الشحن البحري كرييتڤ

الذكاء الاصطناعي يقود الشحن البحري

بلغت قيمة السوق نحو 11 مليار دولار عام 2025م، وسط توقعات بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ %3.5 خلال الفترة من 2026م إلى 2035م.

الشحن البحري المعتمد على الذكاء الاصطناعي يحقق مزايا اقتصادية عديدة أبرزها توفير الوقود والالتزام بالجداول الزمنية وانتظام سلاسل التوريد.

 

هل يمكن لمعادلة رياضية أن تقود عملاقًا حديديًا وسط البحار المفتوحة؟ يبدو الإجابة تحدث الآن. ففي قلب المحيط الهادئ، تدير خوارزميات الذكاء الاصطناعي رحلات سفن الحاويات العملاقة بدقة فائقة، وتثبت أن الخيـــال العلمي بات واقعًا تجريبيًا يُعاد كتابته يوميًا.

هذا التحول الرقمي تغلغل في كل تفاصيل الشحن البحري، فلم يعد يقتصر على ضبط المسارات فحسب، بل امتد ليتغلغل في كل تفاصيل الشحن البحري؛ عبر أنظمة ذكية تتنبأ بالأعطال وترشد استهلاك الوقود، ورغم القوانين المعقدة والتحديات التقنية التي تقف عائقًا أمام حلم “الإبحار بلا بشر”، فإن قطاع الملاحة قد دخل رسميًا عصر “السفن الذكية“.

سباق عالمي نحو السفن الذكية

تتسابق شركات الشحن وبناء السفن والموانئ حول العالم لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها، مستفيدة من أجهزة الاستشعار والمراقبة عن بُعد لمتابعة ظروف الشحنات، خصوصًا البضائع الحساسة لدرجة الحرارة والبضائع مرتفعة القيمة، كما تدعم خوارزميات التعلم الآلي الصيانة التنبؤية، وتحسن استخدام الحاويات وأوقات الوصول، وتبسط عمليات ساحات الشحن وإدارة الرافعات وتخطيط المسارات.

ولا تقتصر مكاسب هذه التقنيات على رفع الكفاءة التشغيلية؛ إذ يمكن أن تسهم أيضًا في خفض التكاليف وتقليل أوقات التوقف وتعزيز الشفافية، فضلًا عن تقليص انبعاثات الكربون عبر تحسين مسارات السفن ورفع كفاءة استهلاك الوقود.

وتأتي هذه التحولات في وقت تستعد فيه سوق حاويات الشحن العالمية لنمو مطرد خلال العقد المقبل، مدفوعة بزيادة حركة التجارة الدولية، والتحديث المتسارع للموانئ، والتحول الرقمي لشبكات الخدمات اللوجستية، إلى جانب تنامي الطلب على حلول أكثر كفاءة لنقل البضائع؛ فقد بلغت قيمة السوق نحو 11 مليار دولار عام 2025م وسط توقعات بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ %3.5 خلال الفترة من 2026م إلى 2035م، لتصل إلى نحو 11.4 مليار دولار عام 2026م قبل أن ترتفع إلى 15.5 مليار دولار بحلول 2035م.

 

سفنة تقود نفسها

وفي أحدث مؤشرات هذا السباق، وقعت مجموعة “سي إم إيه سي جي إم” و”بيرو فيريتاس” الفرنسيتان، إلى جانب معهد شنغهاي لأبحاث وتصميم السفن التجارية، اتفاقية شراكة لتطوير مفهوم سفينة حاويات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويركز المشروع في مراحله الأولى على تطوير نظام قادر على تخفيف أعباء العمل عن طواقم سفن الحاويات، وتعزيز مستويات السلامة والأمن البحري، وخفض استهلاك الوقود، وتحسين الأداء والكفاءة التشغيلية بصورة عامة.

وفي اليابان، تكثف الشركات الكبرى ومستثمرو رأس المال الجريء جهودهم لتطوير تقنيات قد تحدث تحولًا جذريًا في قطاع الشحن، ومن بين هذه الشركات “ميتسوي أو إس كيه لاينز”، التي تسعى إلى تشغيل سفن شحن عملاقة بصورة ذاتية بالكامل مستقبلًا، وهي الشركة التي تدير أسطولًا يضم نحو 900 سفينة حول العالم، تشمل سفن الشحن الضخمة وسفن الرحلات البحرية.

وتستند الشركة إلى قناعة بأن التطور الذي شهدته تقنيات القيادة الذاتية للمركبات البرية يمكن تطبيق أجزاء منه مستقبلًا على السفن، بما قد يتيح تشغيل السفن التجارية الكبيرة بتدخل بشري مباشر أقل بكثير خلال العقدين المقبلين، ولا يرتبط هذا الطموح بالكفاءة وحدها؛ إذ يمكن لتقنيات القيادة الذاتية أن تعزز سلامة الطواقم، خصوصًا مع تزايد المخاطر التي تواجه السفن في بعض مناطق العالم نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية.

اقتراب عصر السفن بلا طواقم

ورغم أن كثيرًا من المختصين يرون في السفن ذاتية القيادة مستقبلًا محتملًا للنقل البحري، فإن السؤال لم يعد: هل ستصل هذه السفن؟ بل أصبح: متى وإلى أي مدى يمكنها أن تحل محل الإنسان؟ ويشير خبير التجارة الدولية، “نيك باومان” إلى أن السفن ذاتية القيادة حققت تقدمًا تكنولوجيًا كبيرًا بفضل التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي، إلا أن استبدال الطواقم البشرية التقليدية في معظم الرحلات التجارية لا يزال يحتاج إلى سنوات طويلة.

وتعمل في الوقت الراهن، هذه التقنيات بصورة أفضل على مسارات شحن يمكن التنبؤ بها، وغالبًا ما تعتمد على تدخل أو مساعدة بشرية، كما أنها لا تزال تواجه تحديات في التعامل مع الظروف غير المتوقعة، مثل الأحوال الجوية القاسية والأعطال المفاجئة، وهي مواقف يستطيع البشر التكيف معها بصورة أكثر مرونة، ولكن هذا لا يعني أن تقنيات القيادة الذاتية لم تجد طريقها إلى السفن التجارية. على العكس، تستخدم الأساطيل الحديثة بالفعل العديد من الركائز التي يقوم عليها مفهوم الشحن الذاتي، بما في ذلك أنظمة تحسين المسارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإدارة استهلاك الوقود، والمساعدة على تجنب الأحوال الجوية السيئة، فضلًا عن أنظمة المراقبة القائمة على أجهزة الاستشعار، والتي يمكنها التنبؤ بمخاطر تتراوح بين احتمالية التصادم وأعطال المعدات.

 

السفينة الذكية ليست ذاتية القيادة

وهنا تظهر أهمية التمييز بين مفهومين غالبًا ما يجري الخلط بينهما: “السفينة الذكية” و”السفينة ذاتية القيادة”؛ فالسفينة الذكية تستخدم مجموعة من الأنظمة الرقمية والأتمتة والذكاء الاصطناعي لتحسين عملية اتخاذ القرار لدى الطاقم البشري، وهي تقنية أصبحت مستخدمة على نطاق واسع بالفعل، أما السفينة ذاتية القيادة، فتهدف إلى العمل بأقل قدر ممكن من التدخل البشري، أو من دونه تمامًا. وهذه التكنولوجيا، وفق “باومان”، لا تزال في مرحلة التطوير والاختبار. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تجارب مهمة تشير إلى أن الفكرة لم تعد مجرد تصور مستقبلي.

تجارب تفتح الطريق أمام الملاحة الذاتية

وفي عام 2022م، أجرت سفينة الشحن “سوزاكو” عرضًا رئيسيًا للملاحة الذاتية عبر مياه مزدحمة، بعد تزويدها بأنظمة ذكاء اصطناعي وأجهزة استشعار، خلال رحلة امتدت لنحو 490 ميلًا قبالة سواحل اليابان، وفي العام التالي، أكملت السفينة “يارا بيركلاند”، التي صُممت خصيصًا لتكون ذاتية القيادة وخالية من الانبعاثات، أكثر من 175 رحلة على مسار يبلغ طوله نحو 11 ميلًا لنقل الأسمدة على طول الساحل النرويجي. ورغم ذلك، لم تكن السفينة خالية تمامًا من العنصر البشري؛ إذ كان على متنها طاقم مكون من ثلاثة أفراد، التزامًا باللوائح الدولية المعمول بها، لكن الاختبار الأكثر لفتًا للانتباه جاء لاحقًا.

وفي أواخر عام 2025م أكملت سفينة حاويات تابعة لشركة “إيفرجرين مارين”، طورتها “سامسونج للصناعات الثقيلة”، رحلة ناجحة عبر المحيط الهادئ باستخدام نظام ملاحة مدعوم بالكامل بالذكاء الاصطناعي، وكانت الرحلة بمثابة اختبار عملي لقدرة الأنظمة الذاتية على التعامل مع رحلة طويلة نسبيًا، إذ حملت السفينة نحو 15 ألف حاوية وقطعت مسافة تقدر بنحو 10 آلاف كيلومتر، من أوكلاند في ولاية كاليفورنيا إلى كاوهسيونغ في تايوان.

وخلال الرحلة، حلل النظام الآلي الظروف الجوية كل ثلاث ساعات، واتخذ 104 قرارات مرتبطة بتحديد المسار الأمثل، إلى جانب تنفيذ 224 عملية تحكم آلي لتعديل حركة السفينة وضمان عبور آمن. والنتيجة لم تكن مجرد إثبات لقدرة النظام على توجيه السفينة؛ فقد أسهمت التكنولوجيا في تحقيق وفورات ملحوظة في استهلاك الوقود، مع الوصول في الموعد المحدد بدقة.

 

الوقود والوقت في يد الخوارزمية

وترى “سامسونج للصناعات الثقيلة” أن أهمية هذه التجربة تتجاوز الجانب التقني إلى قلب اقتصاديات قطاع الشحن؛ ففي الخدمات اللوجستية البحرية، يمكن لتأخر السفن بسبب الأحوال الجوية أو تغيير المسارات أن يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وزيادة التكاليف على أصحاب البضائع. وبالتالي، فإن قدرة الأنظمة الذاتية على الحفاظ على مواعيد الوصول قد تمنح شركات الشحن ميزة اقتصادية، إلى جانب الفوائد البيئية الناتجة عن خفض استهلاك الوقود.

وقال نائب رئيس معهد أبحاث بناء السفن والأنظمة البحرية في الشركة، “لي دونغ يون” إن التكنولوجيا قطعت شوطًا طويلًا منذ بدايتها؛ إذ تطور النظام من أداة مساعدة للملاحة الذاتية تركز أساسًا على تجنب التصادمات، إلى نظام قادر على الحفاظ على سرعات اقتصادية مع ضمان الوصول في الوقت المناسب، ويرى أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تقدم مساهمة كبيرة في قطاعي الشحن والخدمات اللوجستية العالميين، باعتبارها وسيلة أكثر صداقة للبيئة وقادرة على تحقيق وفورات كبيرة في استهلاك الوقود.

ورغم أن هذه التكنولوجيا لم تنتقل بعد إلى الاستخدام الواسع في الشحن لمسافات طويلة، فإن القطاع التنظيمي بدأ بدوره في الاستعداد لعصر السفن ذاتية القيادة، وفي مايو 2026م اعتمدت المنظمة البحرية الدولية أول إرشادات عالمية للسلامة الخاصة بالسفن ذاتية القيادة كليًا أو جزئيًا، تحت اسم “مدونة السفن السطحية البحرية ذاتية القيادة”. ويمثل ذلك مؤشرًا مهمًا على أن النقاش حول مستقبل السفن الذاتية لم يعد محصورًا في المختبرات والشركات الناشئة، بل أصبح جزءًا من عملية إعادة صياغة القواعد التي تحكم صناعة الشحن العالمية.

رحلة ناجحة لسفينة “إيفرجرين مارين” عبر المحيط الهادئ باستخدام نظام ملاحة مدعوم بالكامل بالذكاء الاصطناعي

من سفينة ذاتية القيادة إلى “ناقل بحري آلي”

ولكن التحول الأكبر قد لا يكون في التخلص من الطاقم البشري، بل في إعادة تعريف الطريقة التي تعمل بها شركات النقل البحري نفسها، ويشير المسؤول العالمي عن النمو في قطاع النقل والخدمات اللوجستية في مجموعة ديلويت، “توبياس كوبي”، إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الشركات والعمليات والصناعات وتوقعات العملاء.

وفي قطاع شحن الحاويات تحديدًا، يتزايد الضغط لتحويل طموحات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية ملموسة، في سوق تواجه فيه شركات النقل البحري اضطرابات جيوسياسية، وتقلبات في الطلب، وتغيرًا في مسارات التجارة، وضغوطًا تنظيمية، ومخاطر متزايدة للأمن السيبراني، فضلًا عن ارتفاع توقعات العملاء بشأن موثوقية الخدمة، وفي المقابل، لا تزال العديد من مشروعات الذكاء الاصطناعي التجريبية تكافح لتحقيق نتائج مستدامة، كما لم تندمج جميعها بصورة كاملة في برامج التحول المؤسسي.

ويحذر “كوبي” من أن مجرد تبني الذكاء الاصطناعي لن يمنح شركات النقل البحري ميزة تنافسية تلقائيًا؛ فالقيمة الحقيقية تظهر عندما ترتبط التكنولوجيا بالأولويات الاستراتيجية، وتُدمج في نموذج تشغيل واضح يقوم على الملكية المحددة، والحوكمة القوية، والبيانات الموثوقة، وسير العمل القابل للتكرار.

ومن هذا المنطلق، يدعو شركات الشحن إلى التحول نحو نموذج “الناقل البحري الآلي”، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار عبر سلسلة القيمة بأكملها، مع دمج التنفيذ البشري والآلي بصورة آمنة ومستدامة وقابلة للتكرار. وهذا النموذج، بحسب “كوبي”، لا يعني استبدال الخبرة البشرية، بل تعزيزها في المجالات التي تتجاوز فيها السرعة والتعقيد وتشابك العمليات قدرة الأساليب التقليدية على التعامل معها.

 

المستقبل لن يكون بلا بشر.. لكنه سيكون أكثر ذكاءً

ويبقى السؤال الأكبر مفتوحًا: هل ستبحر سفن الحاويات يومًا ما عبر المحيطات من دون طواقم بشرية؟ الإجابة لا تزال غير محسومة. فالتحديات التقنية والتنظيمية والأمنية والمسؤولية القانونية، إلى جانب قدرة الإنسان على التعامل مع الأحداث غير المتوقعة، تجعل الانتقال الكامل إلى السفن ذاتية القيادة مسارًا طويلًا ومعقدًا، ولكن هناك حقيقة تبدو أكثر وضوحًا: الذكاء الاصطناعي لن ينتظر وصول السفن ذاتية القيادة حتى يصبح جزءًا أساسيًا من الشحن البحري، فهو موجود بالفعل في غرف القيادة، وفي أنظمة مراقبة المحركات والحاويات، وفي تخطيط المسارات وإدارة الوقود والصيانة والتنبؤ بالطقس.

وبدلًا من أن يكون السؤال: متى يغادر الإنسان السفينة؟، قد يكون السؤال الأكثر واقعية هو: كيف سيعمل الإنسان إلى جانب الآلة داخل السفينة نفسها؟ وفي صناعة تعتمد على نقل مليارات الدولارات من البضائع عبر المحيطات، قد لا يكون المستقبل لسفن بلا بشر، بقدر ما يكون لسفن أكثر ذكاءً، وأكثر كفاءة، وأقل استهلاكًا للوقود، وأسرع استجابة للمتغيرات.