الهواء لاڤندر

حين يصبح الهواء مصدرًا للثروة!

3.3 مليار دولار قيمة سوق تقنيات التقاط الكربون عالميًا بحلول عام 2033م وتوقعات بنمو سنوي %46.3.

5 مليارات دولار قيمة متوقعة لسوق التقاط الكربون في المملكة وتراجع التكلفة بنسبة %15 بحلول عام 2030م.

 

بينما ينشغل العالم بالبحث عن طوق نجاة لتقليل الانبعاثات، التفتت الأنظار نحو ملاذ غير متوقع؛ ليس مصنعًا ضخمًا ولا محطة طاقة، بل الهواء الذي نتنفسه ذاته! فبدلًا من ملاحقة الكربون عند مصادره، ظهرت تقنيات ثورية تعمل كـ “مكانس عملاقة لشفط الكربون” مباشرة من الغلاف الجوي.

هذه التكنولوجيا لا تكتفي بتنظيف كوكبنا وتخزين الغازات الدفيئة للأبد، بل تعيد تدويرها بذكاء لتحولها إلى وقود مستدام ومواد بناء مبتكرة .. إننا نقف اليوم أمام فصل جديد تمامًا؛ حيث يلتقي إنقاذ البيئة بفرص اقتصادية واعدة وضخمة تتسابق نحوها استثمارات المستقبل.

استثمارات ضخمة لتوسيع المنشآت

وثمة دول عدة وعلى رأسها الولايات المتحدة تسعى إلى تسريع تطوير هذه الصناعة عبر ضخ استثمارات كبيرة؛ إذ أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية أواخر عام 2024م عن خطة لتقديم تمويل يصل إلى 1.8 مليار دولار لدعم إنشاء وتطوير وتشغيل منشآت واسعة النطاق للالتقاط المباشر من الهواء.

ويستهدف التمويل تسريع تطوير تقنيات إزالة الانبعاثات، ودعم إنشاء منشآت تجارية متوسطة وكبيرة الحجم، إلى جانب البنية التحتية اللازمة، ضمن توجه لإنشاء مراكز إقليمية للالتقاط المباشر من الهواء، وتشمل الخطة 21 مشروعًا، من بينها مركزان إقليميان في ولايتي لويزيانا وتكساس.

وقد برزت في العام نفسه صفقة لافتة بين شركة “وان بوينت فايف” وشركة “مايكروسوفت”، إذ وافقت الأولى، المتخصصة في تقنيات إزالة الانبعاثات، على بيع 500 ألف طن متري من أرصدة الإزالة إلى عملاق التكنولوجيا على مدى ست سنوات، وتُعد الصفقة أكبر عملية شراء فردية لأرصدة إزالة ثاني أكسيد الكربون يتم تأمينها عبر تقنية الالتقاط المباشر من الهواء، مع تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض في تكوينات ملحية داخل منشأة “استراتوس” بولاية تكساس، بدلًا من استخدامه في إنتاج النفط والغاز.

وتكتسب مثل هذه المشاريع أهمية خاصة للقطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها بصورة كاملة، إذ توفر التقنية مسارًا لإزالة الانبعاثات الموجودة أصلًا في الغلاف الجوي، وليس فقط الحد من الانبعاثات الجديدة، وفي سبتمبر 2025م جمعت شركة “تشستنت كاربون” المتخصصة في إزالة الانبعاثات 250 مليون دولار، بهدف توسيع برامجها المرتبطة بأرصدة الإزالة والتشجير في الولايات المتحدة، في مؤشر على تنامي الطلب من الشركات الساعية إلى الوفاء بالتزاماتها المناخية، بالتوازي مع عودة اهتمام المستثمرين بأسواق الإزالة الطوعية.

ولا يقتصر السباق على الولايات المتحدة؛ ففي ألمانيا تتعاون “سيمنز” مع شركة “يوكانيو” المتخصصة في تكنولوجيا المناخ لتوسيع نطاق تقنية التقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة، وفي يوليو 2026م افتُتحت في برلين أكبر منشأة تابعة للمشروع، فيما تستهدف “يوكانيو” الوصول إلى قدرة تُمكّنها من التقاط نصف جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2035م وهو حجم يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لكندا.

سوق تنمو بوتيرة متسارعة

ومع توسع المشروعات وارتفاع الطلب على حلول إزالة الانبعاثات، بدأت سوق الالتقاط المباشر من الهواء في التحول إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، وبحسب شركة “جراند فيو ريسرش” المتخصصة في أبحاث السوق، بلغت قيمة السوق العالمية لتقنيات الالتقاط المباشر من الهواء نحو 147 مليون دولار في عام 2025م ومن المتوقع أن ترتفع إلى 232 مليون دولار في نهاية عام 2026م قبل أن تصل إلى نحو 3.3 مليار دولار بحلول عام 2033م بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ %46.3 خلال الفترة من عام 2026م إلى عام 2033م، واستحوذت أمريكا الشمالية على الحصة الأكبر من الإيرادات عام 2025م، بنسبة بلغت %46.7، مدفوعة بالاستثمارات الحكومية والمشروعات التجارية وتزايد الطلب من الشركات الكبرى.

ويأتي هذا النمو في ظل بحث الحكومات والقطاعات الصناعية عن أدوات إضافية لمعالجة الانبعاثات التي يصعب التخلص منها بالوسائل التقليدية، كما يسهم الدعم الحكومي وحوافز إزالة الانبعاثات والتزامات الشركات بالاستدامة في جذب المزيد من الاستثمارات إلى هذه المشروعات.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن أسواق الإزالة الطوعية تمثل المحرك الرئيسي لمعظم مشروعات الالتقاط المباشر من الهواء، فيما أظهرت بيانات منصة CDR.fyi تسجيل عمليات شراء خدمات الإزالة الدائمة مستويات قياسية جديدة عام 2025م، مع اتجاه الشركات إلى إبرام التزامات شراء طويلة الأجل.

وتضم قائمة كبار المشترين شركات تقنية كبرى مثل “مايكروسوفت” و”جوجل” و”سترايب” و”شوبيفاي”، فيما أسهمت الصفقات طويلة الأجل في خفض أسعار الأرصدة الناتجة عن تقنية الالتقاط المباشر من الهواء إلى نحو 600 دولار للطن، رغم بقاء السعر أعلى بنحو ستة أضعاف من أعلى الأسعار المسجلة في أسواق الامتثال الإلزامي، غير أن ارتفاع التكلفة لا يزال أحد أبرز التحديات أمام انتشار التقنية على نطاق واسع؛ فإنشاء منشآت الالتقاط المباشر يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة لتوفير أنظمة فصل ثاني أكسيد الكربون، والمواد الكيميائية الماصة، وأجهزة التلامس مع الهواء، إلى جانب البنية التحتية اللازمة لضغط الغاز ونقله وتخزينه، كما تستهلك هذه المنشآت كميات كبيرة من الكهرباء والحرارة، ما يجعل تكلفة الطاقة عنصرًا حاسمًا في الجدوى الاقتصادية للمشروعات.

من الهواء إلى الوقود ومواد البناء

ولا تتوقف قيمة ثاني أكسيد الكربون المُلتقط عند إزالته من الغلاف الجوي؛ إذ يمكن تحويله إلى مادة أولية تدخل في عدد من الصناعات، وهو ما يفتح الباب أمام نموذج اقتصادي جديد يقوم على إعادة استخدامه بدلًا من التخلص منه فقط.

ويُعد الوقود المستدام أحد أبرز التطبيقات المحتملة، إذ يمكن إنتاجه من خلال دمج ثاني أكسيد الكربون مع الهيدروجين الناتج عن تحليل المياه باستخدام الكهرباء المتجددة أو منخفضة الانبعاثات، ويمكن استخدام هذا الوقود أو تخزينه ونقله، كما يمكن الاستفادة منه في توليد الكهرباء مجددًا. وشهد عام 2021م أول رحلة تابعة للخطوط الجوية الهولندية تعبر أجواء أوروبا باستخدام وقود كيروسين منتج من خلال تقنيات احتجاز والتقاط ثاني أكسيد الكربون.

ويمتد الاستخدام إلى الصناعات الكيميائية، إذ تعتمد منتجات واسعة الانتشار، مثل البلاستيك ومواد التعبئة والتغليف والأثاث والملابس والمستحضرات الصيدلانية والأغذية والأعلاف، على الكربون بوصفه مادة خام أساسية، وبدلًا من الاعتماد على المصادر الأحفورية كمادة أولية لهذه الصناعات، يمكن استخدام ثاني أكسيد الكربون المُلتقط، بما يدعم نشوء اقتصاد دائري يعيد إدخال المادة في دورة الإنتاج.

وأيضًا يبرز قطاع البناء والتشييد كأحد المجالات الواعدة للاستفادة من ثاني أكسيد الكربون المُلتقط، في ظل مساهمة القطاع بنحو %25 من إجمالي الانبعاثات العالمية، وتتمثل إحدى طرق الاستفادة في دمج ثاني أكسيد الكربون مع مواد غنية بالكالسيوم لإنتاج كربونات الكالسيوم، التي يمكن استخدامها في مواد البناء، سواء بصورة مباشرة في إنتاج الركام والطوب، أو بعد معالجتها وتحويلها إلى أسمنت.

وبالفعل، بدأت تطبيقات عملية تشمل إنتاج الطوب والبلاط ومواد رصف الطرق وبعض مكونات المباني ومواد العزل، باستخدام ما يُعرف بعملية تمعدن ثاني أكسيد الكربون الملتقط من الهواء، ومن الأمثلة على ذلك شركة “كلايم وركس” السويسرية، التي تستخدم وحدات لسحب الهواء واحتجاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى مادة صلبة، وفي اليابان، تتعاون شركة “إير كابتر” الأمريكية مع شركة “إن جي كيه” اليابانية لتطوير نظام للالتقاط المباشر يعتمد على السيراميك. وقد جرى تركيب النظام في مركز الأبحاث والتصنيع التابع لشركة “إزوا كونكريت” في محافظة فوكوشيما، وفي هذا النظام يُضاف ثاني أكسيد الكربون المُلتقط إلى مياه الصرف الناتجة عن مصنع الخرسانة، ليتحول إلى كربونات الكالسيوم، قبل استخدام المادة مباشرة في إنتاج خرسانة جديدة.

المملكة تتهيأ لسوق واعدة

تتجه أنظار المملكة إلى تقنيات الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء، باعتبارها أحد الحلول الواعدة ضمن منظومة أوسع لتنويع الاقتصاد وتطوير تقنيات خفض الانبعاثات، وتشير التوقعات إلى إمكانية وصول قيمة سوق هذه التقنيات في المملكة إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030م، مدفوعة بتنامي الاهتمام بأهداف الاستدامة، وتعزيز الاستثمارات في التقنيات المتقدمة، ودعم مسارات التحول الاقتصادي.

وتبرز الرياض وجدة والدمام، وفقًا لتقرير صادر عن شركة “كين” العالمية للأبحاث، بوصفها مراكز محتملة لنمو هذا القطاع، مستفيدةً من مواقعها الاستراتيجية وبنيتها التحتية، إلى جانب وجود الشركات الكبرى والمؤسسات البحثية التي يمكن أن تسهم في دعم الابتكار وتوسيع آفاق التعاون.

كما يشير التقرير إلى تنامي الاستثمارات في تقنيات التقاط الكربون وتخزينه في المملكة، ومن أبرزها مبادرات “أرامكو السعودية” التي تستهدف الوصول إلى قدرة تخزين تصل إلى 9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

وفي إطار توجهها نحو دعم الابتكار في هذا المجال، استثمرت “أرامكو فينتشرز” في شركة “يوكانيو” الألمانية الناشئة، التي تعمل على تطوير منشأة للالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء، تُعد من بين الأكبر من نوعها في ألمانيا.

وتعتمد الشركة على مذيبات مبتكرة وتقنيات كهروكيميائية تستخدم الطاقة المتجددة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، وتستهدف خفض تكلفة الالتقاط إلى أقل من 300 يورو للطن، بما يعزز قدرتها التنافسية في سوق تقنيات إزالة الكربون.

وامتدت استثمارات “أرامكو فينتشرز” لتشمل شركة “سبيريتوس” الأمريكية المتخصصة في تقنيات المناخ، إذ قادت مؤخرًا جولة تمويل من الفئة “أ” بقيمة 30 مليون دولار، وتركز الشركة على تطوير حلول لالتقاط ثاني أكسيد الكربون تستهدف مراكز البيانات والمواقع الصناعية، في خطوة تعكس تنامي اهتمام “أرامكو فينتشرز” بالتقنيات الداعمة لخفض الانبعاثات وتطوير حلول مبتكرة لإدارة الكربون، بما ينسجم مع التوجهات الأوسع للتحول في قطاع الطاقة.

وعلى مستوى التمويل، يشير التقرير إلى تخصيص نحو 400 مليون دولار لدعم تقنيات المناخ، في سياق الجهود الرامية إلى تحقيق مستهدفات المملكة المناخية، بما فيها الوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060م، وتعزيز أهداف “مبادرة السعودية الخضراء”، ومع تنامي اهتمام القطاعين العام والخاص بالحلول التقنية لخفض الانبعاثات، تبرز مؤشرات على استمرار نمو الاستثمارات في مجال الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء، مع توقعات بارتفاع مستويات التمويل بنسبة تصل إلى %20 مستقبلًا، بما يعزز فرص تطور هذا القطاع وتوسّع تطبيقاته في المملكة.

 

التقنية أمام اختبار التكلفة والكفاءة

وفي الوقت الذي تتوسع فيه المشروعات عالميًا، تعمل الشركات ومراكز الأبحاث على معالجة أحد أكبر تحديات هذه الصناعة: التكلفة واستهلاك الطاقة، وقد أسهمت التطورات التقنية الأخيرة في تحسين كفاءة عمليات الالتقاط وخفض احتياجات الطاقة، مع تطوير مواد وعمليات جديدة قادرة على التقاط ما يصل إلى %90 من ثاني أكسيد الكربون، مع تقليل الطاقة المطلوبة للتشغيل.

ومن المتوقع أن تسهم هذه التطورات في خفض التكلفة بنسبة لا تقل عن %15، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للتقنية ويفتح المجال أمام مزيد من التوسع في قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة به في المملكة.

وهكذا، لم يعد الهواء مجرد مستودع للانبعاثات؛ بل يتحول تدريجيًا إلى مورد صناعي محتمل، تتنافس الشركات والدول على تطوير الأدوات القادرة على استخراجه والاستفادة منه، وبينما لا تزال التكلفة واستهلاك الطاقة تحديين رئيسيين، فإن تدفق الاستثمارات واتساع قاعدة المشترين وتنوع التطبيقات يشيران إلى صناعة قد تجد خلال السنوات المقبلة موقعًا متقدمًا في الاقتصاد العالمي الجديد.