شركة صينية تبتكر بطارية نووية صغيرة قادرة على العمل دون توقف لأكثر من 500 عام.
178 مليار دولار حجم سوق البطاريات النووية عالميًا بمعدل نمو سنوي %8 بحلول 2034م.
كان مفهوم بطارية تدوم لآلاف السنين مجرد فصل في رواية خيال علمي بعيدة المنال، لكن المشهد اليوم يختلف؛ فخلف الأبواب المغلقة، تنكبُّ عقول الباحثين والشركات المبتكرة على تحويل هذا الحلم إلى واقع ملموس، ليصنعوا قلبًا نابضًا للأجهزة لا يتوقف عن العمل لقرون.
تخيل عالمًا تختفي فيه فكرة “استبدال البطارية” أو البحث عن مقبس كهرباء؛ حيث تصبح الطاقة في الأجهزة جزءًا أصيلاً منها لا ينفد، فنحن اليوم نقف على أعتاب ثورة تقنية كبرى، لا تغير فقط طريقة استخدامنا لهواتفنا، بل تعيد تشكيل كيفية عمل العالم بأسره، من الأجهزة الطبية في أجسادنا إلى المسابر التي تجوب الفضاء، معلنةً نهاية حقبة “البطارية الضعيفة” وبداية عصر الطاقة التي لا تنتهي.

بطارية نووية صغيرة
ففي خطوةٍ جديدة نحو تطوير تكنولوجيا الطاقة النظيفة، أعلنت شركة “ووشي بيتا فارماتك” الصينية، بالتعاون مع جامعة “نورثويست نورمال”، عن تطوير أول نموذج لبطارية نووية فائقة العمر تعمل بعنصر الكربون 14، أطلقت عليها اسم “زولونغ1-“، محققةً بذلك تقدمًا ملحوظًا في مجال ابتكار البطاريات النووية الصغيرة.
وتقوم البطاريات النووية الصغيرة بتحويل طاقة التحلل الإشعاعي إلى كهرباء، وهو ما يختلف جوهريًا عن البطاريات التقليدية، وذكر قائد الفريق التقني في جامعة “نورثويست نورمال”، “تشانغ غوانغ هوي”، أن الابتكار الأساسي في بطارية “زولونغ1-” يكمن في استخدام الكربون 14 وهو نظير مشع يبلغ عمر النصف له 5,730 عامًا، مشيرًا إلى أنه تم توصيل مصباح “ليد” بالبطارية وعمل بكفاءة تامة لمدة 4 أشهر تقريبًا، كما تم دمجها مع شريحة بلوتوث، والتي نجحت في إرسال واستقبال الإشارات اللاسلكية.
وأضاف الباحث الصيني أن البطارية لديها القدرة على العمل في درجات حرارة مرتفعة جدًا قد تصل بين 100 إلى 200 درجة مئوية، بكفاءة أكبر بكثير تصل إلى عشر مرات مقارنةً ببطاريات الليثيوم أيون التقليدية، وبعمر افتراضي لا يقل عن 50 عامًا، لافتًا إلى العمل على تطوير النموذج الثاني من هذه البطارية، الذي سيركز على خفض تكاليف الإنتاج وتصغير الحجم، ومن المخطط إطلاقه نهاية العام الجاري بحجم عملة معدنية فقط.

وفي معرض تعليقه على البطارية المُبتكرة، أوضح الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم، “هان يونتشنغ”، أن الاختبارات تشير إلى أن المؤشرات التكنولوجية الأساسية لبطارية “تشولونغ1-“، بما في ذلك مستويات الطاقة وكفاءة تحويل الطاقة والاستقرار، يمكن وصفها بـ “المتقدمة”، وبذلك تُعد بمثابة جيلًا جديدًا من حلول الطاقة الصغيرة، ذات تطبيقات واسعة في مجالات الرعاية الصحية، وإنترنت الأشياء، واستكشاف الفضاء، فضلًا عن قدرتها على تشغيل أجهزة الزرع الطبية الدائمة، مثل واجهات الدماغ وتنظيم ضربات القلب وغيرها.
وأضاف أنه في البيئات القاسية، كأعماق المحيطات والقارة القطبية الجنوبية وعلى سطح القمر والمريخ، يمكن لهذه البطاريات أن تعمل كمصادر مستمرة للطاقة لا تحتاج إلى صيانة، كما أنها تُمكّن المركبات الفضائية بين النجوم من العمل باستمرار.
وثمة توقعات بنمو سوق البطاريات النووية في العالم بنسبة %8 خلال الفترة (2034-2026م)، وبلغ حجم السوق 89 مليار دولار في عام 2025م، مع توقعات بوصوله إلى 96.2 مليار دولار بنهاية عام 2026م، وبلوغه 178.2 مليار دولار بحلول عام 2034م، مدفوعًا بزيادة الطلب على مصادر الطاقة الموثوقة في صناعة السيارات، وتزايد الحاجة إلى بطاريات طويلة العمر، ومع ذلك، فإن توفر النظائر المُشعة في السوق بأسعار معقولة، والطلب المتزايد على الإلكترونيات منخفضة الطاقة، يجعلان البطاريات النووية مجدية اقتصاديًا، ومناسبة لتطبيقات توليد الكهرباء في المواقع النائية والتطبيقات المحمولة، مثل الأجهزة الطبية والتطبيقات العسكرية والفضائية. وتحلّ البطاريات النووية محل البطاريات الكهروكيميائية باستمرار في التطبيقات، نظرًا لصغر حجمها وطول عمر مصدر الطاقة.

بطارية لا تستبدل أبدًا
وفي إطار محاولات العلماء الحثيثة لابتكار بطاريات أكثر تقدمًا، توصلت باحثة كيمياء تدعى “ميا لي تاي” من جامعة كاليفورنيا في إرفاين الأمريكية إلى تقنية قد تُغير طريقة تصنيع البطاريات في المستقبل ذات تأثير هائل على استهلاك الطاقة، حيث طورت بالصدفة تقنية قد تسمح للبطارية بالاحتفاظ بشحنات لا نهائية، حيث تقربنا مادة البطارية المصنوعة من الأسلاك النانوية، والقابلة لإعادة الشحن مرات غير محدودة، خطوةً نحو بطارية لا تحتاج إلى استبدال أبدًا.
وتصدرت شركة “إن دي بي” الناشئة الأمريكية، عناوين الأخبار، قبل خمس سنوات، عندما أعلنت عن إتمامها اختبارين لإثبات جدوى بطاريتها النانوية الماسية، والمعروفة أيضًا باسم “بطارية الألماس النووي”، وأوضحت أن تقنيتها، المصنوعة من نفايات نووية مغلفة بألماس صناعي، تتمتع بعمر افتراضي أقصى يبلغ 28 ألف عام، وقد تصبح يومًا ما مصدرًا للطاقة منخفضة الكربون لأي شيء يحتاجها، من الطائرات إلى الهواتف الذكية.
وقبل 10 سنوات، توقع رائد الأعمال الملياردير في مجال التكنولوجيا “ماسايوشي سون”، الياباني الأصل، بأن يصل عدد أجهزة إنترنت الأشياء العاملة حول العالم إلى تريليون جهاز بحلول عام 2035م، وإذا تحققت توقعاته، تشير بعض تقديرات القطاع إلى الحاجة إلى استبدال 274 مليون بطارية متعلقة بإنترنت الأشياء يوميًا، ومن منظور القوى العاملة والموارد، تبدو هذه الرؤية لمستقبل متصل غير قابلة للاستمرار، ما لم يتمكن العلماء من ابتكار مصادر طاقة تدوم لفترات أطول بكثير.

بطاريات الألماس
وحقق مؤخرًا باحثون من هيئة الطاقة الذرية البريطانية وجامعة “بريستول” إنجازًا مهمًا بابتكار أول بطارية ألماس تعمل بالكربون 14 في العالم، من خلال الاستفادة من الخصائص الفريدة للكربون والألماس الصناعي لإنتاج مصدر طاقة آمن يدوم طويلاً.
ومن أهم مميزات بطارية الألماس، إمكانية تشغيل الأجهزة لآلاف السنين دون الحاجة إلى استبدالها أو إعادة شحنها، كما يوفر الغلاف الماسي حماية قوية من الإشعاع، مما يمنع أي تسرب للمواد المشعة، حيث يُصدر الكربون 14، إشعاعًا قصير المدى يمتصه هيكل الألماس بسهولة، فضلًا عن دورها في تحقيق الاستدامة، فمن خلال استخدام هذا النوع من الكربون المستخرج من النفايات النووية، تُسهم هذه البطاريات في تقليل كمية المواد المُشعة في البيئة، علاوةً على أنها لا تتطلب أي صيانة، مما يجعلها مثالية للاستخدام في المواقع النائية أو التي يصعب الوصول إليها.
وقال أستاذ علم المواد في مركز تحليل الأسطح بجامعة “بريستول”، وعضو معهد “كابوت” للبيئة “توم سكوت”: “لا توجد أجزاء متحركة، ولا انبعاثات، ولا صيانة مطلوبة، بل توليد مباشر للكهرباء، فمن خلال تغليف المواد المشعة داخل الألماس، نحول مشكلة النفايات النووية المزمنة إلى بطارية تعمل بالطاقة النووية ومصدر مُستدام للطاقة النظيفة”.
وتمتلك المملكة المتحدة حاليًا ما يقارب 95 ألف طن من قوالب الجرافيت، وباستخراج الكربون 14 منها، تنخفض نسبة إشعاعها، مما يُقلل من تكلفة وتحديات تخزين هذه النفايات النووية بأمان، حيث من المتوقع أن تُحدث هذه البطاريات طويلة العمر ثورة في مجال تشغيل الأجهزة لفترات طويلة، قد يُعادل تقريبًا عمر الحضارة الإنسانية.

نقلة نوعية في الصناعة
وأشار الخبير الفرنسي في المعالجة الحرارية وهندسة إزالة الكربون، “فرانسوا بييريل”، إلى أن الخصائص الفريدة لبطاريات الألماس تجعلها مناسبة لمجموعة واسعة من التطبيقات، مما يُحدث نقلة نوعية في مختلف الصناعات، على رأسها الأجهزة الطبية المزروعة، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، وزراعات العيون، وأجهزة السمع، التي تعد من أكثر التطبيقات الواعدة، إذ يُغني العمر الطويل لبطاريات الألماس عن الحاجة إلى استبدالها بشكلٍ متكرر، مما يُقلل من معاناة ومخاطر التدخلات الجراحية.
وأضاف “بييريل”، أن استكشاف الفضاء يُعد من المجالات المستفيدة من هذه البطاريات، باعتبارها مناسبة بشكل أكبر لتشغيل المركبات الفضائية والأقمار الصناعية والأجهزة في البيئات النائية والقاسية، مشيرًا إلى أن قدرتها على العمل لفترات طويلة دون صيانة تجعلها لا غنى عنها في مهمات الكواكب البعيدة أو في أعماق الفضاء، حيث لا يُمكن استخدام الطاقة الشمسية، كما يُمكنها تشغيل علامات الترددات اللاسلكية النشطة لتتبع المركبات الفضائية وحمولاتها لعقود، مما يُقلل التكاليف ويُطيل عمرها التشغيلي.
وأوضح أن هذه البطاريات لديها القدرة على تشغيل أجهزة استشعار ذاتية لرصد البيئة في الغابات النائية والصحاري والمحيطات، ويُمكّن عمرها الطويل من جمع البيانات على المدى البعيد دون الحاجة إلى استبدال البطاريات بشكلٍ متكرر، كما يُمكن استخدامها في أجهزة الاستشعار العسكرية، ومعدات المراقبة، والعمليات في المناطق النائية، حيث يصعب استبدال البطاريات، علاوةً على استخدامها في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، ورغم أنه من غير المُرجح أن تحل محل بطاريات الليثيوم أيون في المستقبل القريب، إلا أن عمرها الطويل يُوفر حلًا أكثر استدامة، مما يُقلل من النفايات الإلكترونية.

استكشاف الفضاء
من جانبه، ذكر الخبير المتخصص في تقنيات الفضاء، “إيفان هرينكو”، أن وكالات الفضاء لم تعد تحلم بزيارات قصيرة إلى القمر، بل تخطط للبقاء هناك، إذ تدرس وكالة “ناسا” إقامة طويلة الأمد في ثلاثينيات القرن الحالي، وتستعد الصين لإرسال بعثات مأهولة وإنشاء محطة دائمة بحلول نهاية العقد نفسه، ومع ذلك، تعتمد كل هذه الخطط الطموحة على حل مشكلة تبدو بسيطة: أين وكيف نخزن الطاقة في بيئة الفضاء القاسية؟ وأضاف أنه نادرًا ما يُظهر الخيال العلمي مصدر الطاقة لقباب المدن المضيئة على الكواكب الأخرى، لكن الواقع قاسٍ: بطاريات الفضاء هي الحلقة الأكثر عرضة للخطر، والفضاء هو عدوها اللدود، حيث تتراوح درجات الحرارة من -150 درجة مئوية في الليل القمري إلى +150 درجة مئوية في النهار القمري، مبينًا أن بطاريات الليثيوم أيون التقليدية في هواتفنا عديمة الفائدة تمامًا في مثل هذه الظروف، حيث تستخدم مهمات اليوم، مثل مركبة “برسيفيرانس” (وهي مختبر علمي أطلقته وكالة ناسا عام 2020م)، مولدات كهروحرارية تعمل بالنظائر المشعة مصممة خصيصًا، لكن المحطات طويلة الأمد تتطلب جيلًا جديدًا من البطاريات، وقد تساعد البطاريات الأبدية في حل هذه المشكلة.
وأوضح الخبير البريطاني في مجال التكنولوجيا، “رواري مكاليون”، أن السيارات الكهربائية من أكبر القطاعات المستفيدة من البطاريات الأبدية، فعلى سبيل المثال: يمكن لبطارية واحدة من الألماس النووي، تحتوي على 1 جرام من الكربون 14، أن تُنتج 15 جوالاً من الكهرباء يوميًا (الجول يُعادل 1 واط في الثانية)، وللمقارنة، فإن بطارية قلوية عادية من نوع (إيه إيه) تزن حوالي 20 جرامًا، تبلغ سعتها التخزينية 700 جول لكل جرام، وهي تُنتج طاقةً أكبر من بطارية ألماس نووي على المدى القصير، ولكنها ستنفد خلال 24 ساعة.
