قد يصبح الفضاء أكبر منجم في التاريخ، لكن ثرواته لن تكون ذات قيمة حقيقية إلا إذا أمكن استخراجها واستغلالها بكلفة مجدية.
تجاوزت ثروات الفضاء حدود الخيال العلمي، لتدخل حيز الواقع؛ فالكويكبات العائمة على بُعد ملايين الكيلومترات أصبحت اليوم المناجم المستقبلية المفضلة لشركات التعدين بما تحويه من مليارات الدولارات من المعادن النفيسة. وبذلك، تخطى الفضاء مفهوم الرحلات الاستكشافية التقليدية ليصبح العمود الفقري للاقتصاد العالمي؛ بدءًا من الاتصالات والملاحة والمدفوعات الرقمية، وصولًا إلى إدارة سلاسل الإمداد ومراقبة المناخ والتنبؤ بالطقس.
ومع تطور التكنولوجيا وانخفاض تكلفة الوصول إلى المدار، يتسع مفهوم “اقتصاد الفضاء” ليشمل قطاعات جديدة، من خدمات الأقمار الصناعية والتصنيع في الفضاء إلى المحطات الفضائية وإعادة تدوير الموارد، وصولًا إلى التعدين خارج الأرض.
ولهذا تبدو عبارة عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي “نيل ديجراس تايسون”، بأن أول تريليونير في التاريخ قد يكون الشخص الذي يستغل الموارد الطبيعية في الكويكبات، أقرب إلى تصور اقتصادي مستقبلي منها إلى مجرد خيال علمي.

كنوز معلقة في الفضاء
وتتجه أنظار المستثمرين والعلماء إلى الكويكبات باعتبارها مخازن محتملة للموارد، إذ تشير الدراسات إلى احتواء بعض الصخور الفضائية على الماء ومعادن ثمينة ونادرة، بينها البلاتين والنيكل والكوبالت والذهب، وتكتسب المياه أهمية خاصة؛ إذ يمكن استخدامها مستقبلًا للشرب وإنتاج الأكسجين والهيدروجين والوقود، ما يجعلها موردًا استراتيجيًا للاستكشاف طويل الأمد بدلًا من مجرد مادة يُعاد نقلها إلى الأرض.
ولا يتوقف التعدين الفضائي عند استخراج الموارد وإعادتها إلى الأرض، بل قد يكون الاستخدام الأكثر جدوى اقتصاديًا هو إبقاؤها في الفضاء واستخدامها لبناء المنشآت وإنتاج الوقود ودعم الرحلات والبعثات المستقبلية، ومن بين الموارد التي حظيت باهتمام خاص “الهيليوم3-“، وهو نظير نادر يوجد على القمر بكميات يُقدّر بعضها بنحو مليون طن، ويُنظر إليه باعتباره وقودًا محتملًا لتطبيقات الاندماج النووي مستقبلًا، وإن كان استخدامه التجاري لا يزال بعيدًا عن مرحلة التطبيق الواسع.
وتكشف التقديرات المتداولة عن حجم الطموح الاقتصادي في هذا المجال؛ إذ تُقدّر القيمة المحتملة لموارد التعدين الفضائي بأكثر من 100 تريليون دولار، مقارنة بنحو 1.7 تريليون دولار للقيمة المادية لقطاع التعدين على الأرض.
وتنقسم الكويكبات، بصورة مبسطة، إلى ثلاثة أنواع رئيسية: النوع “S” الغني بالسيليكون والصخور، والنوع “C” الغني بالكربون ويُحتمل أن يحتوي على الماء، والنوع “M” الغني بالمعادن، ومن بينها الحديد والنيكل والبلاتين، وبينما تتباين التقديرات بشدة، تعكس بعض النماذج حجم الثروات الافتراضية التي يمكن أن تختزنها هذه الأجرام. فهناك تقديرات تضع قيمة كويكب “بينو” عند مئات الملايين من الدولارات، بينما تصل تقديرات أخرى لقيمة موارد كويكبات مثل “ريوجو” و”دافيدا” و”سايكي” إلى مليارات أو تريليونات، بل إلى أرقام فلكية يصعب مقارنتها بحجم الاقتصاد الأرضي، إلا أن هذه الأرقام تظل تقديرات نظرية لقيمة الموارد الموجودة، وليست قيمة تجارية قابلة للتحقق حاليًا؛ فامتلاك معدن ثمين في كويكب لا يعني أن استخراجه ونقله أو استخدامه سيكون مربحًا.
اقتصاد يتجه نحو التريليون
وقد تضاعف مع اتساع نطاق الاستخدامات الفضائية، اهتمام الحكومات والشركات والمستثمرين بالقطاع، وتشير بيانات وكالة الفضاء الأوروبية إلى أن السوق الفضائية العالمية الواسعة بلغت نحو 565 مليار يورو، منها قرابة 490 مليار يورو للأنشطة والخدمات النهائية، مثل الاتصالات والاستشعار والملاحة، فيما بلغ الاستثمار العام العالمي في الفضاء نحو 119 مليار يورو خلال 2025م، كما تتوقع الوكالة أن يصل اقتصاد الفضاء إلى نحو تريليون دولار خلال السنوات المقبلة، وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الإيرادات المرتبطة بالفضاء خلال 2025م تراوحت بين 550 و600 مليار دولار، فيما بلغ الاستثمار الخاص في شركات الفضاء نحو 11 إلى 13 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2021م.
أما الإنفاق الحكومي المدني على الفضاء لدى دول المنظمة فبلغ نحو 46.4 مليار دولار عام 2025م، مقارنة بـ 40.5 مليار دولار عام 2022م، وتتجاوز جاذبية القطاع حجم السوق وحده؛ إذ يرى المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية، “جوزيف أشباخر”، أن كل دولار يُستثمر في قطاع الفضاء يمكن أن يحقق عائدًا يتراوح بين خمسة وستة دولارات، وقد يصل إلى عشرة دولارات.

سباق عالمي على اقتصاد القمر
ولم يعد الفضاء ملعبًا حصريًا للولايات المتحدة وروسيا، إذ دخلت دول وشركات عديدة السباق، مدفوعة بإدراك أن السيطرة على البنية التحتية الفضائية والموارد المحتملة قد تصبح عنصرًا من عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية مستقبلًا.
وتسعى الصين إلى إنشاء منطقة اقتصادية بين الأرض والقمر بحلول عام 2050م مع تقديرات تشير إلى إمكانية تحقيق عوائد ضخمة منها، كما تعمل بالتعاون مع روسيا على مشروع لإنشاء قاعدة علمية مشتركة على القمر، فيما تستهدف بكين وجودًا دائمًا على سطحه خلال العقود المقبلة.
وتخطط روسيا بدورها لاستغلال الموارد القمرية ضمن خطط تمتد حتى عام 2040م، بينما تعمل شركات كندية وأمريكية على تطوير مشاريع مرتبطة بالتعدين القمري واستكشاف الكويكبات، وصولًا إلى خطط لبناء مستوطنات بشرية مستقبلية على المريخ.
كما أطلق الاتحاد الأوروبي صندوقًا بقيمة 1.1 مليار دولار لدعم الشركات الناشئة في قطاع الفضاء وتطوير تقنياته، فيما تبنت لوكسمبورغ مبادرات لتعزيز الاستثمار في استخراج الموارد من الكويكبات، هذا ولا يحتاج المستثمر بالضرورة إلى امتلاك مركبة فضائية حتى يدخل هذا السوق؛ فهناك فرص عبر الأسهم والصناديق والشركات العاملة في تصنيع الطائرات والمركبات الفضائية والأقمار الصناعية، إضافة إلى الدفاع وتحليل البيانات والاتصالات.

التعدين الأرضي بوابة محتملة للفضاء
وتملك المملكة مقومات يمكن أن تساعدها على لعب دور أكبر في اقتصاد الفضاء، في ظل تأسيس وكالة الفضاء السعودية، وتطوير الشراكات الدولية، ومشاركة المملكة في برامج الاستكشاف الفضائي، فضلًا عن عودة أول رائدي فضاء سعوديين إلى الأرض.
وتنظر وكالة الفضاء السعودية إلى القطاع باعتباره مجالًا لتنمية رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد وتطوير قطاعات واعدة، مع التركيز على توطين علوم وتقنيات الفضاء، وبناء القدرات البشرية والتقنية، وتشجيع الاستثمارات وتعزيز التعاون الدولي؛ وفي عام 2023م أعلنت شركة “ASpace” الصينية استثمار مليار ريال، بما يعادل نحو 266 مليون دولار، لإنشاء مصنع لتصنيع الأقمار الصناعية المتقدمة في المملكة، ولا تبدأ الميزة السعودية من الصفر؛ فخبرة المملكة في التعدين والمعادن على الأرض توفر قاعدة مهمة من الخبرات في الجيولوجيا ومعالجة المعادن والتمويل وسلاسل الإمداد، وهي مجالات يمكن تطويرها مستقبلًا لخدمة اقتصاد الموارد الفضائية، كما أن الاهتمام بالتصنيع في الفضاء والتقنيات اللازمة للبعثات المستقبلية إلى القمر والمريخ يفتح بابًا مختلفًا للتعدين الفضائي؛ إذ قد لا تكون القيمة الاقتصادية المستقبلية في إعادة المعادن إلى الأرض، وإنما في استخدامها داخل الفضاء لبناء المنشآت وإنتاج الوقود ودعم الرحلات البعيدة.
لماذا يتسابق المستثمرون؟
وقد تراجعت تكاليف إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية بصورة كبيرة بفضل تقنيات الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام، ما جعل الوصول إلى الفضاء أكثر سهولة وجدوى اقتصادية. وتُقدّر تكلفة بعض عمليات الإطلاق حاليًا بنحو 60 مليون دولار، مقارنة بنحو 200 مليون دولار في السابق. وفي الوقت نفسه، يتزايد الطلب العالمي على الاتصالات وخدمات الأقمار الصناعية، لاسيما مع التوسع في توفير الإنترنت للمناطق النائية، بينما أصبحت البيانات الفضائية عنصرًا مهمًا في الزراعة وإدارة المياه والنقل والتأمين ومراقبة المناخ والكوارث الطبيعية والدفاع المدني.
ويعزز هذا الاتجاه نمو البنية التحتية الفضائية، من موانئ الإطلاق والمحطات الأرضية إلى مراكز الأبحاث والمناطق التقنية المتخصصة، إضافة إلى تزايد أعداد المهندسين والباحثين والخبراء في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والاتصالات، كما تساعد الشراكات الدولية والتطور التدريجي للأطر القانونية المتعلقة بالتراخيص والترددات والبيانات والملكية الفكرية والتأمين على تقليل حالة عدم اليقين التي طالما مثلت عائقًا أمام المستثمرين.

طريق مليء بالمخاطر
ورغم كل هذه الفرص، لا يزال الاستثمار في الفضاء، والتعدين الفضائي تحديدًا، مشروعًا عالي المخاطر؛ فإنشاء المركبات الفضائية ومعدات التعدين يتطلب رؤوس أموال ضخمة، فضلًا عن تكاليف الإطلاق والنقل، بينما قد تحتاج المشروعات إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى عوائد تجارية، وتظل المخاطر التقنية كبيرة أيضًا؛ فأي تأخير في الإطلاق أو عطل في مركبة فضائية يمكن أن يحوّل استثمارًا بملايين الدولارات إلى خسارة، فيما لم تُختبر تقنيات التعدين الفضائي على نطاق واسع في ظروف انعدام الجاذبية أو انخفاضها.
إلى جانب ذلك، تفرض القوانين الدولية والتوترات الجيوسياسية وتدابير التصدير تحديات إضافية، وقد تؤثر على التعاون وسلاسل الإمداد والمشروعات العابرة للحدود، كما يمثل الحطام الفضائي والازدحام المداري تحديًا متزايدًا أمام توسع النشاط الفضائي، بما يفرض ضرورة تطوير تقنيات أكثر استدامة وإدارة أفضل للمدارات.

من الخيال إلى اقتصاد قابل للحياة
وتبدو فكرة استخراج الذهب والبلاتين والمياه من الكويكبات مغرية إلى حد يجعل الفضاء يبدو وكأنه أكبر منجم في التاريخ، لكن القيمة الحقيقية لهذا القطاع لن تُقاس بحجم المعادن الموجودة في الصخور الفضائية، وإنما بقدرة البشر على الوصول إليها واستخراجها واستخدامها بكلفة أقل من القيمة الاقتصادية التي توفرها.
ولهذا، قد يكون مستقبل التعدين الفضائي مختلفًا عما يتخيله البعض؛ فبدلًا من إعادة شحن المعادن إلى الأرض، قد تصبح الموارد المستخرجة وقودًا لبناء اقتصاد داخل الفضاء نفسه، يدعم المحطات والقواعد القمرية والرحلات إلى المريخ وما بعدها.
وبينما لا يزال الطريق طويلًا أمام تحويل هذه الرؤية إلى صناعة مربحة، فإن السباق قد بدأ بالفعل. وفي هذا السباق، لن تكون الثروة مرتبطة فقط بمن يملك المناجم على الأرض، بل ربما بمن ينجح أولًا في الوصول إلى المناجم التي تدور فوق رؤوسنا.
