إذا جاء نمو الثروات نتيجة ارتفاع أسعار الأصول وحده، دون نمو موازٍ في الإنتاجية والدخل وفرص العمل، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بدلًا من تعزيز النمو الشامل.
يُضاف كل ساعة تقريبًا اسمًا جديدًا إلى قائمة المليونيرات في المملكة؛ فقد يبدو الرقم للوهلة الأولى مجرد إحصائية عن الثروة، أو مشهدًا يعكس اتساع الفجوة بين أصحاب الدخول المختلفة، لكن خلف هذا الرقم قصة اقتصادية أكبر بكثير. فحين يتزايد عدد أصحاب الثروات، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعددهم، وإنما بمصدر هذه الثروات، وكيف تتكون، وأين تُستثمر، وما الذي يمكن أن تضيفه إلى الاقتصاد الوطني.
وبحسب أحدث تقرير لبنك UBS السويسري عن الثروة العالمية، بلغ عدد المليونيرات في المملكة نحو 348 ألف مليونير بالدولار الأمريكي، لتتصدر المملكة الدول العربية من حيث عدد المليونيرات، فيما انضم إلى هذه الفئة خلال عام 2025م وحده نحو 8.7 آلاف شخص، بزيادة بلغت %2.7.
وبذلك، أصبح من الممكن النظر إلى نمو الثروات الخاصة في المملكة باعتباره أكثر من مجرد ظاهرة مالية؛ فهو، في جانب منه، انعكاس للتحولات التي يشهدها الاقتصاد الوطني، ولتوسع قطاعات جديدة، ونمو سوق المال، وازدهار ريادة الأعمال، وارتفاع قيمة الأصول، وتزايد الفرص الاستثمارية.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فارتفاع عدد المليونيرات لا يعني بالضرورة أن جميع أفراد المجتمع أصبحوا أكثر ثراءً، ولا يمثل وحده مقياسًا كافيًا لرفاهية الاقتصاد. وإنما تكمن أهميته في كونه أحد المؤشرات التي تساعد على قراءة اتجاهات تكوين الثروة، وجاذبية الاستثمار، وطبيعة توزيع الأصول داخل الاقتصاد.

المملكة تتصدر المشهد العربي
تأتي المملكة في المرتبة الأولى بنحو 348 ألف مليونير، تليها الإمارات بنحو 183 ألفًا، ثم قطر بنحو 30 ألف مليونير، ولا تعني هذه الترتيبات بالضرورة أن الاقتصاد الذي يضم عددًا أكبر من المليونيرات هو الأقوى على الإطلاق، فعدد أصحاب الثروات يتأثر بأسعار الأصول، وأسعار العقارات، والنظم الضريبية، وتركيز الثروة، وهي عوامل تختلف بشدة من دولة إلى أخرى.
وتكشف البيانات عن إضافة نحو 24 مليونيرًا جديدًا يوميًا خلال عام 2025م، وهو معدل يلفت النظر ليس بسبب حجمه فقط، وإنما بسبب السياق الاقتصادي الذي ظهر فيه.
فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المملكة توسعًا واضحًا في قنوات تكوين الثروة، ولم يعد الاعتماد محصورًا في النشاطات التقليدية، بل ظهرت مسارات جديدة مرتبطة بسوق المال، وريادة الأعمال، والتقنية، والسياحة، والترفيه، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والاقتصاد الرقمي.
كما أسهم تطور الثقافة الاستثمارية لدى الأفراد في زيادة الإقبال على الأدوات المالية الحديثة، إلى جانب توسع خدمات التقنية المالية، وارتفاع الوعي بالاستثمار، وتراجع الاعتماد على الادخار التقليدي وحده.
وكان لبرامج الادخار والاستثمار التي طورتها المؤسسات الحكومية والمصرفية دور في تشجيع الأفراد على إدارة مدخراتهم بصورة أكثر فاعلية، فيما أتاح نمو سوق الأسهم وزيادة الطروحات الأولية فرصًا جديدة أمام المستثمرين المحليين للمشاركة في ملكية الشركات والاستفادة من نمو قيمتها.
محركات تكوين الثروة
ولا يمكن تفسير نمو عدد المليونيرات في المملكة بعامل واحد؛ فارتفاع قيمة العقارات، على سبيل المثال، كان أحد المحركات الرئيسة لزيادة صافي الثروات، خصوصًا مع ارتفاع معدلات تملك المواطنين للمساكن، وتحول جزء من الإنفاق الذي كان يذهب إلى الإيجار إلى امتلاك أصول عقارية قابلة للنمو في القيمة، ما عزز ثروات شرائح واسعة.
وفي الوقت نفسه، لعب سوق المال دورًا متزايدًا في تكوين الثروة، مع توسع قاعدة المستثمرين وارتفاع عدد الشركات المدرجة وتنامي الطروحات الأولية، أما العامل الثالث، وربما الأكثر أهمية على المدى الطويل، فهو ريادة الأعمال؛ فزيادة عدد الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة تعني أن تكوين الثروة أصبح يرتبط بصورة أكبر بامتلاك الأعمال، وليس فقط بامتلاك الأصول العقارية أو المالية. وهنا تبرز أهمية التحول الاقتصادي الذي تقوده الرؤية، التي استهدفت توسيع قاعدة الاقتصاد وتنمية الأنشطة غير النفطية، وخلق قطاعات جديدة قادرة على توليد الدخل والثروة وفرص العمل، وقد ظهرت بالفعل ثروات جديدة مرتبطة بقطاعات مثل التعدين، والسياحة، والترفيه، والتقنية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، إلى جانب نمو الشركات الخاصة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ليس كل مليونير ثريًا بالمعنى نفسه
ورغم جاذبية الرقم، فإن قراءة عدد المليونيرات تحتاج إلى وضعه في سياقه الصحيح؛ فالمليونير في الإحصاءات الدولية هو ببساطة شخص تتجاوز ثروته الصافية مليون دولار، وليس بالضرورة شخصًا يمتلك مليون دولار نقدًا في حساب مصرفي.
وقد يكون جزء كبير من ثروته في منزل أو عقار أو أسهم أو حصة في شركة، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار هذه الأصول قد يحول شخصًا إلى “مليونير” على الورق، من دون أن تتغير قدرته على الإنفاق أو مستوى دخله بنفس النسبة، وهذا ما يفسر ارتفاع أعداد المليونيرات في دول ترتفع فيها أسعار العقارات بصورة كبيرة، مثل أستراليا وكندا والمملكة المتحدة. كذلك، فإن بعض الدول تستفيد من أنظمة ضريبية جاذبة تستقطب أصحاب الثروات، ما يجعل عدد المليونيرات فيها انعكاسًا جزئيًا لجاذبية البيئة الضريبية والاستثمارية، وليس بالضرورة مؤشرًا منفردًا على قوة الإنتاج الصناعي أو حجم الاقتصاد. ومن هنا، فإن متوسط ثروة الفرد، والدخل المتاح، والقدرة الشرائية، ومستوى الإنتاجية تظل مؤشرات أكثر دقة عند تقييم مستوى الرفاهية الاقتصادية.
ثروة ساكنة وأخرى مولدة للقيمة
ورغم هذه التحفظات، فإن ارتفاع عدد أصحاب الثروات يظل مؤشرًا اقتصاديًا مهمًا؛ فالطبقات ذات الثروات المرتفعة تمتلك عادة فوائض مالية أكبر تمكنها من الدخول في استثمارات ذات درجة مخاطرة أعلى، بما في ذلك الاستثمار في الشركات الناشئة، والتقنية، والابتكار، والمشروعات الجديدة. وهنا تتحول الثروة الخاصة من مجرد أرقام في الحسابات الشخصية إلى مصدر محتمل لرأس المال الذي يمول الاقتصاد الحقيقي؛ فالمليونير الذي يستثمر في شركة ناشئة، أو يؤسس مصنعًا، أو يشارك في مشروع تقني، أو يمول توسع شركة قائمة، لا يزيد ثروته فحسب؛ بل يسهم في خلق وظائف، وزيادة الإنتاج، وتوسيع قاعدة القطاع الخاص.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل سيناريو اقتصادي لا يتمثل في زيادة عدد المليونيرات فحسب، وإنما في تحويل الثروة الخاصة إلى استثمارات إنتاجية. وهذا هو الفارق بين ثروة ساكنة وثروة مولدة للقيمة، ويمكن النظر إلى نمو عدد المليونيرات باعتباره نوعًا من “الترمومتر” الذي يقيس بصورة غير مباشرة، حيوية البيئة الاقتصادية، فكلما زادت قدرة الأفراد على تكوين الثروة من خلال العمل والاستثمار وريادة الأعمال، كان ذلك مؤشرًا على وجود فرص اقتصادية جديدة، كما أن وجود قاعدة واسعة من أصحاب الثروات يساهم في تطوير القطاع المالي نفسه، من خلال زيادة الطلب على خدمات إدارة الثروات، والمصارف الخاصة، والاستشارات المالية، والمكاتب العائلية، وإدارة الأصول، وهو ما يؤدي بدوره إلى توطين خبرات مالية متقدمة، ورفع كفاءة الأسواق، وتعميق سوق رأس المال، ولكن هذا المسار لا يخلو من تحدٍ مهم: تركز الثروة.
فإذا جاء نمو الثروات نتيجة ارتفاع أسعار الأصول وحده، دون نمو موازٍ في الإنتاجية والدخل وفرص العمل، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بدلًا من تعزيز النمو الشامل. ولهذا، فإن المؤشر الأهم ليس فقط: كم مليونيرًا جديدًا ظهر؟ بل أيضًا: كيف صنعوا ثرواتهم؟ وأين يستثمرونها؟ وكم منها يتحول إلى شركات ووظائف وإنتاج؟
من ثروة الأصول إلى ثروة الإنتاج
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في حالة المملكة؛ لأن التحول الاقتصادي الجاري يستهدف نقل الاقتصاد من الاعتماد الأكبر على النفط إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، وقد ساهمت برامج الرؤية في فتح مجالات جديدة أمام الاستثمار الخاص، وتطوير البيئة التشريعية، وتعزيز ريادة الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق قطاعات اقتصادية لم تكن موجودة بالحجم نفسه قبل سنوات. وفي الوقت نفسه، تجاوز عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة حاجز 1.7 مليون منشأة، بما يعكس اتساع قاعدة القطاع الخاص ونمو النشاط الريادي، كما تزامن نمو الثروة مع انخفاض البطالة إلى مستويات تاريخية، وارتفاع عدد السجلات التجارية، ونمو الأنشطة غير النفطية، وهي مؤشرات أكثر أهمية عند محاولة فهم طبيعة الثروات الجديدة في الاقتصاد السعودي؛ فالثروة التي تتولد من تأسيس شركة ناجحة، أو تطوير تقنية جديدة، أو إنشاء مشروع سياحي، أو الاستثمار في الخدمات اللوجستية، تختلف اقتصاديًا عن الثروة الناتجة فقط عن ارتفاع سعر أصل عقاري، والأولى تضيف قيمة إلى الناتج المحلي وتخلق وظائف وتولد استثمارات جديدة؛ أما الثانية فقد تظل في نطاق إعادة تقييم الأصول ما لم تتحول إلى نشاط إنتاجي.
ماذا يمكن أن تعني هذه الأرقام؟
ومن المرجح إذا استمر الاقتصاد الوطني في توسيع قاعدة القطاعات غير النفطية، أن يتغير مصدر الثروة الخاصة تدريجيًا، فالمليونير الجديد خلال السنوات المقبلة قد لا تكون ثروته مرتبطة فقط بامتلاك العقار أو الأسهم، وإنما بملكية شركة تعمل في الطاقة المتجددة، أو الخدمات اللوجستية، أو التقنية، أو السياحة، أو التعدين، أو الصناعات المتقدمة. وهنا تصبح زيادة عدد المليونيرات نتيجة، وليست هدفًا بحد ذاته؛ فالهدف الحقيقي هو بناء اقتصاد يستطيع أن ينتج الثروة بصورة مستدامة، ويوسع قاعدة المستفيدين منها، ويعيد توجيه المدخرات الخاصة إلى الاستثمار والإنتاج، كما أن جاذبية المملكة للمستثمرين الأجانب، وتطور البنية التحتية، والمناطق الاقتصادية الخاصة، وتحديث البيئة التشريعية، وتنوع الحوافز الاستثمارية، كلها عوامل يمكن أن تعزز دور السعودية كمركز إقليمي للأعمال ورأس المال.
السؤال: ماذا يفعل المليونير بثروته؟
قد يكون وصول عدد المليونيرات في السعودية إلى نحو 348 ألفًا خبرًا لافتًا في حد ذاته، لكنه يصبح أكثر أهمية عندما يوضع في سياقه الاقتصادي الأوسع؛ فالمؤشر يعكس، من جهة، ارتفاع قيمة الأصول وتوسع سوق المال والعقار، ومن جهة أخرى يعكس صعود ريادة الأعمال وتنوع مصادر الدخل والثروة وظهور فرص جديدة في قطاعات غير تقليدية، ولكن نجاح هذه الثروة في خدمة الاقتصاد الوطني سيظل مرتبطًا بقدرتها على الانتقال من الثروة الخاصة إلى الاستثمار المنتج.
وهنا تحديدًا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الرقم؛ فالمليونير الذي يحتفظ بثروته كأصل جامد يختلف اقتصاديًا عن المليونير الذي يحولها إلى مصنع أو شركة ناشئة أو استثمار تقني أو مشروع سياحي. وبالتالي، فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد السعودي خلال المرحلة المقبلة لن يكون: كم مليونيرًا جديدًا ستنتج المملكة؟ بل: كم شركة جديدة ستنشأ من هذه الثروات، وكم وظيفة ستخلقها، وكم قيمة مضافة ستضيفها إلى الاقتصاد؟
عندها فقط يمكن أن يتحول نمو عدد المليونيرات من مجرد رقم جذاب في التقارير الدولية إلى مؤشر حقيقي على نضج الاقتصاد، واتساع القطاع الخاص، واستدامة النمو، وقدرة المملكة على تحويل الثروة إلى قوة إنتاجية تدعم مستقبل الاقتصاد الوطني.
