اقتصاديات تخزين الطاقة

“تخزين الطاقة”.. الحلقة المفقودة

“تخزين الطاقة” بات خيارًا رئيسيًا واستثمارًا استراتيجيًا تبلغ قيمته عشرات المليارات من الدولارات.

أعلنت المملكة في ديسمبر 2025م عن أكبر نظام لتخزين الكهرباء بالبطاريات في العالم يغطي احتياجات أكثر من 400 ألف منزل.

 

في الماضي كان تخزين الطاقة محدودًا ومكلفًا، فاعتمد العالم على الوقود الأحفوري، ومع التطور التكنولوجي وازدياد الوعي البيئي، أصبح التخزين ضرورة، بدءًا من السدود الكهرومائية، مرورًا بتطور البطاريات منذ “أليساندرو فولتا” عام 1800م، وصولاً إلى التقنيات الحديثة مثل بطاريات الليثيوم، ليصبح تخزين الطاقة جزءًا أساسيًا من التحول نحو الطاقة النظيفة.

 

ويشهد الاقتصاد العالمي اليوم تحولاً كبيرًا في أحد أكثر قطاعاته نموًا، وهو قطاع تخزين الطاقة بالبطاريات، فقد أصبح هذا المجال، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كجزء ثانوي مرتبط بالكهرباء، أحد أهم الاستثمارات الاستراتيجية عالميًا، مع معدل نمو سنوي يقترب من %50، فلم يعد الحديث يدور فقط حول البطاريات بحد ذاتها، بل عن رهان عالمي بقيمة مليارات الدولارات لسد الفجوة بين إنتاج الطاقة واستهلاكها، والوصول إلى قدرة تشغيلية تتخطى 350 جيجاوات بحلول عام 2026م.

 

 

تخزين الطاقة وأهدافه

ويقصد بتخزين الطاقة عملية جمع الطاقة المنتجة في أوقات معينة لاستخدامها لاحقًا عند ارتفاع الطلب، وبمعنى آخر هو جمع الطاقة وحفظها كـ “احتياطي” لاستخدامها في أوقات أخرى، أي أنها آلية لحفظ الطاقة كاحتياطي يُستفاد منه عند الحاجة، وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه يساعد على استقرار شبكات الكهرباء ومنع تقلباتها، خاصة مع الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة غير المستقرة مثل: الشمس والرياح، كما يمثل تخزين الطاقة خطوة أساسية في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مثل النفط والفحم، والذي يؤدي إلى انبعاث غازات الدفيئة وتفاقم التغير المناخي والتلوث البيئي.

أليساندرو فولتا أمام ابتكاره لأول بطارية بدائية

عن تطور تخزين الطاقة

في الماضي، لم يكن تخزين الطاقة المتجددة شائعًا بسبب تكلفته العالية، وكانت الدول تعتمد على محطات الوقود الأحفوري لتلبية الطلب المتزايد، ولكن مع التقدم التكنولوجي وتزايد الوعي البيئي، أصبح التخزين ضرورة وليس خيارًا، وبدأت الفكرة تتبلور مع أنظمة الطاقة الكهرومائية، حيث يتم تخزين الطاقة على شكل طاقة ميكانيكية في السدود وتحويلها لاحقًا إلى كهرباء.

أما على مستوى البطاريات، فقد بدأت الرحلة عام 1800م، مع العالم الإيطالي أليساندرو فولتا الذي ابتكر أول بطارية بدائية. لاحقًا، طور جاستون بلانتي بطارية الرصاص الحمضية القابلة لإعادة الشحن، ثم ظهرت بطاريات أكثر تطورًا على يد توماس إديسون، وتطورت لاحقًا حتى وصلنا إلى بطاريات الليثيوم والبطاريات القلوية الحديثة. وخلال القرن العشرين، ظل الاعتماد الأكبر على الوقود الأحفوري، لكن التلوث البيئي والاحتباس الحراري دفعا العالم للتحول نحو الطاقة النظيفة، ما جعل تخزين الطاقة عنصرًا أساسيًا في هذا التحول.

أليساندرو فولتا

أهمية وفوائد تخزين الطاقة

ويُعد تخزين الطاقة من أهم الحلول لمواجهة أزمة الطاقة عالميًا، إذ يوفر فوائد اقتصادية وبيئية وتشغيلية متعددة، أولاً، يسهم في تقليل التكاليف على المدى الطويل، خاصة في أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، رغم ارتفاع تكلفة التركيب الأولية، كما يتيح توفير طاقة احتياطية تستخدم عند انقطاع الكهرباء، ما يقلل الخسائر في المنازل والشركات، ومن الناحية التاريخية، استخدمت تقنيات التخزين الحراري منذ القرن التاسع عشر، مثل حفظ الطعام باستخدام الجليد، وتطورت لاحقًا لتستخدم في تدفئة وتبريد المباني، كما يسهم التخزين في رفع كفاءة شبكات الكهرباء وتحسين استقرارها، ويُسهّل دمج مصادر الطاقة المتجددة ضمن الشبكات الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، يدعم تشغيل السيارات الكهربائية، ويساعد في تلبية الطلب خلال فترات الذروة عندما يكون الإنتاج المتجدد غير كافٍ.

طرق تخزين الطاقة واستخداماتها

ومع تطور التكنولوجيا، تعددت طرق تخزين الطاقة بشكل كبير، وأصبحت تشمل عدة تقنيات رئيسة، أولهما: التخزين بالبطاريات، وهو الأكثر انتشارًا، ويعتمد على تحويل الكهرباء إلى طاقة كيميائية قابلة للتخزين، ومن أبرز أنواعه بطاريات الرصاص الحمضية وبطاريات الليثيوم أيون، إضافة إلى تقنيات حديثة مثل بطاريات الحالة الصلبة وبطاريات التدفق، وثانيهما: التخزين المائي، وتعد السدود الكهرومائية من أكبر وسائل التخزين في العالم، حيث تُخزن الطاقة عبر ضخ المياه وإطلاقها لاحقًا لتوليد الكهرباء. وتصل كفاءتها إلى ما بين %75 و%85. وتشير تقارير الطاقة الدولية إلى أن هذا النوع يمثل نحو %90 من إجمالي التخزين العالمي، وثالثهما: التخزين الحراري، والذي يستخدم في تخزين الحرارة أو البرودة، ويُوظف في أنظمة التكييف والتدفئة، خاصة في المباني والمجمعات الكبيرة، ورابعهما: تخزين الهواء المضغوط، ويعتمد على ضغط الهواء وتخزينه في كهوف أو خزانات، ثم استخدامه لاحقًا لتشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء، وأخيرًا التخزين بالجاذبية، وهو تقنية حديثة تقوم على رفع كتل ضخمة من الخرسانة وتخزين الطاقة في وضعية الرفع، ثم إطلاقها لتوليد الكهرباء عند الحاجة.

مشروع بيشة لتخزين الطاقة بالبطاريات

المملكة وتخزين الطاقة

حققت المملكة تقدمًا كبيرًا في هذا المجال، لتصبح ضمن أكبر عشر أسواق عالمية في تخزين الطاقة بالبطاريات، وتسعى المملكة إلى تشغيل 8 جيجاوات/ساعة من مشاريع التخزين بحلول عام 2025م و22 جيجاوات/ساعة بحلول 2026م، ما يجعلها في المرتبة الثالثة عالميًا بعد الصين والولايات المتحدة، كما تهدف ضمن رؤية الطاقة المتجددة إلى أن تمثل مصادر الطاقة النظيفة %50 من إنتاج الكهرباء بحلول 2030م، مع الوصول إلى سعة تخزين تصل إلى 48 جيجاوات/ساعة.

ومن أبرز المشاريع مشروع بيشة لتخزين الطاقة بالبطاريات الذي يضم مئات الحاويات المتطورة لتخزين الكهرباء واستخدامها عند الحاجة، وفي عام 2025م، دشنت المملكة أحد أكبر أنظمة تخزين الطاقة في العالم بسعة 7.8 جيجاوات/ساعة موزعة على عدة مواقع، ومن المتوقع أن يوفر هذا النظام أكثر من 2.2 مليار كيلووات/ساعة سنويًا، وهو ما يكفي مئات الآلاف من المنازل.

التوقعات المستقبلية

لم تعد البطاريات تكتفي بدعم الطاقات المتجددة وتخزين الطاقة بها، بل باتت بديلاً قويًا لتخزين الكهرباء بالغاز، وهو ما يعكس الدور المتزايد لأنظمة التخزين بالبطاريات بوصفها عنصراً أساسياً في أنظمة الكهرباء الحديثة والنظيفة.

ومن المتوقع أن تشهد بطاريات تخزين الطاقة خلال السنوات القليلة القادمة نموًا كبيرًا في الأسواق العالمية، باعتبارها أحد الحلول الفعالة لتخزين الطاقة المتولدة من المصادر المتجددة.

وتشير التقارير إلى أن زخم انتشار أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات سيتسارع خلال عام 2026م، في ظل حالة النمو في هذا القطاع بالأسواق الرئيسة مثل الصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وألمانيا، وكذلك في الأسواق الناشئة والشرق الأوسط مثل السعودية وتشيلي وأوروبا الشرقية.

وفي هذا الإطار، تشير شركة “ريستاد إنرجي” للأبحاث أن السعة التشغيلية لتخزين البطاريات خلال عام 2025م، تجاوزت 250 جيجاوات، متخطية لأول مرة تخزين الطاقة الكهرومائي، كما تخطت الإضافات السنوية 100 جيجاوات (قدرة) /280 جيجاوات -ساعة (سعة) في عام 2025م ومن المتوقع أن تتجاوز 130 جيجاوات /350 جيجاوات -ساعة خلال العام الجاري.

وفي العام الماضي 2025م، تجاوز توليد الكهرباء من البطاريات في ولاية فيكتوريا الأسترالية إنتاج محطات الغاز، أما في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، فقد أسهمت البطاريات بأكثر من %20 من توليد الكهرباء خلال فترات المساء في أبريل 2025م، على خلاف السنوات السابقة؛ إذ كانت محطات الغاز الطبيعي هي التي تقوم بهذا الدور.

ولا شك أن تراجع تكاليف البطاريات في عام 2025م، كان أحد عوامل ازدهار تخزين الطاقة من خلال البطاريات؛ حيث تراجعت التكلفة الإجمالية الجاهزة لمشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات في الصين بنحو %15، لتصل إلى مستويات منخفضة بلغت نحو 150 دولارًا لكل كيلووات/ ساعة.

التحديات التي تواجه القطاع

وعلى الرغم من النمو السريع، يواجه قطاع تخزين الطاقة عدة تحديات مهمة، أبرزها ارتفاع تكاليف الاستثمار والصيانة، مما يؤثر على الجدوى الاقتصادية لبعض المشاريع، خاصة في ظل تقلب أسعار الطاقة، كما توجد تحديات تقنية تتعلق بقدرة البطاريات على التخزين طويل الأمد، إضافة إلى محدودية كفاءة بعض تقنيات مثل الهيدروجين في التخزين والنقل.

ومن التحديات أيضًا الاعتماد الكبير على الصين في سلاسل الإمداد، خصوصًا في المواد الخام مثل الليثيوم والكوبالت، ما يجعل السوق العالمي حساسًا لأي تغييرات في السياسات أو الإنتاج، هذا وتعاني بعض الدول من ضعف البنية التحتية اللازمة لدمج أنظمة التخزين مع شبكات الكهرباء، بالإضافة إلى غياب معايير عالمية موحدة لهذه الأنظمة.

يمكن القول إن تخزين الطاقة بالبطاريات لم يعد مجرد تقنية مساعدة، بل أصبح ركيزة أساسية في مستقبل الطاقة العالمي. فهو يجمع بين دعم الطاقة المتجددة، وتعزيز استقرار الشبكات، وتقليل الانبعاثات الكربونية، ومع استمرار التطور التكنولوجي وانخفاض التكاليف، من المتوقع أن يتحول هذا القطاع إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي في العقود القادمة، مع دور متزايد في بناء نظام طاقة أكثر استدامة ومرونة وكفاءة.