تحليل

“النفط”.. الوصول إلى البرميل أم العثور عليه؟

في سوق تتراجع فيه معدلات الطلب، لا تبدو أزمة النفط مرتبطة بنقص الخام بقدر ما ترتبط بقدرة البرميل على العبور والوصول والتكرير، فلم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في سوق النفط هو: هل يوجد نفط كافٍ في العالم؟ بل أصبح السؤال: هل يستطيع هذا النفط الوصول إلى المستهلك في الوقت والتكلفة المناسبين؟
هذه المفارقة تفسر جانبًا كبيرًا من التطورات التي شهدتها الأسواق خلال العام الجاري؛ فأسعار خام برنت ارتفعت من نحو 72 دولارًا للبرميل في بداية يوليو إلى أكثر من 100 دولار لاحقًا، وفي وقتٍ لم يتعافَ فيه الطلب العالمي بعد، تُشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على النفط سينخفض بشكل إضافي بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا خلال العام.
إذن، ما الذي يدفع الأسعار إلى الصعود في سوق يتراجع فيها الطلب؟ يبدو أن الإجابة تكمن في المتاح فعليًا، وليس الموجود نظريًا؛ فالنفط لا ينتقل مباشرة من الحقل إلى المستهلك، هناك سلسلة طويلة تبدأ بالإنتاج، ثم النقل عبر خطوط الأنابيب أو الناقلات، ثم التكرير، وأخيرًا توزيع المنتجات، وأي اضطراب في إحدى هذه السلسلة يمكن أن يقلل المعروض المتاح في السوق حتى لو ظلت كميات كبيرة من النفط موجودة في باطن الأرض، وتجربة العام أظهرت بوضوح أهمية هذه المعادلة.
فقد أصبحت الممرات البحرية، عنصرًا مباشرًا في تسعير النفط، فاضطراب حركة الناقلات لا يعني فقط تأخر وصول الشحنات، وإنما يعني أيضًا ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وطول المسارات الملاحية، فضلًا عن زيادة المخاطر التي يتحملها المشترون والبائعون، ما يعني أن القدرة اللوجستية أصبحت جزءًا من المعروض النفطي نفسه، وبالتالي فإن البرميل الذي يمكن إنتاجه ولكنه يواجه صعوبة في الوصول إلى السوق لا يساوي اقتصاديًا برميلًا آخر يمكن تسليمه بصورة مستقرة.
وهنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للمملكة ودول الخليج في توازن هذه المعادلة؛ حيث كشفت بيانات الشحن عن قفزة قوية في صادرات المملكة خلال سبتمبر الماضي لتصل إلى 6.6 مليون برميل يوميًا. بالتوازي مع ذلك، ارتفعت تدفقات الخام والمكثفات والمنتجات من دول الخليج (باستثناء إيران) إلى نحو 19.2 مليون برميل يوميًا، متجاوزةً %81 من مستويات ما قبل الأزمة. ومع ذلك، فإن عودة تدفقات الخام لا تعني بالضرورة تعافي سوق النفط بالكامل؛ إذ تكمن الفجوة الأكبر في قطاع المنتجات المكررة، وتُشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أنه رغم الارتفاع القوي في هوامش تكرير الديزل ووقود الطائرات، إلا أن صادرات المنتجات المكررة الخليجية لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الاضطرابات.
ويكشف ذلك، نقطة غالبًا ما تختفي وراء متابعة سعر برنت: المستهلك لا يشتري النفط الخام، وإنما يشتري ما ينتج عنه؛ فالطائرات تحتاج وقودًا، والشاحنات تحتاج ديزل، والمصانع تحتاج منتجات مكررة، وإذا تعرضت المصافي أو حركة المنتجات للاختناق، فقد تستمر أزمة الطاقة حتى مع تحسن إمدادات الخام، الأمر نفسه ينطبق على المخزونات العالمية التي لعبت دورًا أساسيًا في امتصاص الصدمة، لكنها دفعت ثمن ذلك من احتياطاتها، ووفق وكالة الطاقة الدولية تراجعت المخزونات النفطية العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل منذ بداية الأزمة، مع سحب نحو 95 مليون برميل خلال أغسطس وحده؛ وهو ما يعني أن السوق قد تكون قادرة على تحمل صدمة جديدة، لكن قدرتها على امتصاصها أصبحت أضعف، ومن هنا يمكن فهم ارتفاع أسعار النفط باعتباره تسعيرًا للمخاطر بقدر ما هو تسعير للبرميل نفسه.
وتستطيع أوبك بلص إدارة مستويات الإنتاج، والمنتجون يستطيعون زيادة أو خفض الإمدادات، لكن لا يمكن لأي قرار إنتاجي وحده أن يحل مشكلة مضيق مضطرب أو ناقلات أكثر تكلفة أو مصافٍ تعمل بطاقة أقل أو مخزونات آخذة في الانخفاض. لذلك تبدو سوق النفط اليوم مختلفة عن الصورة التقليدية التي تختصرها معادلة العرض والطلب.
والأهم أن سوق النفط لم تعد تُسعّر حجم الإنتاج فقط، بل أيضًا قدرة البرميل على الوصول إلى المستهلك بأمان وفي الوقت المناسب، لذلك قد ترتفع الأسعار رغم ضعف الطلب، إذا ارتفعت مخاطر النقل والتأمين والتكرير وتراجعت المخزونات.
وهذا يعني أن مرونة السوق مستقبلًا لن تعتمد فقط على الطاقة الإنتاجية، وإنما على القدرة على نقل البراميل وتكريرها وإعادة توجيهها بسرعة عند حدوث أي اضطراب. ومن هنا تتحول موثوقية الإمدادات إلى عنصر أساسي في تكوين السعر، لتصبح قيمة البرميل مرتبطة ليس بوجوده فقط، وإنما بإمكانية وصوله إلى السوق.
وبذلك، أصبحت معادلة الطاقة الجديدة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؛ حيث لم يعد البرميل المتاح فعليًا يُحسب بحجم الإنتاج وحده، بل بمدى تكامل عناصر الإنتاج، والنقل، والتكرير، والمخزونات، والأمن الجيوسياسي، ولعل هذا هو الدرس الأبرز الذي تقدمه تحولات السوق الحالية؛ فالأزمة اليوم لا تكمن في شح النفط نفسه، بل في المخاطر المتزايدة التي تحيط بالوصول إليه.
وفي ظل سوق عالمية شديدة الترابط، غدا المسار اللوجستي والجغرافي الذي يسلكه البرميل أكثر أهمية من موقع إنتاجه، وبناءً على ذلك فإن السؤال الجوهري الذي سيحدد اتجاه الأسعار مستقبلًا لم يعد: كم برميلًا يستطيع العالم إنتاجه؟ بل السؤال الأكثر إلحاحًا: كم برميلًا يمكن إيصاله بأمان، في الوقت المناسب، وبتكلفة تقع في متناول المستهلك؟