانبه يرى الخبير الاقتصادي، علي الجعفري أن التحول الذي شهده القطاع تجاوز الأرقام إلى تغيير طبيعة المنشآت نفسها، قائلًا إن خروج عدد متزايد من المنشآت من نموذج الإدارة العائلية التقليدية إلى الحوكمة المؤسسية وفصل الملكية عن الإدارة أسهم في رفع جاذبيتها الائتمانية والاستثمارية، وفتح الطريق أمامها للوصول إلى سوق الأسهـــــم الموازيـــة “نمـــو” وقنوات رأس المال المؤسسي.

ويشير إلى أن منظومة التمويل شهدت بدورها تحولًا نوعيًا، خصوصًا مع التوسع في التمويل القائم على تدفقات نقاط البيع، وهو ما نقل جزءًا من تقييم الجدارة الائتمانية من الاعتماد التقليدي على الضمانات إلى قدرة المنشأة على توليد تدفقات نقدية فعلية..

وبحسب الجعفري، فإن المنشآت الصغيرة والمتوسطة أصبحت أيضًا حلقات مهمة في سلاسل الإمداد المرتبطة بالمشروعات الكبرى، وهو ما يمنحها أسواقًا أكثر استقرارًا ويزيد قدرتها على التوسع. ويضيف أن مؤشرات ريادة الأعمال قفزت إلى %48.5 وفق تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال، معتبرًا أن هذا التحول يعني انتقال الرغبة الريادية من مجرد طموح فردي إلى أصول استثمارية يمكن أن تسهم في تعزيز متانة الاقتصاد الوطني.

الشركات القابلة للنمو

مع اتساع قاعدة المنشآت، بدأت السياسة الاقتصادية تتحول تدريجيًا من التركيز على الكم إلى التركيز على النوع؛ فكثرة المنشآت لا تعني بالضرورة اقتصادًا أكثر إنتاجية، ما لم تكن هذه المنشآت قادرة على النمو، وخلق وظائف، ورفع الإنتاجية، والاندماج في سلاسل القيمة المحلية والعالمية.

ومن هنا أصبحت الأولوية تتجه بصورة أكبر إلى الشركات التقنية والابتكارية والصناعية والقابلة للتوسع، مع فتح قنوات تمويل مؤسسية أمام الشركات التي تصل إلى مراحل متقدمة من النضج، ومن بينها الإدراج في السوق المالية الموازية “نمو”.

ويترافق ذلك مع توجه أكبر نحو ربط المنشآت الصغيرة والمتوسطة بسلاسل الإمداد المحلية، والاستفادة من المشروعات الكبرى في المملكة كقنوات لفتح أسواق جديدة أمامها، كما يتزايد التركيز على المنشآت التي تعمل في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وإدارة النفايات وإعادة التدوير، بما يتوافق مع التحولات الاقتصادية والبيئية الجديدة.

ولم يعد التمويل المصرفي القناة الوحيدة لنمو المنشآت؛ فقد تحولت المملكة إلى مركز رئيس لرأس المال الجريء في المنطقة، وجذبت استثمارات تجاوزت 1.72 مليار دولار، وفق البيانات الواردة في التقرير، كما منح تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر تمويل ريادة الأعمال بين الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، في مؤشر على اتساع وتنوع الأدوات التمويلية المتاحة أمام رواد الأعمال.

ويرى رائد الأعمال، محمد العسيري، أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتاج تكامل بين التوجه الحكومي لرفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى %35 من الناتج المحلي، وبين استجابة القطاع المصرفي والمؤسسات التمويلية.

ويقول إن توسع برامج الضمان والتحفيز، إلى جانب بنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لعب دورًا محوريًا في تسريع تطور القطاع، مشيرًا إلى أن الاهتمام بالمنشآت أصبح نابعًا من إدراك أنها “المحرك الرئيس لأي اقتصاد في العالم”. ويضيف أن القطاع شهد كذلك تحولًا في تركيبته، فلم يعد محصورًا في المنشآت العائلية، بل دخلت شركات منه إلى السوق المالية الموازية، واستفادت من الجولات الاستثمارية ورأس المال الجريء، بما ساعدها على التوسع والخروج من النطاق العائلي التقليدي.

حلقة في الاقتصاد العالمي

وتكتسب تجربة المملكة أهمية أكبر عند مقارنتها بحجم القطاع في الاقتصادات الأخرى؛ فالمنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما بين %90 و%95 من إجمالي الشركات، بينما تبلغ النسبة في المملكة، نحو %93.6.

ورغم أن مساهمة المنشآت في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال دون مستويات الاقتصادات المتقدمة، فإن الفجوة نفسها تمثل مساحة النمو الأكبر أمام المملكة؛ فالنمو المستهدف لا يقوم فقط على زيادة عدد المنشآت، وإنما على رفع إنتاجيتها، وتوسيع قدرتها على التصدير، وإدخالها في سلاسل الإمداد، وتحويل بعضها إلى شركات متوسطة وكبيرة قادرة على المنافسة والاستثمار.

ويقول العسيري إن المنشآت الصغيرة والمتوسطة لم تعد قطاعًا هامشيًا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة النمو، لكن الحفاظ على الزخم الحالي يتطلب، مواصلة تحديث البيئة التنظيمية والتمويلية، وضمان قدرة المنشآت على الاستمرار والتوسع.

وهنا تبدو المرحلة المقبلة أكثر صعوبة من مرحلة التأسيس؛ فقد نجحت المملكة في زيادة عدد المنشآت، وتسهيل دخولها إلى السوق، ورفع قدرتها على الحصول على التمويل، وتوسيع حضورها في الاقتصاد، أما التحدي التالي فهو تحويل هذا الحجم إلى إنتاجية؛ فالمنشأة التي تحصل على التمويل ولا تملك نموذجًا تشغيليًا مستدامًا ستظل عرضة للتعثر، والمنشأة التي تنمو دون حوكمة قد تجد صعوبة في جذب الاستثمار، بينما المنشأة التي تبقى خارج سلاسل الإمداد ستظل محدودة الأثر مهما بلغ عددها.

ولهذا تنتقل المملكة الآن من سؤال “كم منشأة لدينا؟” إلى سؤال أكثر جوهرية: كم منشأة منها تستطيع أن تنمو، وتنافس، وتصدّر، وتوظف، وتبني قيمة اقتصادية تتجاوز عمر مؤسسها؟